في اليوم التالي

عاقلة، وأنا ممكن أعدّي اللي حصل الصبح.
بصيت في عينه وقلت
وأنا كمان ممكن أعدّي حاجات كتير.
اتغيرت ملامحه.
بتهدديني؟
هزيت رأسي.
لأ بحذرك.
لأول مرة، ظهر التوتر على وشه.
لكن قبل ما يرد، دخل محمود من باب المطبخ.
قال وهو ماسك موبايله
كريم تعالى معايا المكتب. في حاجة غريبة حصلت.
كريم سأله
إيه؟
محمود بص ناحية نادية، وبعدين قال
البنك اتصل.
قلبي ما اتحركش.
كنت عارفة إن اللحظة دي هتيجي.
كريم خرج مع أبوه، وأنا فضلت في المطبخ.
بعد أقل من دقيقتين، سمعت صوت محمود عالي من آخر الممر
يعني إيه الحساب متجمّد؟!
سكت كل شيء.
سارة قامت من مكانها.
نادية قالت بقلق
محمود؟
لكن صوت كريم جاء بعدها
مستحيل! الحساب ده باسمي!
ابتسمت وأنا واقفة قدام الحوض.
سارة قربت مني وقالت
إنتِ عملتي حاجة؟
بصيت لها.
أنا؟
أيوه إنتِ!
ضحكت بهدوء.
أنا من إمبارح وأنا بغسل مواعينكم إمتى لحقت أعمل حاجة؟
وشها احمر من الغضب.
وفجأة خرج كريم من المكتب.
كان وشه مختلف تمامًا.
مش الزوج المتعالي اللي كان بيصرخ من شوية.
كان رجلًا مرعوبًا.
اتجه ناحيتي مباشرة.
إنتِ اتصلتي بمين؟
رديت
ولا حد.
متكدبيش!
محمود مسكه من كتفه.
كريم، استنى.
لكن كريم زقه بعيدًا.
الحسابات كلها اتوقفت! بطاقات الشركة مش شغالة! حتى التحويلات اتلغت!
نادية شهقت
يعني إيه؟
بصيت في عيني كريم وقلت
يمكن البنك اكتشف حاجة.
إيه حاجة؟!
مش عارفة.
قرب مني جدًا.
إنتِ مين؟
السؤال خلاني أسكت ثانيتين.
لأن دي كانت أول مرة يسأل السؤال الصح.
رفعت عيني له وقلت
أنا؟
وقبل ما أكمل، رن موبايلي.
نظرت للشاشة.
كان الاسم
إيفلين شاكر.
ضغطت على زر الرد، وحطيت الهاتف على أذني.
أيوه؟
جاء صوتها هادئًا
مدام ڤالنتين، فيه تطور لازم تعرفيه فورًا.
بصيت ناحية كريم.
كان واقف قدامي، وعينيه ثابتة على وشي.
قلت
قولي.
قالت إيفلين
إحنا اكتشفنا إن كريم محمود حاول من ساعتين يدخل على ملف ملكية شركة ڤال ميريديان.
تجمدت ابتسامتي.
كريم انتبه لتغير ملامحي.
قال
مين اللي بيكلمك؟
ما رديتش.
إيفلين أكملت
لكن الأسوأ مش كده.
سألتها
إيه الأسوأ؟
قالت
هو ماحاولش يدخل لوحده.
سكتُّ.
كان معاه مستندات.
مستندات إيه؟
مستندات زواج.
قلبي دق مرة واحدة بقوة.
بصيت لكريم.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت بيتهم، ماكانش هو اللي بيخوفني.
أنا كنت بدأت أخاف من شيء أكبر.
قلت لإيفلين
ابعتِي كل حاجة على موبايلي.
قالت
حاضر بس فيه اسم تاني ظهر في المستندات.
سألتها
مين؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت
اسم والدك.
اتجمدت في مكاني.
والدِي مات من سبع سنين.
ومفيش أي شخص في عيلة كريم كان يعرف عنه أي حاجة.
بصيت لكريم وقلت
إنت عرفت اسم أبويا منين؟
وشه اصفر.
لكن بدل ما يجاوب
نادية صرخت من خلفنا
كريم ماتقولهاش!
سكت الجميع.
التفتُّ ببطء ناحية حماتي.
ماتقوليش إيه؟
نادية بدأت تتراجع خطوة.
محمود بص لها بصدمة.
أما سارة، فوشها فقد كل ألوانه.
قلت
واضح إن فيه حاجة أنا معرفهاش.
كريم حاول يمسك إيدي.
سحبتها منه فورًا.
إبعد.
ولأول مرة، هو اللي بدأ يتوسل
ڤالنتين اسمعيني.
قلت
مش هسمع أي كلمة منك.
ثم التفتُّ ناحية نادية.
هسمع منكِ إنتِ.
بلعت ريقها.
أنا
قلت بهدوء
إنتِ كنتِ تعرفي أبويا؟
لم تجب.
اقتربت منها خطوة.
ولا هو كان يعرفكم؟
بدأت دموعها تنزل.
محمود قال بصوت مرتجف
نادية خلاص. لازم تعرف.
صرخت فيه
مش دلوقتي!
ابتسمت رغم الصدمة.
لا دلوقتي بالذات.
وفي نفس اللحظة، وصلني ملف على موبايلي.
فتحته.
كانت أول صورة فيه عقد قديم.
وتحت توقيع والدي
كان فيه توقيع آخر.
توقيع نادية.
رفعت عيني عنها.
وقلت
إيه علاقة أمي بعيلتكم؟
لكن نادية لم تنظر إليّ.
كانت تبكي وهي تقول
أمك ما ماتتش.
توقفت أنفاسي.
إنتِ بتقولي إيه؟
رفعت نادية عينيها نحوي.
وقالت جملة واحدة قلبت كل اللي كنت فاهمته عن حياتي
أمك عايشة وإحنا كنا السبب في اختفائها فضلت واقفة مكاني، كأن جسمي كله نسي إزاي يتحرك.
الصوت اتكرر من بره
ڤالنتين! افتحي الباب!
قربت من الباب خطوة.
كريم مسك دراعي.
استني.
بصيت له.
إنت مالك؟
قال بسرعة
ممكن يكون فخ.
ضحكت بمرارة.
بعد كل اللي سمعته منك النهارده، عايزني أثق فيك؟
شد إيده بعيد.
وقبل ما أوصل للباب، نادية صرخت
ماتفتحيش!
لفيت لها.
ليه؟
كانت بتترعش.
لأن أمك ماتقدرش تكون هنا.
سألتها
إنتِ متأكدة؟
سكتت.
فهمت إن عندها معلومة تانية.
قلت
نادية، إنتِ عارفة حاجة.
هزت رأسها وهي بتبكي.
أنا شفتها آخر مرة.
اقتربت منها.
إمتى؟
من سبعتاشر سنة.
فين؟
في المستشفى.
تجمدت.
إنتِ كنتِ معاها؟
قالت
كنت أنا اللي خدت منها بنتها.
سكت الجميع.
كريم قال
ماما كفاية.
لكن أنا صرخت
بنتها؟!
نادية انهارت على الكرسي.
أمك ما اختفتش علشان الفلوس بس.
أمال ليه؟
رفعت عينيها نحوي.
علشانك إنتِ.
شعرت ببرودة في أطرافي.
أنا؟
هزت رأسها.
أبوكي كان عايز يهرب بيكي وبأمك.
وإنتوا منعتوهم.
أيوه.
إزاي؟
لم تجب.
فقلت
إزاي؟!
محمود قال بصوت منخفض
كان فيه حادث.
نظرت له.
حادث إيه؟
عربيتهم اتعرضت لحادث وهم خارجين من المدينة.
وأمي؟
نجت.
وأبويا؟
سكت.
فهمت.
أغمضت عيني.
كل الذكريات القديمة بدأت ترجع.
صوت أبي.
المستشفى.
البيت الهادئ.
الجنازة.
ثم صورة أمي.
لكن كان فيه شيء واحد ماكانش منطقي.
فتحت عيني وقلت
لو أمي كانت عايشة ليه ما رجعتليش؟
نادية بدأت تبكي.
لأننا هددناها.
بإيه؟
قالت
هددناها إنك هتختفي زي أبوكي لو حاولت تظهر.
سكتُّ.
ثم سمعت صوتًا خلف الباب مرة تانية
ڤالنتين أنا أمك.
اتجهت للباب.
هذه المرة، كريم لم يمنعني.
فتحت القفل.
لكن قبل ما أفتح الباب، سمعت صوت خطوات سريعة من ناحية الممر.
التفتُّ.
سارة كانت واقفة هناك.
وفي إيدها ظرف بني.
قالت
إنتِ مش هتفتحي الباب قبل ما تعرفي الحقيقة كلها.
قلت
إيه اللي معاكي؟
ابتسمت ابتسامة غريبة.
الحاجة اللي كانت أمي مخبياها عنك.
فتحت الظرف.
وسقطت منه مجموعة صور على الأرض.
انحنيت والتقطت أول صورة.
كانت صورة لأبي.
الثانية كانت لأمي.
الثالثة
كانت لي وأنا طفلة.
لكن الصورة الرابعة جعلت الدم يتجمد في عروقي.
كانت صورة كريم.
وهو طفل.
واقف جنب أمي.
وعمره وقتها ماكانش يزيد عن عشر سنين.
رفعت عيني له ببطء.
إنت كنت تعرف أمي من قبل ما تعرفني.
كريم لم يرد.
سارة قالت
مش بس كده.
طلعت ورقة من الظرف.
أخونا كريم هو الشخص اللي قابل أمك آخر مرة قبل ما تختفي.
اتسعت عيني.
كريم؟
بصيت له.
إنت كنت طفل.
هز رأسه.
أيوه.
إذن إزاي كنت آخر شخص شافها؟
اقترب كريم مني.
وقال بصوت مكسور
لأن أمي وأبويا طلبوا مني حاجة وأنا طفل ومافهمتش وقتها معناها.
سألته
عملت إيه؟
دموعه نزلت.
وقال
أنا اللي سلمت أمك الرسالة اللي خلتها ترجع للقصر.
سكتُّ.
ثم سألته
أي رسالة؟
كريم بلع ريقه.
رسالة مكتوب فيها إنك في خطر.
اتسعت عيناي.
مين كتبها؟
رفع عيني ناحية نادية.
لكن قبل ما يجاوب
انفتح باب القصر بعنف.
وظهرت امرأة في منتصف الخمسينات.
شعرها رمادي، ووجهها شاحب، وفي إيدها ملف قديم.
نظرت لي.
وماقالتش كلمة.
أنا كمان ماقدرتش أتكلم.
لكنها رفعت إيدها ببطء
وحطتها على خدها.
وبدأت تبكي.
ثم قالت
أنا آسفة يا بنتي.
وقعت الورقة من إيدي.
لأنني عرفت من أول نظرة
إنها أمي.
لكن قبل ما أقدر أجري عليها، رفعت أمي عينها ناحية كريم وقالت
هو ماقالكيش ليه الحقيقة؟
سألتها
حقيقة إيه؟
أمي بصت ناحية الباب.
وقالت
إن أبوكي ما ماتش في الحادث.
ثم أضافت بصوت مرتجف
أبوكي هو اللي كان محتجزني طول السنين دي.
سكت القصر كله.
وبصيت لكريم.
لأول مرة
ابتسم كريم.
ابتسامة خلتني أفهم إن القصة لسه ما بدأتش أصلًا ابتسامة كريم كانت أخطر من أي صرخة.
رجعت خطوة لورا.
إنت بتبتسم ليه؟
ما ردش.
أمي كانت واقفة عند الباب، بتبص له كأنها شايفة شخصًا تعرفه من سنين.
قالت
ڤالنتين ماتقربيش منه.
كريم ضحك بهدوء.
لسه بتخافي عليكي؟ بعد كل السنين دي؟
اتجمدت.
إنت تعرفها منين؟
رد
أكتر مما تتخيلي.
أمي صرخت
كريم، كفاية!
وفجأة ظهر رجلان عند مدخل القصر.
بدلات سوداء.
سماعات في آذانهم.
وأحدهما قال
مدام ڤالنتين، لازم تخرجي معانا فورًا.
بصيت له.
مين أنتم؟
رفع بطاقة.
الأمن الخاص بشركة ڤال ميريديان.
قلبي هدأ للحظة.
لكن أمي أمسكت يدي.
لأ.
بصيت لها.
إيه؟
قالت
دول مش رجالتك.
تجمدت.
الرجل ابتسم.
مدام ڤالنتين، والدتك تعبانة ومش في حالتها الطبيعية.
أمي صرخت
كذاب!
كريم تحرك ناحية الرجلين.
وقتها فهمت.
كل حاجة كانت مترتبة.
الرسالة.
اختفاء أمي.
الملف.
ظهورها المفاجئ.
حتى قصة أبي.
كلهم كانوا بيشدوني في اتجاه واحد.
قلت
مين بعتكم؟
الرجل لم يرد.
أخرجت هاتفي.
فتحت تطبيقًا خاصًا على الشاشة.
وظهر أمامي موقع كل أفراد فريق الحماية الحقيقي.
كلهم كانوا خارج القصر.
عدا شخص واحد.
كان داخل المبنى.
قريب جدًا مني.
رفعت عيني.
وبدأت أبص على الموجودين واحد واحد.
نادية.
محمود.
سارة.
كريم.
وأمي.
ثم توقفت.
قلت
حد منكم بدّل شريحة الاتصال الخاصة بكاميرات القصر.
سارة شهقت.
إنتِ عرفتي إزاي؟
ابتسمت.
لأن الكاميرات الحقيقية مش موجودة هنا.
كريم ضيق عينيه.
إذن فين؟
قلت
في مكان ماحدش فيكم يعرفه.
لأول مرة، ظهرت علامات الغضب على وجهه.
ثم اقترب مني وقال
إنتِ فاكرة إنك مسيطرة على كل حاجة.
رديت
أنا مش فاكرة.
سكت.
قلت
أنا متأكدة.
وفجأة
رن هاتف أمي.
نظرت للشاشة.
وشها تحول للرعب.
قلت
مين؟
ما ردتش.
مددت إيدي وأخذت الهاتف.
كان رقمًا مجهولًا.
فتحت المكالمة.
لكن ماحدش اتكلم.
فقط صوت رجل يتنفس.
ثم قال
ڤالنتين.
تجمدت.
كان صوتًا أعرفه.
صوت أبي.
وقبل ما أقدر أتكلم، قال
لو عايزة تعرفي مين أمك الحقيقي تعالي لوحدك.
ثم أغلق الخط.
بصيت لأمي.
مين ده؟
كانت بتبكي.
قالت
أبوك.
سألت
بس إنتِ قلتي إنه محتجزك.
هزت رأسها.
كنت بكذب.
صمت.
ثم قالت
أنا مش أمك.
وقتها شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.
نظرت إليها.
إيه؟
قالت وهي تبكي
أنا الست اللي ربتك أمك لكن أمك الحقيقية ماتت من زمان.
نظرت إلى كريم.
ثم إلى نادية.
ثم إلى محمود.
كل واحد فيهم كان يعرف.
لكن السؤال الحقيقي كان
ليه كلهم كذبوا عليّ؟
وقبل ما أسأل، وصلني إشعار على موبايلي.
ملف جديد.
اسم الملف
الحقيقة الكاملة ڤالنتين محمود.
فتحته.
وأول صورة ظهرت
كانت صورتي وأنا طفلة.
وبجانبها جملة واحدة
أنتِ لم تكوني ابنة الرجل الذي ظننتِ أنه والدك.
ثم ظهرت صورة ثانية.
لرجل لم أره في حياتي.
لكن تحت الصورة كان مكتوبًا
المالك الأصلي لشركة ڤال ميريديان وجدك.
رفعت عيني ببطء.
وفي نفس اللحظة، انطفأت الأنوار مرة أخرى.
وسمعت صوت باب المكتب بيتفتح.
ثم صوت رجل من الداخل يقول
ڤالنتين لو عايزة تعرفي مين ورث الشركة فعلًا، ادخلي.
عرفت الصوت.
كان صوت أبي.
لكن أبي
كان المفروض إنه مات من سبعة وعشرين سنة أكيد، نكمل ونزود كشف الأسرار تدريجيًا من غير ما نوصل للنهاية.
وقفت قدام باب المكتب وأنا مش قادرة أتحرك.
صوت أبي خرج من الداخل مرة تانية
ادخلي يا ڤالنتين.
إيدي كانت بتترعش.
كريم قال من ورايا
ماتدخليش.
لفيت له.
ليه؟
سكت.
قلت
لأنك عارف مين جوه؟
ما ردش.
كانت دي كفاية.
فتحت الباب.
المكتب كان ضلمة، باستثناء مصباح صغير فوق المكتب.
وفي آخر الغرفة
كان فيه رجل واقف وظهره ليا.
شعره أبيض.
كتافه منحنيّة.
لكن الطريقة اللي كان واقف بيها
أنا عرفتها.
قلت بصوت مبحوح
بابا؟
الرجل استدار.
ولأول مرة في حياتي، شفت وجه أبي قدامي كرجل عجوز.
اتسعت عيني.
وقع الموبايل من إيدي.
هو ابتسم.
كبرتي.
ماقدرتش أتكلم.
مشهد الجنازة رجع في دماغي.
التابوت.
صورته.
الناس اللي كانت بتبكي.
كل حاجة كانت كذبة.
صرخت
إنت كنت عايش؟!
قال
كنت مضطر.
دخلت أمي الحقيقية خلفي.
وهنا فهمت إن المرأة اللي كنت فاكرة إنها أمي طوال حياتي كانت جزءًا من الخطة.
قلت
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *