في جنازه امه

الجزء الثالث الشهادة والورق اللي أنقذها
أحمد ساعد أمه تقعد على قطعة حجر كبيرة بعيد عن الطين والزباله، ومروان راح جاب لها كوب مايه من الزجاجة اللي كانت معاه في جيبه، وقطعة خبز جافة كانت مخبيها لليلة. فاطمة شربت شوية مايه، وبعدت عينها عن طارق وبدأت تحكي القصة كاملة، بكل تفاصيلها اللي ما حكتها لحد غير نفسها طوال الخمس سنين الماضية.
قبل ما أختفي بيومين، كنت براجع أوراق أبوك القديمة عشان أجهزها لليلة ذكرى وفاته. ولقيت في صندوق خشبي مخبي تحت سريره العقد الأصلي للشركة، والوصية اللي كتبها بيده. فيهم نص واضح إن نص الأملاك كلها لي، والنص التاني بينك وبين طارق بس بعد ما أتأكد من سلامة كل المعاملات وعدم وجود أي غش أو تزوير. وعرفت إن طارق باع نص الأراضي اللي في الشرقية لشركة تابعة لشخصيات كبيرة، واخد الفلوس كلها لوحده، ووقع أوراق تثبت إنني وقعت على التنازل وإنني عارفة بكل حاجة.
طارق اتكلم بسرعة عشان يدافع عن نفسه
التنازل كان بإرادتك! كنتِ عايزة تخلصي من المسؤوليات، وقلتِ لي إنك تثقي فيّ تمام الثقة!
فاطمة هزت راسها بمرارة
التوقيع ده مزور يا طارق. عرفت من أول نظرة، لأن إيدي اليمين بتتعب بسرعة وأنا بكتب، فكل توقيعاتي بتكون مائلة شوية لليمين، والتوقيع اللي في الورقة كان مستقيم تمامًا. وكنت عارفة إنك مش هتقدر تعمل كده لوحدك، فاستعنت بمحامي قديم لينا كان بيكره أبوك من زمان.
سكتت شوية، وتنهدت بصعوبة قبل ما تكمل
لما واجهتك بالحقيقة في مكتبك، كنت هتتكلم ببرود، وبعدين قلت لي إنك آسف، وإنك عايز نصلح الحال مع بعض، وطلبت مني أروح معاك لمنطقة المهجورة دي عشان نراجع الأوراق مع بعض ونحرق القديم منها. وصدقتك يا طارق… صدقتك عشان أخوك، وعشان كنت ربيتك زي ولدي. ولما وصلنا هنا، لقيت اتنين من الرجال الغرباء مستنينا، وقلت لي إنك مضطر تخلص مني عشان ما أفضحكش، وإنك هتقول للكل

إنني سافرت واختفيت، وإنك لقيتي جثة تانية تشبهني عشان تقفل الملف.
أحمد سأل بدهشة
ولكن كيف نجيتي؟ وكيف عشتِ كل ده الوقت هنا؟
الرجال دول ما كانوش عايزين يقتلوني من الأساس. لما طارق مشي، قالوا لي إنهم ما بيقتلوش نساء، وإنهم خدوا فلوس عشان يخطفوني ويتركوني هنا أموت من الجوع والبرد، وإنهم لما يلاقوا الجثة التانية هيرجعوا يرموا ملابسي حوالينها عشان يتأكد الكل إنني أنا اللي ميتة. سابوني ومشوا، ومكثت هنا يومين كاملين ما كلتش ولا شربت شيء، وكنت مستنية الموت يجيني. لحد ما جالي مروان، كان بيدور على أكل ورا الصناديق، ولما شافني خاف، لكنه رجع لي بقايا أكل ومياه، وفضل يزورني كل يوم من ساعتها.
مروان رفع راسه بفخر وقال
كنت بحس إنك في حاجة لحد يساعدك. وكنت أسمعك بتتكلمي في نومك عن العقد وعن السلسلة، فحفظت كل حاجة، ولما شفتك يا باشا في الجنازة عرفت إن لازم أقولك الحقيقة مهما حصل.
أحمد التفت لطارق، والدموع كانت بتسيل على خده
كل ده صحيح؟ كل ده عملته عشان الفلوس؟ خمس سنين يا طارق… خمس سنين وأنا بحس بذنب إنني ما قدرتش أحميها، وأنا ببكي عليها كل ليلة، وأنت كنت عارفة إنها عايشة وكنت ساكت؟ وكنت عايز تدفنها تانية بقايا مش بتاعتها عشان تخلص من الخوف؟
طارق سكت، وانهار على قطعة حجر قريب منه، ودفن وشه بين يديه وبدأ يبكي زي الطفل الصغير
ما كنتش عايز كده يا أحمد… ما كنتش عايز أأذي أحد. لكن كنت خايف. خايف من الفشل، خايف من الناس تتكلم عليا، خايف من الناس اللي تعاملت معاهم… هم هددوني، قالوا لي لو ما كملتش معاهم هيدمروا سمعتنا ويسجنونا كلنا. وفكرت لو خلصت

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *