سبايك الدهب ج١ منى السيد

كانت هتكشف قدامهم كلهم مين فعلًا اللي غرقان في الديون.

والحقيقة كانت أخطر بكتير من مجرد سبعمية وعشرين ألف جنيه.

يتبع…

الجزء الثاني
بصيت لسرينة الموبايل وهي بتنور وتطفي في نص الصالة الهادية. الرقم كان مكتوب عليه “البنك” وجنبه اسم الموظف المسؤول عن حساباتنا وقروضنا.
أحمد وحماتي سعاد كانوا قاعدين قدام حلة الشوربة وشوية العيش، وشهم جايب ألوان. نظراتهم متسلطة عليا، مستنيين يفهموا الشاشة فيها إيه.
فتحت السبيكر وحطيت الموبايل في نص الترابيزة، بين طبق الشوربة الفاضي وبين عينين أحمد اللي كانت هتطير من التوتر.
صوت موظف البنك خرج هادي وواضح:
— أيوة يا مدام مريم.. مساء الخير. أنا بكلم حضرتك عشان أؤكد إن طلب “إلغاء التضامن” في القروض الشخصية ورَد صلب الشيكات اتنفّذ رسميًا من نص ساعة.
أحمد اتنفض من مكانه، الكرسي لورا خبط في الحيطة عمل صوت يخرّع.
— قروض إيه؟! تضامن إيه يا مريم؟! إنتِ بتعملي إيه من ورايا؟!
ما ردتش عليه، كملت كلامي مع موظف البنك بمنتهى البرود:
— تمام يا أستاذ شريف.. معنى كده إن القرض الشخصي الصادر باسم أستاذ أحمد، بضمان مرتبه وحسابنا المشترك، أبحاثه والتزاماته رجعت بالكامل على ذمته هو لوحده؟
الموظف رد بثقة:
— بالضبط كده يا فندم. بما إن حضرتك سحبتِ إقرار الضامن وبما إن الحساب اللي كان بينزل عليه المبالغ التكميلية اتقفل بنود التسوية، فصاحب القرض الأصلي هو المسؤول القانوني الوحيد عن سداد الأقساط الشهرية المتبقية، وقيمتها تسعة وأربعين ألف جنيه شهريًا لمدة أربع سنين.
حماتي حطت إيدها على صدرها وشقت بالصوت:
— يا مصيبتي! تسعة وأربعين ألف في الشهر؟! منين يا حسرة؟! ده مرقّة فرخة مش عارفين نطبخها النهارده!
أحمد وشّه بقى شبه السبّورة البيضا. الشفايف بتترعش، والعينين رايحة جاية بيني وبين الموبايل.
— مريم.. إنتِ كنتِ بتدفعي معايا الأقساط دي! إحنا اتفقنا إن القرض ده أخدته عشان أعوض خسارة البورصة بتاعة السنة اللي فاتت! إنتِ ازاي تخلعي وتسيبيني لوحدي غرقان؟!
قفلت الخط مع الموظف، وحطيت الموبايل في الشنطة. وبصيت له بعينين ناشفة ما فيهاش نقطة رحمة ولا ضعف.
— اتفقنا؟ كلمة “اتفقنا” دي يا أحمد ماتت الساعة سبعة بالليل، لما حوّلت 720 ألف جنيه -اللي هما دم قلبك ومكافأتك السنوية اللي كنا بنقول هنسدد بيها جزء من القرض ونحط الباقي مقدم الشقة- لأمك! إنت اخترت تلبّس أمك الدهب والفلوس، وتلبّسني أنا الديون والتزامات بيتك!
حماتي وقفت، ووشها أحمر من الغضب:
— جرى إيه يا مريم! ما تتعدلي كده في الكلام! الفلوس دي ابنها وهو حر فيها، وبعدين إنتِ بتقبضي فوق التسعين ألف! يعني الديون دي بالنسبة لك فكة! إنما هو غلبان ومحتاج أمه تدعيله!
ابتسمت لها ابتسامة مكسورة بس مليانة قرف.
— أه.. فكة؟ طب طالما هي فكة يا طنط سعاد، الـ 720 ألف جنيه اللي حضرتك خدتيهم وحطيتيهم في استثمار باسمك -أو باسم حد تاني الله أعلم بيه- ما ترديهم لابنك يفك بيهم زنقته؟ مش هو ابنك اللي بيحبك وبيقدرك؟ ورينا بقى حنيتك عليه وسدديلو قسط الشيكات اللي هيوديه في داهية الشهر الجاي!
حماتي سكتت فجأة، وبصت للبيspace الفاضي اللي قدامها. عينين أحمد لفت ليها بسرعة، والشك بدأ يأكل في قلبه زي السوس.
أحمد قرب من أمه، صوته كان جاف ومبحوح:
— أمي.. الفلوس فين بالضبط؟ إنتِ قلتيلي استثمار.. استثمار إيه ده اللي بياخد الفلوس لمدة سنتين ومن غير ما تقوليلي اسمه ولا يديني عقد؟
حماتي بدأت تتلخبط وتفرك في إيديها:
— إيه يا أحمد.. إنت بتستجوبني ولا إيه؟ أنا أمك! أومال هسرقك يعني؟! الفلوس محطوطة في مكان أمان.. في مشروع مع خالك إبراهيم.. وهو.. هو بيشغّلهم!
هنا أنا ما قدرتش أمسك نفسي، وضحكت بصوت عالي. ضحكة رنت في الصالة الفاضية.
أمي، اللي كانت واقفة عند باب المطبخ ساكتة ومنهارة من المنظر، قربت مني ومسكت كتفي بقلة حيلة:
— يا مريم يا بنتي.. استهدي بالله، الموضوغ مش كده، اقعدوا اتفاهموا يا ابني بالراحة..
مسكت إيد أمي وبستها قدامهم.
— لأ يا أمي.. الاتفاهم ده للمحترمين. الناس اللي بتعرف يعني إيه بيت وبيصونوا اللقمة. إنما دول؟ دول فاكرين إن الجواز سبوبة، وإن الست الشغالة الشاطرة هي بنك مجاني يسدد بلاويهم وهم يتمنظروا بالفلوس على حسابها!
أحمد صرخ بعلو صوته:
— اسكتي بقى! اسكتي يا مريم! إنتِ عايزة تخربي البيت؟! عشان كام ألف حوّلتهم لأمي تقوم تعملي فيا كل ده؟! تسحبي ضمان القرض، وتلغي الكروت، وتعملي العزومة اللي تكسر النفس دي قدام أهلي؟!
بصيت على سفرة “العزومة” الفاضية، ورحت وقفت جنبها.
— العزومة دي؟ دي أصدق حاجة دخلت البيت ده من تلت سنين يا أحمد. دي الحقيقة الحافية من غير تزويق! طول عمرك متعود تلاق السفرة مليانة بط ومحاشي وشمر وذكار، فاكر إن الحاجات دي بتنزل من السماء؟ ما تعرفش إن الأكلة الواحدة بتتكلف ألوفات وأنا اللي بدفعها من غير ما أتكلم عشان أرفع راسك؟ والنهارده.. لما طلبت منك حق أسطول بيتنا وحق أهلي، وريتني حجمي الحقيقي عندك. فا خلاص.. الشوربة والعيش هما مستواك الحقيقي معايا.
حماتي صرخت في أحمد:
— شايف؟! شايف مراتك الهانم بتعايرنا بالأكل؟ بتعايرنا عشان لقمة بنأكلها في شقتها؟! ما خلاص يا أخي طلقها وشوفلك واحدة تعرف قيمة الراجل وأهله!
أحمد بص لأمه بغضب لأول مرة في حياته، وحسيت إن الغشاوة بدأت تتقشع من على عينه بس بعد إيه؟ بعد ما الفأس وقعت في الرأس.
أحمد قال لأمه بصوت مكتوم:
— أطلق مين يا أمي؟! أطلقها وإحنا الشقة دي باسمها؟! أطلقها وأنا عليا قرض بتسعة وأربعين ألف جنيه في الشهر ومرتباتي كلها مش جايبة أربعين ألف؟! أطلقها والـ 720 ألف بتوعي ضاعوا ومش عارف هما فين؟!
حماتي اتراجعت خطوة لورا، وشها اصفر أكتر.
أنا مشيت ناحية المكتبة الصغيرة اللي في الصالة، طلعت منها الدوسية الأزرق، وحطيته على الترابيزة جنب الشوربة.
— ده إيه كمان؟ — أحمد سأل بصوت خايف، كأنه مستني المصيبة الجاية.
— دي دعوى طلاق للضرر، ومعاها إنذار برفع يدك عن أي مشتريات أو كروت تخصني. الشقة دي شقتي يا أحمد، مسجلة باسمي من قبل ما أعرفك بنص يوم. وأنا مدياك مهلة لحد بكرة الصبح.. تاخد أهدمتك وحاجاتك الشخصية، وتتفضل تخرج من هنا مع الوالدة الكريمة.
أحمد اتربى في مكانه.
— تتطرديني من البيت يا مريم؟! بعد كل السنين دي؟ عشان فلوس؟!
— لأ.. مش عشان فلوس. عشان غدر! الفلوس بتروح وتيجي يا أحمد، لكن لما تحس إن اللي ساكن معاك في بيت واحد بيشوفك مجرد “حصالة” يدفع منها ويثبت بيها رجولته قدام أهله على حساب كرامتك وأهلك.. يبقى القعدة معاه حرمانية وقرف!
أمي قربت مني وعينيها دمّعت:
— يا مريم يا بنتي، بلاش تخربي بيتك، فكري شوية يا بنتي الزعل بيعمي النفوس..
— أمي.. — بصيت لها بثبات — إنتِ جيتي من الزقازيق عشان ترتاحي وتشوفيني مبسوطة. الراجل ده كان بيخليكي تنامي في الأوضة الصغيرة اللي ما فيهاش حتى تكييف في عز الحر، وكان بيجيب أمه تقعد في الاوضة الماستر ويصرف عليها من عرقي. إنتِ سكتِ واستحملتِ عشان خاطري، بس أنا مش هسكت تاني. اللي ما يحترمش أمي، وما يعملهاش حساب زي ما بيعمل لأمه، ما يلزموش يبقالي جوز ولا يلزم له يورث في ظلي.
حولت نظري لحماتي سعاد، اللي كانت واقفة ومبرقة، أخيرًا حسّت إن اللعبة أكبر منها وإن ابنها بضيع منها ومن غير حتى ما تاخد من ورائه منفعة.
قربت منها خطوتين، وحطيت إيدي في جيبي.
— طنط سعاد.. إنتِ كنتِ جاية النهارده فاكرة إنك هتاكلي عزومة رأس السنة، وتتفرجي عليا وأنا بسدد فواتير لبسك ومشترياتك، وترجعي بيتك مبسوطة بـ 720 ألف جنيه في حسابك. لكن للأسف، الحفلة خلصت. والفلوس اللي إنتِ خدتيها من أحمد؟ أنا أنصحك ترجعيها له فورًا، لأنك لو ما رجعتيهاش.. ابنك هيدخل السجن بسبب الشيكات والقرض اللي ملوش ضامن من بكرة!
حماتي بصت لأحمد، وريثها الوحيد وسندها، ولقته قاعد على الكرسي حاطط إيده على راسه وبيعيط زي العيل الصغير. لا بقى قادر يتكلم ولا يدافع عن نفسه، ولا قادر يبص في وشي.
— أحمد.. — صوته كان طالع بالعافية وهو بيكلم أمه — الفلوس فين؟ قوليلي الصراحة.. خالي إبراهيم خد الفلوس يعمل بيها إيه؟!
سعاد اتلعثمت، وعينيها راحت في كل زوايا الأوضة:
— أصل.. أصل خالك إبراهيم كان زنوق في بضاعة في الجمرك يا أحمد.. وقالي هيديني عليهم أرباح كبيرة أول ما تطلع..
أحمد رفع راسه، وكانت دي اللحظة اللي انكسر فيها أمله الأخير.
— يعني الفلوس راحت؟ دخلت في بضاعة محجوزة في الجمرك وممكن تروح علينا كلها؟!
سكتت سعاد وما ردتش.
أنا ابتسمت بهدوء، وأخدت إيد أمي في إيدي.
— يلا يا أمي.. الأوضة الماستر أهي فضيت، تعالي أدخلي ارتاحي فيها، بكرة الصبح عندنا سفر للزقازيق عشان نشتريلك الشقة الجديدة اللي جنب أخواتك من فلوس الدهب اللي اشتريتهولك.
وبصيت لأحمد وحماتي قبل ما أدخل الأوضة:
— الشنط تترص الليلة يا أحمد. بكرة الساعة تمانية الصبح المحامي بتاعي هيبدأ يغير كالون الشقة. ولو لقيت حد فيكم هنا.. هطلعلكم بلاغ بعدم التعرض وطرد بالتعدي على ملكية خاصة.
دخلت أنا وأمي الأوضة، وقفت ورا الباب، وسمعت برة صوت أحمد وهو بينفجر في أمه بأعلى صوته، وصوت عياطها واعتذاراتها اللي ملهاش أي قيمة بعد ما الخراب بقى حقيقة.
قفلت الباب بلمسة هادية، وحسيت بنسيم حرية ونظافة غريبة دخلت صدري لأول مرة من تلت سنين.
بس الموبايل في إيدي اهتز تاني..
رسالة جديدة وصلت على الواتساب من رقم غريب، مكتوب فيها:
“لو فاكرة إن الـ 720 ألف جنيه هما بس اللي ضاعوا من أحمد.. تبقي غلطانة. افتحي الملف المرفق وشوفي جوزك كان بيمضي على إيه تاني في ظهرك طول السنة اللي فاتت.”
أيدي اتقبضت على الموبايل، وفتحت الملف وأنا مش مصدقة اللي عيني بتشوفه…
يتبع…

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *