همسه في الظلام ج٢ شروق خالد
وضعتُ الهاتف في جيبي، وعيني لم تفارق وجهها. كانت تفاصيل الليلة تترابط في رأسي بسرعة كقطع الشطرنج.
إبراهيم لم يهرب بالعشرة آلاف جنيه فقط؛ كان يعلم أن سرقة المبلغ ستجعلني أثور وأصبّ كل غضبي وتركيزي على مطاردته، وبذلك أوقّع على أوراق المرفأ بحسن نية دون مراجعتها، لأسقط في الفخ الذي نصبه لي مع رجال المحافظة. لكنه لم يحسب حساب خديجة.
انحنيتُ قليلاً وأزلتُ خصلة شعر مبتلة عن وجهها بحذر شديد حتى لا تستيقظ. كانت تدفع ثمن حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل، ومع ذلك كانت الشجاعة الوحيدة بين مجموعة من الرجال الذين يرتعدون خوفاً مني.
سمعتُ صوت خطوات خفيفة وسريعة تصعد السلم الخارجي، ثم طرقتين خفيفتين على باب الغرفة.
فتحْتُ الباب موارباً، فظهر علي وهو يحمل معطفه المبتل، وعيناه تتسعان بذهول وهو يلمح خديجة نائمة في سريري. لكنه كان أعقل من أن ينطق بحرف أو يسأل.
همستُ له بنبرة حادة: “علي… إبراهيم يتقبض عليه قبل ما الشمس تطلع. بلاش عنف لحد ما أعرف مين اللي وزّه. والأهم من كده… ورق المرفأ الأصلي يجيني هنا قبل الساعة ستة.”
أومأ علي بجدية: “تحت أمرك يا باشا. وبخصوص الأنسة؟”
نظرتُ إليها للظلمة، ثم عدتُ إليه: “انزل طلّع عربيتها من المطر، وهات شنطتها من تحت. ومحدش في البيت يعلم إنها هنا… فاهم؟”
“مفهوم يا حمزة بيه.”
بعد خروج علي، أغلقتُ الباب بهدوء، وأخذتُ المجلد المزيف ورميته في سلة المهملات. جلستُ على الكرسي الجلد مرة أخرى، أراقب حركة تنفسها المنتظمة في الهدوء المطبق للغرفة.
مع أول خيوط الفجر، وبدء تلاشي صوت المطر، تحركت خديجة في السرير.
فتحت عينيها ببطء، وفي اللحظة الأولى ساد الاسترخاء وجهها، قبل أن تستوعب أين هي. استقامت فجأة، واتسعت عيناها الخائفتان وهي تنظر إلى البطانية الكشمير، ثم إلى أثاث الغرفة الفاخر، وأخيراً… وقعت عيناها عليّ وأنا أجلس أمامها أراقبها وفي يدي كوب قهوة ساخن.
شهقت بصوت خافت وكادت أن تسقط من السرير وهي تحاول الوقوف والتراجع للخلف، وصوتها يرتجف تماماً: “حـ… حمزة بيه؟! أستاذ حمزة! أنا… والله العظيم أنا…”
رفعتُ يدي ببطء لأشير لها بالهدوء.
“اهدأي يا خديجة.”
كانت ترتجف، وعيناها تنتقلان بيني وبين الباب، كأنها تنتظر عقاباً شديداً: “أنا آسفة جداً! الأستاذ إبراهيم قال لي أستنى في المكتب فوق، وأنا تدورت ولقيت الباب ده مفتوح… كنت تعبانة وقعدت على الكرسي ومش فاكرة إزاي…”