طليقي عزمني على حفله ج٢ انجي الخطيب
تجمد الدم في عروق سلمى، والجو حواليها كأنه اتقلب في ثانية. ما استنتش ولا كلمة زيادة من النقيب، ولفّت بجسمها وطلعت تجري ناحية عربية التحريات العسكرية، وهي بتزعق بصوت هز الشارع:
— “على محبس النيابة العسكرية فوراً! أسرع طريقة عندك!”
طول الطريق، كان صوت سرينة العربية بيلعلع في الشوارع، وسلمى إيدها بتترعش على المقود وهي محبوسة بين نارين: نار خوفها على أولادها اللي لسه متهنيين بلم الشمل، ونار شكّها إن محمود بيحاول يلعب ألعابه القديمة عشان يهرب من حبل المشنقة اللي اتلف حوالين رقبته.
وصلت مقر الاحتجاز العسكري، ودخلت الممرات الضيقة بخطوات سريعة زي المطرقة. الباب الحديدي بتاع غرفة التحقيق اتفتح بصوت صرير يوجع الضرس. محمود كان قاعد جوه، الكلبشات في إيده ومربوطة في الترابيزة، زيّه هربان منه، وشه شاحب وشعره متنعكش، أول ما شافها وقفت قدامه، اتعدل في قعدته بلهفة وجنون:
— “سلمى! الحمد لله إنك جيتي… أقسم بالله ما بكدب! اسمعيني قبل ما الفأس تقع في الرأس!”
سلمى حطت إيدها الاثنين على الترابيزة ووطت برأسها، وعينيها بتطلع شرار:
— “انطق يا محمود! قدامك دقيقة واحدة… لو حسيت إن كلمة واحدة من اللي هتقولها كدب أو محاولة مساومة، هخلي النيابة تفعل أقصى عقوبة عليك وعلى أختك!”
بلع محمود ريقه بمرارة وقال بصوت متقطع وهو بيرتعش:
— “نهى… أختي نهى ما كانتش بتزور تقارير عشان تخلص منك وبس يا سلمى! من تمان سنين، لما جيتي المستشفى العسكري وأنتِ مش فاهمة إيه اللي بيحصل، نهى سحبت منك عينات دم وأجرت فحوصات جينية كاملة للتوائم من وهم لسه في بطنك. واكتشفت إن واحد من الولاد… عمر… عنده نوع نادِر جداً من الفصيلة الجينية والبصمة النخاعية!”
سلمى ضيقت عينيها، ورعب خفي بدأ يتسلل لقلبها:
— “يعني إيه؟ كمل!”
محمود دموعه نزلت وهو بيهز رأسه برعب:
— “نهى ورضا الغندور كانوا شغالين مع شبكة دولية لتهريب الأعضاء والتجارة بالعينات الجينية النادرة لحساب رجال أعمال وتجار س\لاح كبار بره مصر… كان في ملياردير أجنبي ابنه عنده سرطان نخاع عظمي متقدم ومحتاج متبرع بنسبة تطابق جيني شبه مستحيلة. نهى باعت البصمة الوراثية بتاعة عمر للشبكة دي من تمان سنين بمبلغ خرافي، وكانت متفقة معاهم إن لما الولد يتولد هيخطفوه ويقولولك إنه مات في الولادة!”
سلمى حسّت بالدنيا بتدور بيها، أركان الغرفة اهتزت قدام عينيها، بس صرخت فيه:
— “بس أنا هربت! وولدتهم بعيد عنكم وعن مستشفاكم!”
— “صح!” رد محمود بانهيار:
— “أنتِ اختفيتي، والشبكة دي فضلت تضغط على نهى ورضا تمان سنين وبيطالبوهم بالبند الجزائي أو بالطفل! والنهاردة… لما السجل المدني نزل فيه بيانات الولاد الرسمية وتحدثت شهادات ميلاد عمر بالذات على السيستم… الإنذار جاب إشارة للشبكة دي! رضا الغندور قبل ما يتقبض عليه بتلت ساعة، كان أدى الضوء الأخضر لفرقة تنفيذ تابعة للشبكة دي داخلة بمستندات مزورة لمقر الوحدة بتاعتك!”
سلمى ما استنتش تنطق كلمة ثانية مع محمود. رفعت اللاسلكي المشفر فوراً وضغطت على زر الاتصال العاجل بالنقيب مي الشاذلي:
— “مي! اسمعيني كويس! أقفلي بوابات الوحدة حالاً وأعلني حظر التجول جوه المعسكر! محدش يدخل ولا يخرج!”
صوت مي جه عبر اللاسلكي، بس كان فيه دوشة وصوت صريخ وسرينات إسعاف في الخلفية، وقالت بصوت مرعوب ومتوتر:
— “سيادة المقدم! في إيه يا فندم؟! في عربية إسعاف عسكرية بفرقة أطباء معاهم تصريح رسمي ومختوم من جهة سيادية وصلوا حالا… وبيقولوا معاهم أمر بنقل ‘عمر محمود عبدالرحمن’ فوراً لمستشفى الجلاء لإجراء تحاليل جينية عاجلة بطلب من النيابة!”
سلمى صرخت بأعلى صوتها وهي بتركض للباب:
— “دول مش أطباء يا مي! دول عصابة! اضربي نار في الهواء واحبسي الولاد في الخزنة المركزية! أنا جاية بفرقة الاقتحام حالا!”
في نفس اللحظة، على الطرف الثاني من اللاسلكي… اتسمع صوت فرقعة رصاص شديدة، وصوت مي وهي بتصرخ:
— “يا فندم! اقتحموا البوابة الخافية! بياخدوا عمر… بياخدوا عمر يا سلمى!”
وانقطع الاتصال بصوت شوشرة حادة!
السكوت اللي بعد انقطاع الاتصال كان أرعب من صوت الرصاص نفسه. سلمى كانت دايسة بنزين العربية لآخر المدى، والعداد بيصرخ، بس صوت قلبها اللي بيقرع في صدرها كان أعلى. “يا رب.. يا رب احميهم، يا رب خليهم ملمومين”، كانت بتبرطم وهي بتلف بتمكن جنوني في ملفات الطريق، بتسبق الزمن عشان تلحق الإحداثيات اللي اتحددت على التراك اللي كانت بتتابع عليه موبايل مي.
لما وصلت لساحة الإدارة، المنظر كان يوقف القلب. حراسات البوابة واقعين، ودخان قنابل الصوت لسه بيتمشى في المكان. نزلت من العربية وسحبت س\لاحها، عيونها بتفحص المكان في أجزاء من الثانية كأنها رادار. شافت فان سوداء بتمهد للخروج من المخرج الخلفي، وجنبها رجالة لابسين لبس مسعفين، واحد منهم شايل طفل ملفوف بعباية سوداء.
صرخة سلمى طلعت من أعماق صدرها وهي بتجري ناحيتهم: “سيبوا الولد! سيبوه وإلا وحياة ديني ما حد فيكم هيخرج من هنا حي!”
الرجالة اللي شالوا عمر بدأوا يجروا ناحية الفان، واحد منهم رفع س\لاحه ناحية سلمى. اتفادت الطلقة بمهارة، ونزلت على ركبتها بتسديدة دقيقة، طلقة واحدة جابت إيد الراجل اللي ماسك عمر. الولد وقع على الأرض، والرجالة التانيين بدأوا يضربوا نار عشوائي.
سلمى اتدارت ورا عمود خرساني، بتتنفس بصعوبة. كان لازم تتحرك بذكاء، مش بس بقوة. “مي.. لو سامعاني، اطلعي من الجنب!”، همست في اللاسلكي اللي كان لسه فيه شوشرة بس شغال.
بصت ناحية عمر.. كان بيعيط بصوت مكتوم. سلمى اتجمعت كل شجاعتها، وطلعت من ورا العمود، بتضرب نار بتركيز قاتل، وبتمشي خطوة خطوة ناحية ابنها. في اللحظة دي، شافت مي طالعة من بين العربيات، وشها مليان دم، بس س\لاحها مرفوع وبتقنص الرجالة اللي بيغطوا الهروب.
المواجهة وصلت لأخطر لحظاتها.. واحد من الخاطفين كان لسه واقف فوق عمر، وقرر إنه يخلص من الولد بما إنه مبقاش في إيده، رفع س\لاحه ناحية راس الطفل وهو نايم على الأرض. سلمى شافت الحركة، وقلبها وقف.. كان لازم تاخد القرار في جزء من الثانية.. يا إما تحمي نفسها وتكمل في حماية العمود، يا إما تضحي بكل حاجة عشان خاطر ابنها.
رمت س\لاحها على جنب، وجريت في الهواء.. كأنها بتطير عشان توصل لعمر قبل الرصاصة ما توصل له. كانت بتسمع صوت الرصاص بيخبط في الأرض جنب رجليها، وصوت صريخ مي: “سلمى لأاااا!”
في اللحظة اللي الخاطف ضغط فيها على الزناد، سلمى رمت جسمها فوق عمر، وضمت ابنها في حضنها بكل قوتها، ورجليها بقت في وش الرصاص.
فجأة.. صوت فرقعة تانية، بس مش من رصاص الخاطف. رصاصة من قناصة مي استقرت في كتف الخاطف، والراجل وقع على الأرض، والمس\دس طار بعيد.
الهدوء ساد المكان لدقيقة.. سلمى كانت بتنفس أنفاس متقطعة، لسه حاضنة عمر اللي بيترعش بين إيديها. بصت له بلهفة، وشها غرقان عرق ودموع، مسحت وشه بإيدها المرتعشة: “عمر؟ يا حبيبي.. أنا ماما، أنا جنبك يا عمر، مفيش حاجة هتحصلك.”
عمر فتح عينه بصدمة وبص لأمه، وبدأ يصرخ: “ماما! كان بيموتني يا ماما!”
سلمى ضمته لصدرها وغمضت عينها بشدة، والدموع نزلت حارة على خدها: “خلاص يا قلبي.. خلاص، محدش هيلمسك طول ما أنا بتنفس.”
مي جريت عليهم وهي بتعرج، ووقفت فوقهم بتحمي المكان بس\لاحها، وبصت لسلمى بقلق: “يا فندم.. يا فندم أنتِ كويسة؟”
سلمى رفعت راسها وبصت لمي، كانت لسه محتفظة بهدوئها القاتل، وقالت بصوت متهدج بس قوي: “انا كويسة.. بس الروس الكبيرة اللي حركت العيال دي.. مش هسيبهم يتنفسوا تاني.”
بصت لعمر وقامت وقفت وهي شايلة ابنها على إيدها، وبصت للرجالة اللي مي قبضت عليهم ومربوطين على الأرض: “مي.. اتصلي بالقيادة، وقولي لهم سلمى عبد الرحمن لسه في الخدمة، والنهاردة ليلتهم سودا.”
دخلت مي بالولاد الثلاثة التانيين يجروا في ساحة المقر، آدم وعمر ومريم وليان اترغوا في حضن سلمى في مشهد يخلع القلوب. الأربعة كانوا ماسكين فيها وبيبكوا، وآدم شادد على جاكيتها العسكري وهو بيصرخ:
— “ماما.. متسبيناش تاني! الراجل ده كان عايز ياخد عمر!”
سلمى ضمتهم الأربعة بضمة واحدة، وقبلت راس كل واحد فيهم، ونظرتها تحولت في ثانية من حنان الأم الشديد لصلابة قائدة التحريات اللي مفيش رحمة في قلبها للغدر. وقفت بثبات، وبصت لمي وقالت بصوت صلب زي الحديد:
— “مي.. الولاد يدخلوا مكتب القيادة فوراً مع حراسة مشددة. مش عايزة نملة تعدي من جنبهم.”
التفتت سلمى للراجل المصاب اللي كان مربوط على الأرض وبيحاول يتنفس بالعافية. قربت منه بخطوات بطيئة، ودست ببيادتها العسكرية على كتفه المصاب بضغط متدرج وخفيف يخليه يصرخ من الوجع.
الراجل اتلوى على الأرض وصرخ:
— “آآآه! خلاص.. خلاص هقول كل حاجة!”
سلمى وطت عليه، وعينيها فيها شرار القسوة:
— “انطق.. السمسار الكبير والعميل الأجنبي مستنيين فين؟ والطيارة اللي هتهربهم معادة إمتى؟”
الراجل وهو بيتخنق من الوجع والدموع في عينه:
— “في العين السخنة.. في مرسى اليخوت الخاص! الملياردير الأجنبي قاعد في يخت ومعه طاقم حراسة أجنبي مسلح.. كان مستني يجيله التأكيد إن الطفل اتخطف عشان يتحرك فوراً على مطار الملاحة الخاص وتقلع الطيارة قبل الفجر! رضا الغندور هو اللي كان مرتب كل حاجة مع السمسار المصري اللي وسيط بينهم!”
سلمى رفعت رجليها عنه، وطلعت موبايلها المشفر واتصلت برئيس الجهاز العسكري المباشر:
— “يا فندم.. القض\ية كبرت وبقت مواجهة مع شبكة تهريب دولية مسلحة في مرسى اليخوت بالسخنة. المحاولة كانت خطف ابني، والعميل الأجنبي والسمسار على وشك الهروب بطيارة خاصة. بطلب إذن بالتدخل السريع مع القوات الخاصة والدعم الجوي حالاً!”
صوت الفريق جه عبر الهاتف بنبرة حازمة تهز الجبال:
— “الإذن مأذون يا سيادة المقدم سلمى. القوات الخاصة البحرية والصاعقة تحت أمرك، والطيارة الهليكوبتر الهجومية جهزت في المطار العسكري. هاتي رأس الكبير ومترجعيش إلا وهم في الكلبشات!”
بعد أقل من ساعة، كانت السماء فوق خليج السويس مظلمة، والهواء الساقع بيحرك أمواج البحر بغضب. طيارتين هليكوبتر عسكرية من طراز هجومي كانوا بيحلقوا على ارتفاع منخفض وبدون أضواء فوق مرسى اليخوت.
سلمى كانت قاعدة جوة الطيارة، لابسة السترة الواقية الشديدة، ومجهزة س\لاحها الآلي، وجنبها قائد مجموعة الصاعقة البحرية.
بصت من شباك الطيارة، وشافت اليخت الضخم واقف في قلب المية، وأنوار خفيفة شغال جوة، وحراس مسلحين بأحدث الأسلحة واقفين على السطح بيراقبوا البحر بالمنظار الليلي.
قائد الصاعقة بص لسلمى وشاور على الساعة:
— “سيادة المقدم.. فاضل عشر دقائق والطيارة الخاصة تنزل في المطار القريب. لازم نقتحم اليخت دلوقتي ونقبض على العميل والسمسار قبل ما يتحركوا.”
سلمى سحبت أمان الس\