بعد الطلاق

ولا أبرر أي حاجة، ولا أستحمل حد بيقولي إني السبب في كل حاجة.
كنت مجرد أم تعبانة…
شايلة بنتها…
ومستندة على كتف شخص غريب، إداني كام دقيقة من السلام اللي كنت مفتقداهم.
لما الطيارة بدأت تهبط، صحيت بسرعة واعتدلت.
ابتسم عمر وقال
شكراً.
قلت
على إيه؟
قال
معظم الناس كانوا هيطلبوا يعرفوا كل التفاصيل الأول.
ابتسمت بتعب وقلت
النهارده… أنا معنديش طاقة أبقى زي معظم الناس.
بصلي بابتسامة هادية وقال
أنا خدت بالي بس حصلت مصېبه وو
أول ما باب الطيارة اتفتح، افتكرت إن الحكاية خلصت.
ابتسمت لعمر ابتسامة سريعة، شيلت ليلى، وخدت شنطي وأنا بقول
أتمنى تكون عرفت ترتاح شوية.
رد بهدوء
إنتِ اللي ريحتيني.
ولأول مرة لاحظت إن فيه اتنين لابسين مدني واقفين عند باب الطيارة، أول ما شافوه وقفوا باستعداد.
واحد منهم قال باحترام
سيادة اللواء… العربية مستنياك.
اتجمدت مكاني.
سيادة اللواء؟!
بصيت لعمر باستغراب.
ابتسم ابتسامة خفيفة كأنه كان متوقع رد فعلي، وقال
قلتلك هشرحلك بعدين… بس واضح إن الوقت سبقني.
قبل ما أسأله أي حاجة، صافحني وقال
أتمنى حياتك الجديدة تكون أهدى من اللي فات.
ومشي.
في أقل من عشر ثواني كان محاط بأربع أفراد أمن، واختفى وسط الزحمة.
وقفت مكاني وأنا مش فاهمة…
هو مين بالضبط؟
وليه كل الناس كانت بتصوره؟
وليه كان محتاج يستخبى بالشكل ده؟
وصلت بيت بنت خالتي سارة بعد ساعتين.
أول حاجة عملتها إني دخلت الحمام أغسل وشي، ولما خرجت لقيتها قاعدة على الكنبة، ماسكة الموبايل ووشها شاحب.
أول ما شافتني قالت
هنا… اقعدي.
ضحكت وأنا بحط ليلى على السرير.
في إيه؟
ما ردتش…
بس مدتلي الموبايل.
وأول ما بصيت على الشاشة…
قلبي وقع.
كانت صورتي.
أنا…
وراسي على كتف عمر داخل الطيارة.
الصورة متصورة من زاوية بعيدة، كأنها بتأكد إننا أسرة واحدة.
لكن الكابشن كان أسوأ من الصورة نفسها.
بعد أقل من شهر على الطلاق… هنا ما ضيعتش وقت، وبدأت رحلة جديدة مع راجل متجوز!
إيدي بدأت ترتعش.
نزلت تحت.
لقيت آلاف التعليقات.
كانت مستنية تطلق بس.
أكيد كانت تعرفه من زمان.
البنت دي طلعت سبب خړاب بيتها.
حسيت إن نفسي بيتقطع.
لكن الصدمة الأكبر كانت لما شفت مين اللي نشر البوست.
كريم… طليقي.
وكان كاتب في آخر المنشور
كنت ساكت حفاظًا على بنتي… لكن الحقيقة لازم تظهر.
رفعت عيني لسارة وأنا همست
هو… عمل كده؟
هزت رأسها بحزن.
والأسوأ من كده… البوست بقى في كل مكان.
في نفس اللحظة…
رن موبايلي برقم غريب.
ترددت ثواني…
وبعدين رديت.
جالي نفس الصوت الهادئ اللي سمعته في الطيارة.
أستاذة هنا… معاكِ عمر.
ابتلعت ريقي.
إنت شوفت اللي حصل؟
سكت لحظة…
وبعدين قال بنبرة مختلفة تمامًا
شوفت… وعشان كده لازم أقابلك فورًا.
سألته بقلق
ليه؟
رد بكلمة واحدة خلت الډم يتجمد في عروقي…
لأن الصورة دي… مش أخطر حاجة اتنشرت النهارده اتسعت عيني.
يعني إيه؟
جالي صوته ثابت، لكنه كان مستعجل لأول مرة.
مش هينفع أشرح في التليفون. أنا قريب من عنوان بنت خالتك… عشرين دقيقة وأكون عندك.
قبل ما ألحق أسأله عرف العنوان منين…
كان قفل الخط.
بصيت لسارة.
قالت وهي باينة عليها الحيرة
هو عرف مكاننا إزاي؟
هززت راسي.
معرفش… بس واضح إن الموضوع أكبر من مجرد صورة.
مرت الدقائق تقيلة.
كل دقيقة كنت بفتح الفيسبوك ألاقي منشورات جديدة.
حد نشر الصورة بجودة أعلى.
وحد كاتب إن الراجل الغامض هو مسؤول أمني كبير.
وحد تالت بدأ يألف قصة كاملة عن علاقة سرية بينا.
أما كريم…
فكان بيرد على التعليقات ويكتب
أنا عندي أدلة أكتر… بس لسه الوقت مجاش.
وقتها حسيت بالخۏف لأول مرة.
مش على نفسي…
على ليلى.
رن الجرس.
فتحت سارة الباب.
كان عمر واقف، لكن المرة دي مش لوحده.
كان معاه راجل خمسيني لابس بدلة، وست محترمة شايلة لابتوب.
أول ما دخل قال
اطمني… دول من فريقي.
قعدنا.
فتح اللابتوب.
وطلع الصورة اللي منتشرة.
كبرها.
ثم قال
بصي هنا.
كان بيشير لركن صغير جدًا في الصورة.
في البداية ما شفتش حاجة.
لكن لما زوّد التكبير…
ظهر انعكاس خفيف في إزاز الشباك.
شخص واقف في آخر الطيارة…
رافع موبايله.
قال
عمر
الصورة
دي ما اتصورتش صدفة.
بلعت ريقي.
تقصد إيه؟
رد بهدوء
اللي صورها كان مستني اللحظة دي.
لف اللابتوب ناحيتي.
والأغرب… إنه ركب الطيارة قبل الإقلاع بدقائق، ونزل أول واحد بعد الهبوط.
سارة سألت باستغراب
عرفتوا ده منين؟
ابتسم الراجل اللي معاه وقال
راجعنا تسجيلات المطار.
شعرت بقشعريرة.
يعني الموضوع متابع من البداية.
ضغط عمر على زرار تاني.
ظهرت صورة أوضح للرجل.
أول ما شفت وشه…
صړخت بدون ما أحس.
مستحيل…
كان الشخص اللي صورنا…
واقف قبلها بأسبوع قدام المحكمة يوم جلسة الطلاق.
وقتها افتكرته صحفي.
لكن دلوقتي…
عرفت إنه كان بيراقبني من قبل ما أركب الطيارة.
رفع عمر عينيه ناحيتي وقال ببطء
وده مش أسوأ اكتشاف.
فتح ملفًا آخر.
وفيه صورة قديمة.
الصورة كانت لكريم…
طليقي.
واقف بيصافح نفس الرجل… قدام كافيه، قبل طلاقي بشهرين.
اتجمد الډم في عروقي.
همست
يعني… كريم يعرفه؟
هز عمر رأسه ببطء.
أكتر من كده… إحنا دلوقتي بنحاول نعرف ليه كان متفق معاه من قبل الطلاق… وليه كان مصر إن الصورة دي تنتشر في نفس اليوم.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف عمر.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه فجأة.
رد بسرعة، ولم ينطق إلا بكلمتين
إزاي اختفت؟!
ثم وقف پعنف، وأغلق الهاتف، والټفت إليّ قائلاً بصوت منخفض
لازم نمشي حالًا… لأن الشخص اللي في الصورة اختفى من الحجز قبل ساعة… وفي حد عرف إننا وصلنا لك قبل ما أستوعب كلامه…
سمعنا صوت عجلات عربية وقفت پعنف تحت العمارة.
كلنا بصينا من الشباك.
عربيتين سودا وقفوا قدام المدخل.
نزل منهم تلات رجالة.
مش بيجروا…
لكن كانوا بيتحركوا بثقة مخيفة، كأنهم عارفين بالظبط رايحين فين.
همست
هما دول؟
عمر ما ردش.
كان مركز بعينه عليهم، وبعدين قال للرجل اللي معاه
خطة الطوارئ.
في أقل من خمس ثواني، الراجل قفل اللابتوب، والست شالت كل الأوراق، وعمر بصلي وقال
هنا… خدي ليلى ومتطلعيش أي صوت.
قلبي كان بيدق پعنف.
إحنا هنهرب؟
رد بسرعة
لحد ما نعرف هما مين.
وفجأة…
دق… دق… دق.
خبط هادي على باب الشقة.
سارة بصت من العين السحرية…
واتجمدت.
لفت ناحيتنا وهمست
واحد لابس بدلة… ومعاه بوكيه ورد.
استغربت.
ورد؟
بعد كل اللي بيحصل؟
الرجل اللي مع عمر قرب من الباب بهدوء، وبص هو كمان.
وبعدين قال
مش لوحده.
كان فيه اتنين مستخبيين بعيد عن الباب، باين منهم جزء صغير في المراية المقابلة للممر.
واضح إنهم مش عايزين اللي جوه يحس بيهم.
عمر مد إيده ببطء وطلع سماعة صغيرة من جيبه، وحطها على الباب.
بعد ثواني، بدأنا نسمع همس اللي واقفين بره.
أول صوت قال
أول ما تفتح… ادخل بسرعة.
الصوت التاني رد
والبنت؟
جاله الرد اللي جمد الډم في عروقي
البنت مش هدفنا… إحنا عايزين الأم.
حسيت رجلي مش شايلاني.
ضمّيت ليلى لصدري بقوة.
عمر بصلي وقال بثبات
كنت متأكد إنهم هيجوا… لكن مش بالسرعة دي.
همست
مين هما؟
قبل ما يرد…
رن موبايله برسالة.
فتحها.
وسكت.
ثم وراني الشاشة.
كانت صورة جديدة…
متصورة من بره العمارة.
الصورة كانت ليا أنا… وأنا واقفة دلوقتي قدام الشباك، شايلة ليلى.
وتحتها رسالة قصيرة
قولتلِك هنوصلها في أي مكان.
لكن اللي خلّى عمر يشحب فجأة…
إن الرسالة ما كانتش من رقم مجهول.
كانت جاية من…
رقم كريم، طليقي.
رفع عمر رأسه ببطء، وقال بصوت منخفض
دلوقتي اتأكدت… كريم مش مجرد بينتقم منك.
سألته وأنا باكاد أنهار
أمال إيه؟
أجاب وهو ينظر إلى الباب الذي بدأ يُطرق پعنف هذه المرة
هو بيحاول يوصلك قبل ما تعرفي الحقيقة… والحقيقة دي موجودة في صورة واحدة لسه محدش شافها ازداد الطرق على الباب.
دق… دق… دق…
لكن المرة دي كان أقوى.
وصوت الراجل اللي بره اتغير.
إحنا عارفين إنكم جوه… افتحوا الباب.
سارة بدأت ترتعش.
هنعمل إيه؟!
عمر رفع إيده يطلب مننا السكوت.
ثم أخرج موبايله وفتح تطبيقًا مشفرًا، وأرسل رسالة قصيرة.
بعد أقل من عشر ثوانٍ وصله رد.
قرأه… ثم تنفس ببطء.
لسه عندنا خمس دقايق.
سألته
خمس دقايق لإيه؟
رد
لحد ما الدعم يوصل.
وفجأة…
صدر صوت إشعار من اللابتوب المقفول.
الرجل اللي مع عمر فتحه بسرعة.
قال باستغراب
لقيناها!
اقترب عمر.
فين؟
لف الشاشة ناحيتي.
كانت الصورة اللي انتشرت…

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *