ياماما

الجزء الأول
– يا ماما… أنا مش قادرة أكمل مع الراجل ده.
قالتها وهي قاعدة على الأرض، فستان الفرح متكرمش، الميكب سايح من كتر العياط، وإيديها على صدرها كأنها بتحاول تمنع قلبها يخرج من مكانه.
من أقل من ساعة، بيت العيلة كان لسه مليان ريحة الورد، والأكل، والتورتة.
الأنوار اللي كانت معلقة في الجنينة كانت منورة المكان، والقرايب لسه بيضحكوا ويهزروا، وآخر المعازيم كانوا ماشيين وهم بيقولوا إن الفرح كان كامل ومفيهوش غلطة.
أم العريس كانت مستنية اليوم ده من سنين.
ابنها الوحيد، الشاب المؤدب اللي تعب في دراسته، وعمره ما اتأخر عن شغله، والكل كان شايفه شخص مستحيل يؤذي حد.
ولما عرفهم على البنت اللي بيحبها من سنتين، حسّت إن ربنا بعتلها البنت اللي عمرها ما خلفتها.
العروسة مكانتش بتتصنع ولا بتحاول تبان من عيلة كبيرة.
دخلت البيت ببلاوزة بسيطة، وجابت معاها علبة حلويات، وابتسامة كلها كسوف. ولما بعض الستات بدأوا يتكلموا على إن أهلها حالتهم المادية بسيطة، هي قامت من غير ما حد يطلب منها، ولمّت الأطباق وساعدت الكل.
ومن يومها، حماتها بقت تعاملها كأنها بنتها.
كل ما تجيب عيش أو حلويات تسيبلها نصيب، وتعملها الأكل اللي بتحبه كل يوم حد، وبقت تناديها: “يا بنتي” من قلبها.
عشان كده، أول ما سمعت الصرخة… الدم جمد في عروقها.
الصوت كان جاي من أوضة العرسان.
مكانتش صرخة كسوف ولا توتر.
كانت صرخة رعب… كأن واحدة اكتشفت

فجأة إنها محبوسة مع شخص متعرفوش.
أبو العريس قام مفزوع.
– سمعتي؟
لكن الأم كانت جريت بالفعل ناحية الأوضة وهي حافية.
– دي صوتها… دي أكيد هي.
واحد من قرايبهم اللي كان مبات بعد الفرح نزل من على السلم وهو وشه أصفر.
– في إيه؟
خبطت على الباب بكل قوتها.
– افتح يا ابني… افتح إنت وهي حالًا!
محدش رد.
خبطت تاني.
– افتح الباب!
ولا أي صوت.
لا خطوات… ولا عياط… ولا حتى كلمة.
الأب زقها بعيد وكسر الباب بكتفه.
ولما الباب اتفتح…
الأوضة كانت غريبة.
السرير متلمسش.
الورد لسه مترتب فوق الملاية.
وكاسات العصير زي ما هي.
لكن العروسة كانت مستخبية في ركن الأوضة، جسمها كله بيترعش، كأنها هربانة من كابوس.
أما العريس، فكان قاعد في الناحية التانية، قميصه مفتوح، جسمه غرقان عرق، وعينيه كلها فراغ.
الأم جريت عليها وقعدت جنبها.
– يا بنتي… حصل إيه؟ عملك إيه؟
العروسة بعدت عنها بخوف.
– لو سمحتي… متقربيش.
– أنا… أنا حماتك، أنا جنبك.
رفعت عينيها وهي بتبكي وقالت:
– هو بيكرهني… طول السنتين اللي فاتوا كان بيمثل إنه بيحبني.
الأب بص لابنه بغضب.
– عملتلها إيه؟
العريس انفجر في العياط… مش عياط راجل كبير، لكن عياط طفل اتزنق في كدبة أكبر منه.
– أنا… كنت عايز أخوفها بس.
الأم حسّت إن نفسها اتقطع.
– تخوفها ليه؟
شد على إيده وقال:
– لأنها لازم تدفع التمن.
– تمن إيه؟
بصلها… وهي لسه مراته من أقل من 12 ساعة… وقال بصوت بارد عمر أمه ما سمعته منه:
– تمن اللي عملته في… واحدة اسمها “بياتريس”.
في اللحظة دي…
الأم فهمت إن الفرح ده عمره ما كان فرح.
كان فخ متزين بالورد، والأغاني، ودعوات الناس.
ومحدش في البيت كان مستعد يعرف ابنه وصل لحد فين عشان ينتقم.
❤️ شكرًا إنك قريت الجزء الأول من القصة.
الجزء الثاني
ساد صمت تقيل في الأوضة.
الأم بصّت لابنها وهي مش مصدقة.
– مين بياتريس؟ وإيه اللي عملته مراتي بيها؟
العريس مسح دموعه وقال:
– كانت أختي… أختي من أبويا قبل ما يتجوزك. محدش يعرف عنها حاجة غيري. كانت بتشتغل مع ماريانا في نفس الشركة، وبعد كام شهر اتهموها بسرقة ملفات مهمة. اتفصلت، واتفضحت، وبعدها بأسبوع… ماتت.
العروسة شهقت وقالت:
– إنت بتقول إيه؟ أنا عمري ما اتهمت حد!
لكن العريس كمل وكأنه مش سامعها.
– قبل ما تموت بعتتلي رسالة قالت فيها إن حياتها اتدمرت بسببك. ومن يومها أقسمت أخليك تدوقي نفس الإحساس.
الأب زعق فيه:
– عشان كده اتجوزتها؟!
– أيوه… خليتها تقع في حبي، واستنيت يوم الفرح عشان أقولها الحقيقة وأسيبها مكسورة.
العروسة هزت دماغها وهي بتبكي.
– الرسالة دي كدب… أنا كنت أكتر واحدة دافعت عنها.
الكل سكت.
– عندي الدليل.
طلعت موبايلها، وفتحت إيميل قديم كانت محتفظة بيه.
كان فيه مراسلات بينها وبين إدارة الشركة وهي بتحاول تثبت إن بياتريس بريئة، وإن اللي سرق الملفات مدير القسم نفسه.
بعد دقائق من القراءة…
وش العريس اتغير.
إيده بدأت تترعش.
– مستحيل…
قالتله بهدوء وسط دموعها:
– بعد ما اكتشفوا الحقيقة، المدير هرب برة البلد، لكن أختك كانت اختفت قبل ما تعرف إنها اتبرأت. أنا دورت عليها شهور… ومحدش عرف يوصلها.
الأب قعد على الكرسي وهو مصدوم.
أما الأم، فكانت بتبكي وهي شايفة ابنها دمر حياة بنت بريئة بسبب سوء فهم.
الجزء الثالث
العريس فضل ساكت وقت طويل.
وبعدين وقع على ركبته قدام مراته.
– سامحيني… أنا عشت سنتين بكدبة.
بصتله بعيون كلها وجع.
– إنت ما انتقمتش مني… إنت دمرت إنسانة كانت بتحبك بصدق.
خلعت دبلة الجواز وحطتها على الكومود.
– الجوازة دي انتهت قبل ما تبدأ.
خرجت من البيت وسط صمت الجميع.
ولا حد حاول يمنعها.
النهاية
بعد ستة أشهر…
اتقبض على المدير الحقيقي بعد ما رجع البلد، واعترف بكل اللي عمله.
اسم بياتريس اترد لها اعتبارها رسميًا.
أما العريس، فباع البيت اللي كان مجهزه للجواز، وأنشأ مؤسسة خيرية باسم أخته لمساعدة أي شخص يتعرض للظلم في عمله.
كان بيحاول يصلح جزءًا صغيرًا من الخراب اللي سببه… لكنه كان عارف إن بعض الجروح عمرها ما بتلتئم.
أما ماريانا، فبدأت حياة جديدة، واشتغلت في شركة تانية، وبعد سنوات بقت مديرة ناجحة، واختارت إنها تفتح صفحة جديدة بعيدًا عن الماضي.
وفي آخر مرة اتقابلوا بالصدفة، وقف العريس وقال:
– لو كنت سمعتك من الأول… كانت حياتنا كلها اتغيرت.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:
– الحقيقة دايمًا بتوصل… لكن أوقات بتوصل بعد ما يكون فات الأوان.
ثم مشيت في طريقها، من غير ما تبص وراها.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *