داخل الجبس كان ينتظرهم شئ لم يتخيله أحد ج٢ شروق خالد
مرت أربع ساعات كاملة أمام غرفة العمليات.
لم يغادر أحد من فريق الطوارئ مكانه.
حتى محمود، الذي كان من المفترض أن تنتهي مناوبته، رفض أن يذهب إلى بيته.
قال وهو ينظر إلى باب العمليات:
“نفسي الولد يطلع عايش… بس.”
كنت أسير ذهابًا وإيابًا في الممر وأنا أراجع نتائج التحاليل.
مؤشرات الالتهاب كانت مرتفعة بصورة مخيفة.
البكتيريا وصلت إلى الدم.
والكلى بدأت تتأثر.
كل دقيقة كانت تصنع الفارق.
في المقابل…
كانت الأم تجلس في غرفة منفصلة تحت حراسة الشرطة.
لم تعد تبكي.
كانت تحدق في الأرض وكأنها لا تستوعب حجم ما حدث.
بعد قليل، خرج الدكتور حسام من غرفة العمليات.
كان قناع الوجه معلقًا حول رقبته، وآثار الإرهاق واضحة عليه.
تقدمت نحوه بسرعة.
“إيه الأخبار؟”
تنهد طويلًا ثم قال:
“قدرنا ننقذ حياته… لكن الذراع لسه في خطر.”
سألته:
“البتر؟”
هز رأسه.
“لسه مش هنقرر دلوقتي. شلنا كل الأنسجة الميتة، ونضفنا الجرح أكتر من مرة، لكن لازم نستنى يومين أو تلاتة نشوف الجسم هيستجيب ولا لأ.”
شعرت لأول مرة منذ ساعات أنني أستطيع أن أتنفس.
لكن القصة لم تنتهِ.
في صباح اليوم التالي، زار الطفل أخصائي نفسي للأطفال.
بعد دقائق خرج الطبيب وطلب مقابلتي.
قال بصوت منخفض:
“الولد خايف يرجع البيت.”
سألته:
“قالك ليه؟”
أخرج الطبيب ورقة رسمها الطفل.
كانت عبارة عن بيت صغير.
وفي إحدى الغرف رسم نفسه وهو يبكي.
ورسم أمه خارج الغرفة، وكتب بجوارها بخط طفولي متعرج:
“ممنوع أقول لحد.”
تجمدت في مكاني.
قال الطبيب:
“فيه حاجة أكبر من الجبس.”
بدأت النيابة تحقيقًا موسعًا.
وبعد الاستماع إلى الجيران، ظهرت حقائق صادمة.
إحدى الجارات قالت:
“كنا بنسمع الولد بيعيط كل ليلة.”
وأخرى قالت:
“بقاله أسابيع مش بينزل يلعب.”
أما معلمة المدرسة فأخبرت المحققين أن الطفل انقطع عن الدراسة منذ أكثر من شهر، وكانت الأم تتحجج كل مرة بأنه مريض أو عنده حساسية.
ثم جاءت المفاجأة الأكبر.
الشرطة راجعت كاميرات إحدى الصيدليات القريبة.
ظهر الطفل قبل خمسة أسابيع.
كان يمشي وهو يمسك ذراعه، ويبدو أنه يتألم.
لكن الكسر لم يكن واضحًا.
وبجواره كانت أمه تشتري لفافات وأدوات، ثم خرجت من محل مجاور يبيع مواد البناء.
عندما واجهها المحققون، اعترفت أنها رفضت الذهاب للمستشفى لأنها كانت تخشى تكلفة العلاج، ثم أقنعت نفسها بأنها تستطيع علاجه في المنزل بعد مشاهدة مقاطع على الإنترنت.