حرب المظاهر والفتنه ج١ منى السيد

الفصل الثاني
بعد الكلمتين دول، القاعة كلها بقت زي ما يكون نزل عليها صمت مفاجئ، لدرجة إن صوت التكييف كان مسموع بوضوح. الموظفة اللي كانت بتتريق من شوية، وشها جاب ألوان، وبقت تفرك في إيديها وهي بتبص في الأرض، متمنية الأرض تنشق وتبلعها قبل ما أحمد أو سلمى يلمحوا نظرات الرعب اللي في عينيها.
أحمد الشناوي مكانش مجرد راجل أعمال ناجح، ده كان زي الصياد اللي بيفهم الشخص اللي قدامه من نظرة عينه، ومكانش فايته أبدًا الهمهمات والنظرات اللي دارت أول ما سلمى دخلت. التفت للمدير التنفيذي اللي قاعد جنبه وقال بنبرة هادية بس حاسمة تخوف:
“أستاذ ممدوح… أظن الشغل في مجموعتنا قايم على الكفاءة، مش على عروض الأزياء وتقييم المظاهر، ولا أنا غلطان؟”
ممدوح بلع ريقه بسرعة وهز رأسه وهو بيعدل نظارته:
“طبعاً يا أحمد بيه… طبعاً، الكفاءة هي الأساس هنا.”
أحمد ابتسم ابتسامة باهتة مش وصلة لعينيه، وبص لسلمى اللي كانت قاعدة بكل ثقة، ملامحها الهادية والراقية كانت أقوى رد على كل واحد حاول يقلل منها. أحمد كمل كلامه وهو بيقفل الملف اللي قدامه:
“تمام… بما إن النقطة دي وضحت للكل، أحب أضيف حاجة تانية… الشراكة دي مش مجرد ورق هيمضي، المشروع الجديد اللي سلمى هتمسكه، ميزانيته بتتخطى الملايين، وده معناه إنها من اللحظة دي ليها نفس صلاحياتي في الإدارة هنا.”
الهمسات رجعت تاني بس المرة دي كانت صدمة وذهول. المدير المالي وقف وهو مذهول وقال:
“بس يا فندم… مع كل الاحترام لآنسة سلمى وفكرتها، بس المشروع ده ضخم جداً، ومحتاج حد عنده خبرة طويلة في السوق وإدارة الأزمات، إحنا منعرفش خلفيتها الإدارية إيه!”
هنا سلمى هي اللي ردت، وبنفس النبرة الهادية الواثقة اللي هزت القاعة:
“حضرتك تقدر تراجع السيرة الذاتية بتاعتي اللي مع أحمد بيه، وتقدر كمان تشوف دراسة الجدوى اللي أنا عملتها بنفسي للمشروع ده في أقل من أسبوع. السوق مش محتاج بس سنين بتعدي في المكاتب، السوق محتاج فكرة تسبق الوقت، وده اللي أنا جاية أقدمه.”
#حكايات_مني_السيد
أحمد كان بيسمعها وهو حاسس بالفخر، عينيه كانت بتلمع بمعاني تانية خالص محدش في القاعة قادر يفهمها. هو مكانش بيختار شريكة لشغله بس، أحمد كان بيدور على سلمى بقاله سنين، والسر اللي مخبيه مكانش مجرد إعجاب بذكائها… السر كان أعمق بكتير وبيخص عيلة الشناوي كلها.
انتهى الاجتماع بعد مناقشات طويلة، والكل خرج وهو بيبص لسلمى بنظرات تانية خالص، نظرات خوف واحترام منافق، وهي كانت فاهمة ده كويس. أول ما القاعة فضيت ومبقاش فيها غير أحمد وسلمى، أحمد قام من مكتبه ومشي ناحيتها، وقف قدامها وقال وهو بيتنهد:
“أنا أسف يا سلمى… أسف على السخافة اللي شوفتيها أول ما دخلتي. ناس مريضة بتهتم بالقشور.”
سلمى ابتسمت وهي بتلم حاجتها في شنطتها البسيطة:
“مفيش داعي للاعتذار يا أحمد بيه، أنا متعودة على النماذج دي، والنوع ده من البشر مبقاش يفرق معايا ولا يتهز شعرة مني. المهم عندي الشغل وبس.”
أحمد قرب خطوة كمان ونبرة صوته اتغيرت، بقت دافية وفيها حزن غريب:
“بلاش أحمد بيه دي وإحنا لوحدنا يا سلمى… إنتي عارفة إنك غالية عندي، وعارفة إن وجودك هنا مش مجرد صدفة أو عشان المشروع بس.”
سلمى رفعت عينيها وبصت له بشك:
“قصدك إيه يا أحمد؟ إنت من يوم ما كلمتني وطلبت تشوفني بعد ما شوفت الفكرة، وأنا حاسة إن فيه حاجة تانية مش مريحاني. نظراتك… كلامك… كأنك بتدور على حاجة ضايعة منك وشوفتها فيا.”
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
أحمد لف وشاح ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على شوارع القاهرة والزحمة، وأخد نفس عميق وقال:
“لو قولتلك إنك فعلاً الحاجة الضايعة؟ لو قولتلك إن اسمك، وملامحك، وحتى طريقتك في الكلام هي نسخة طبق الأصل من حد كان هو كل حياتي؟”
سلمى قلقت، وقفت ومسكت شنطتها وقالت:
“أحمد… أنا جاية هنا عشان شغلي وطموحي، مش عشان أكون بديل لحد في حياتك، أو أعيش في ضل ذكرى قديمة.”
أحمد التفت لها بسرعة وقال بلهفة:
“مش بديل! إنتي مش فاهمة حاجة يا سلمى… الموضوع أكبر من كدة بكتير. أنا مش معجب بيكي كشاب بمعجب ببنت… أنا…”
سكت فجأة وكأنه خاف يقرر الكلمة اللي هتقلب الدنيا.
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة ودخلت ست في أواخر الخمسينات، من شكلها وهيبتها والذهب اللي لابساه باين إنها صاحبة سلطة. كانت ملامحها قاسية وعينيها حادة زي الصقر. أول ما دخلت وبصت لسلمى، رجليها وقفت في مكانها، ووشها اتقلب للون الأبيض وكأنها شافت شبح!
أحمد اتفاجئ بوجودها وقال بنبرة مشدودة:
“أمي؟ إيه اللي جابك الشركة النهاردة من غير ما تقوليلي؟”
فريدة هانم، والدة أحمد، مكانتش سامعة ابنها أصلاً، عينيها كانت متثبتة على سلمى، وبدأت تتقدم ناحيتها بخطوات بطيئة وهي بتنهج، وقالت بصوت يترعش من الصدمة والغضب في نفس الوقت:
“مش ممكن… أنتِ؟ أنتِ جيتي هنا إزاي؟ وعايزة مننا إيه تاني بعد كل السنين دي؟!”
سلمى بصت لها باستغراب وبصت لأحمد وهي مش فاهمة الست دي بتتكلم عن إيه وليه بتبص لها بالكرة والرعب ده كله.
أحمد جري على والدتها ومسك إيديها يحاول يهديها:
“يا أمي اهدي… دي سلمى، المهندسة صاحبة المشروع الجديد اللي حكيتلك عنه… مش هي اللي في دماغك خالص!”
فريدة هانم نفضت إيد أحمد بعنف وزعقت في نص المكتب:
“بتضحك عليا يا أحمد؟ فاكرني كبرت وعجزت وعقلي تاه؟ البنت دي متدخلش شركتنا، ولا تدوس عتبة أي مكان يخص عيلة الشناوي! أنت فاهم ولا لأ؟”
سلمى حسيت إن كرامتها بتهان في المكان، ومبقتش قادرة تستحمل الغموض ده كله. بصت لفريدة هانم بكل قوة وقالت:
“أنا مش هسمح لأي حد يكلمني بالطريقة دي، ولا يوجهلي اتهامات أنا مش عارفاها. أنا هنا بكرامتي وبشغلي، وشراكتي مع شركتكم من اللحظة دي ملغية.”
حصري على صفحة روايات و اقتباسات
سلمى لفت وشها عشان تخرج، بس أحمد مسك إيدها بسرعة وقال بعيون مليانة رجاء:
“أرجوكي يا سلمى متمشيش… متسيبنيش ضحية للماضي تاني. لازم تفهمي الحقيقة.”
فريدة هانم صرخت:
“حقيقة إيه اللي تفهمها؟! عايز تفتح دفاتر اتقفلت من عشرين سنة ودفعنا تمنها غالي؟ البنت دي لازم تخرج من هنا ومشوفش وشها تاني!”
سلمى شدت إيدها من أحمد وقالت وعينيها بتلمع بالدموع من كتر الضغط والإهانة:
“أنا مش عايزة أعرف حاجة عن ماضيكم ولا عن عيلتكم… أنا ماشية.”
خرجت سلمى تجري من المكتب وسط نظرات الموظفين اللي كانوا برا ومتابعيين الصوت العالي اللي طالع من مكتب المدير العام. ركبت الأسانسير وهي دقات قلبها سريعة، مش عارفة إيه الرابط اللي بيربطها بعيلة الشناوي، وليه صاحب أكبر شركات مصر مهتم بيها كدة، وليه والدته خافت منها أول ما شافتها وكأنها شافت الموت؟
أول ما وصلت الشارع، كانت الدنيا بدأت تليل، والجو في القاهرة مليان برطوبة الصيف. مشيت شوية وهي مشوشة، وفجأة لقت عربية سودا كبيرة بتقف جنبتها على الرصيف، والباب اتفتح، ونزل منها راجل ضخم الحجم، باين عليه إنه حارس شخصي، وقف طريقها وقال بلهجة جافة:
“آنسة سلمى… الباشا الكبير عايز يشوفك حالا… ومن غير شوشرة اتفضلي معانا.”
سلمى رجعت لورا بخوف وقالت:
“باشا مين؟ وأنت مين أصلاً؟ أبعد عني وإلا هلم عليك الناس!”
الراجل متهزش، وفتح باب العربية الوراني، وظهر من جوه راجل عجوز قوي، شعره كله أبيض، ماسك في إيده عصاية ابنوس غالية، وعينيه فيها نظرة جبروت غريبة. الراجل العجوز بص لسلمى وابتسم ابتسامة غامضة وقرع بعصايته على أرضية العربية وقال بصوت هادي ومرعب:
“اركبي يا بنتي… متخافيش من جَدك… أنا بقالي عشرين سنة مستني اللحظة دي.”
#حكايات_مني_السيد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *