امي حابسه مراتي الحامل ج2 رشا خالد
## الجزء الثالث والأخير
صوت سارينة الإسعاف كان بيشق هدوء الشارع، زي صفارة إنذار بتعلن نهايات حاجات كتير وبداية كابوس جديد. المسعفين نزلوا يجروا بـ التروللي، ودخلوا من بوابه الجنينة المبلولة. الضابط هشام شاور لهم بسرعة، وجريوا على أحمد اللي كان قاعد على الأرض ومكلبش في إيد سارة، كأنه لو سابها هتيضيع منه للأبد.
— “اوعى يا باشمهندس بالراحة عشان نعرف نشيلها!” المسعف قال وهو بيحط جهاز الأكسجين على وش سارة.
أحمد كان شايف كل حاجة حواليه كأنها بتتحرك بالعرض البطيء. شالوا سارة بالراحة، وحطوا الملاية البيضا عليها، وفي اللحظة دي أحمد شاف نقط الدم نازلة ببطء من طرف التروللي على أرضية الجنينة الأسمنتية. قلبه اتعصر، وحس بوجع في صدره مفيش أي كلام يقدر يوصفه.
حكمت كانت واقفة، والكلابشات في إيدها. بصت لأحمد بنظرة كلها غل وقسوة، ومفيش في عينيها نقطة ندم واحدة:
— “أنت مش ابني! أنت ولد عاق! تبيع أمك وأخوك عشان حتة بت لا راحت ولا جت؟! طول عمرك خايب وماشية ورائها!”
أحمد وقف وقرب منها، وشه كان شاحب كأنه ميت، وعينيه أحمر من الدموع والدم:
— “أنا اللي خايب؟! عشان شقيت وتعبت وعرقت عشان أفتح البيت ده؟! عشان أكلكم بالحلال؟! طلعتوا حابسين مراتي وتضربوها في بطنها وهي حامل عشان تجارة قذرة؟! أنتِ مش أم.. أنتِ شيطان!”
باهر كان واقف جنبه أمين الشرطة، بيعيط بانهيار وبيترعش زي الفراشة:
— “والله يا أحمد هي اللي زقتني! أمك هي اللي قالت لي هات البودرة وجرب نعمل التركيبة هنا عشان المكسب يبقى الضعف! هي اللي قالت لي المخزن محدش بيدخله وخلينا نستغل العبيط أخوك وهو مسافر!”
أحمد ضرب باهر بقبضته على وشه ضربة طيرته في الأرض، والشرطة مسكت أحمد بسرعة وبعدته:
— “اهدى يا باشمهندس! اهدى ومتبوظش حقك!” الضابط هشام زعق وهو بيمسكه.
في اللحظة دي، عربيات النجدة ومكافحة المخدرات والطب الشرعي كانت ملت الشارع كله. الشارع اتقلب، والناس والحيطان في منطقة المعادي الهدية بدأوا يخرجوا من الشبابيك والبلكونات يبصوا بذهول. العيلة المحترمة الراقية اللي طول عمرها في حالها، طلعت بتدير بؤرة لتصنيع السموم!
— “اركب يا باشمهندس مع الإسعاف عشان تحصل مراتك، وأنا هبعت معاك أمين شرطة وياخد أقوالك لما توصل المستشفى،” الضابط هشام قال وهو بيحط إيده على كتف أحمد بأسف.
أحمد ما فكرش ثانية، جري ورا التروللي ونط في عربية الإسعاف.
جوه عربية الإسعاف، الصوت الوحيد اللي كان مالي المكان هو صوت جهاز نبضات القلب: بييب.. بييب.. بييب.. بصوت متقطع وضعيف.
المسعف كان شغال بكل قوته، معلق لها قزازة محلول ومحضر أجهزة الإنعاش. أحمد كان ماسك إيد سارة الباردة بين إيديه الاتنين، بيحاول يدفيهم، وبيحط دماغه على إيدها ويبكي بصوت مكتوم.
— “طمني يا كابتن بالله عليك.. طمني سارة وابني عاملين إيه؟” أحمد سأل وهو بيترجى المسعف بعينيه.
المسعف بص له بنظرة أسف ومقدرش يداري:
— “الضغط واطى جداً يا باشمهندس، وفيه نزيف حاد شغال من فترة كبيرة.. البنت معتمدة دلوقتي على المحاليل ومحتاجة نقل دم فوراً ودخول عمليات فوراً فوراً.. ربنا يستر.”
سارة حركت صوابعها بالراحة جوه إيد أحمد. فتحت عين واحدة بالعافية، وبصت له بنظرة متقطعة:
— “أحمد.. أنا.. أنا كنت فاكراك مش هترجع.. كنت فاكرة إني هموت جوه في الضلمة والفران بتاكل فيا..”
أحمد باس إيدها ودموعه نازلة على وشها:
— “سامحيني يا سارة.. سامحيني يا حبيبتي إن سبتك مع الكلاب دول.. حقك عليا وعلى راسي والله العظيم لو عاشوا يوم واحد بره السجن هكون أنا اللي قطعت رقبتهم بنفسي!”
سارة غمضت عينيها وهي بتتنهد بضعف:
— “الواد.. يا أحمد.. امسك في الواد.. أنا حاسة إنه سابني وخلاص مش باين..”
الجهاز بدأ يطلق نغمة مستمرة وسريعة: بييييييييب!
المسعف اتنفض:
— “الحق الدورة الدموية بتهبط! دوس على البنزين يا صابر بسرعة! المستشفى القريب هنا بسرعة!”
وصلت عربية الإسعاف مستشفى المعادي العام. التروللي اتسحب بسرعة اليرق في الطوارئ، والدكاترة والممرضين اتلموا حوالين سارة. دخلوا بيها فوراً على أوضة العمليات.
أحمد كان واقف بره، هدومه مبلولة طين ومطرة، وشه متوسخ، وإيديه فيها دم سارة الناشف. كان رايح جاي في الممر البارد بتاع المستشفى، زايغ العينين، مش قادر يقعد ولا قادر يقف.
جه أمين الشرطة وقعد جنبه على دكة الاستراحة:
— “وحد الله يا باشمهندس أحمد.. إن شاء الله هتعدي على خير.”
— “لا إله إلا الله..” أحمد قالها بصوت مكسور، وبعدين مسك راسه بإيديه الاتنين وقعد يفتكر.
افتكر اليوم اللي اتجوز فيه سارة من سنتين. سارة البنت اليتيمة اللي ماليهاش حد في الدنيا غير ربنا وأختها الصغيرة المتربية في بيت خالتها. سارة اللي حكمت طمعت فيها وقالت له دي ملهاش ظهر وهتعرف تمشيها على عجين متبغددهوش. وافتكر ازاي هو كان بيحاول يرضي أمه على حساب مراته، ازاي كان بيعدي كلام حكمت البايخ لسارة ويقول لها “معلش دي أمي كبرت واستحمليها”.
افتكر لما سارة كانت تقول له “أنا خايفة من أخوك باهر.. باهر عينيه مش مظبوطة وبيجيب ناس غريبة الجنينة بالليل”. وأحمد كان يزعق لها ويقول لها “ده أخويا الصغير ومتربي عيب تتكلمي عليه كده!”.
أتاري سارة كانت صح.. أتاري سارة كانت شايفة الثعبان اللي عايش معاهم في البيت وهو كان مغمي عينيه بكلمة “دي أمي وده أخويا”.
بعد ساعتين كاملين من الانتظار القاتل، الباب بتاع أوضة العمليات اتفتح.
الدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي الطبي المليان دم، ووشه يبان عليه التعب والأسى.
أحمد جري عليه كأنه بيجري على طوق النجاة:
— “طمني يا دكتور! سارة عاملة إيه؟! أرجوك قول لي إنها كويسة!”
الدكتور حط إيده على كتف أحمد ونهد بصوت واطي:
— “الحمد لله.. بفضل ربنا قدرنا ننقذ المدام سارة.. عملنا لها استكشاف ونقلنا لها تلات أكياس دم، وقدرنا نوقف النزيف الداخلي.”
أحمد اتنفس بطفح الكيل ووقع على ركبه:
— “الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. والولد يا دكتور؟ ابني عامل إيه؟”
الدكتور سكت لحظة، وبص في الأرض، وبعدين بص لأحمد بأسف:
— “للأسف يا باشمهندس.. الحمل كان في الشهر الرابع، والتعدي الشديد والنزيف اللي استمر أكتر من 48 ساعة من غير علاج.. تسبب في انفصال تام في المشيمة. الجنين نزل ميت.. وللأسف الأهم من كده، النزيف والتهتك الشديد في الرحم أجبرنا نعمل عملية استئصال رحم عشان ننقذ حياة المدام.. سارة مش هتقدر تخلف تاني.”
الكلمات نزلت على رأس أحمد زي الصاعقة!
عقله وقف عن التفكير. استئصال رحم؟! مش هتقدر تخلف تاني؟! وابنه الأولاني نزل ميت؟!
— “أنت بتقول إيه يا دكتور؟! لا.. لا أكيد فيه غلط! سارة كانت فرحانة بالبيبي! سارة كانت بتشتري هدوم النونو من الشهر التالت! أنت بتقول إيه?!” أحمد صرخ بانهيار وهو بيمسك في البال Mus بتاع الدكتور.
أمين الشرطة حجز بين أحمد والدكتور:
— “اهدى يا باشمهندس! اهدى استغفر ربنا ده قضاء وقدر!”
الدكتور قال بأسى:
— “أنا مقدر موقفك يا باشمهندس، بس نحمد ربنا إن المدام نفسها خرجت عايشة من التجربة دي.. ضربة بطنها والزنقة اللي محبوسة فيها كانت كفيلة تموتها هي كمان.. أحمد ربنا إنها وسطكم.”
أحمد ساب الدكتور ووقع على الأرض، وحط وشه بين إيديه وبكى بكاء يقطع القلب. بكى على ابنه اللي مات من غير ما يشوف النور، وبكى على مراته اللي شبابها ورحمها وضناها ضاعوا بسبب قسوة أمه وجشع أخوه.
مرت ساعات الليل بطيئة وقتالة.
على الساعة 7 الصبح، النيابة العامة كانت طلبت استدعاء أحمد لسماع أقواله، وفي نفس الوقت كانت المباحث والبحث الجنائي قالبين بيت المعادي رأساً على عقب.
أحمد رفض يمشي من المستشفى إلا لما سارة تفوق.
على الساعة 9 الصبح، نقلوا سارة لأوضة عادية. كانت حاطة خرطوم محلول في إيدها، ووشها زي الشمع الأبيض، وعينيها دبلانة ومفيهاش روح.
أحمد دخل الأوضة بالراحة. خطواته كانت تقيلة كأنه شايل جبال على ضهره. قرب من السرير وقعد على الكرسي اللي جنبها.
سارة بصلته ببطء، ودمعة واحدة نزلت من طرف عينها:
— “أحمد..”
أحمد مسك إيدها وباسها بدموع:
— “حمد الله على سلامتك يا روح قلبي.. حمد الله على سلامتك يا سارة.”
سارة بصت لبطنها الفاضية، وحطت إيدها التانية عليها، وبدأت تترعش:
— “الولد راح.. صح؟”
أحمد ما قدرش يرد.. هز رأسه بالايجاب وهو بيعيط بصوت واطي.
سارة سكتت لحظة.. سكون مرعب، أشد من الصريخ والعياط. بصت في السقف وقالت بصوت ميت ومفيهوش أي مشاعر:
— “ورحمي كمان راح.. صح؟”
أحمد بص لها بذهول:
— “أنتِ عرفتي منين؟”
سارة ابتسمت ابتسامة مكسورة وموجوعة:
— “الممرضة كانت بتتكلم بره الأوضة وسمعتها.. أدي حكمت وأخوك.. خدوا مني كل حاجة.. خدوا مني ابني، وخدوا مني أملي إني أكون أم، وكانوا هيخدوا روحي كمان..”
— “والله العظيم لأجيب لك حقك يا سارة! والله العظيم ما هسيبهم! حكمت وباهر هيتعاقبوا بأشد عقاب في القانون!” أحمد قال بقسوة وغضب مالي قلبه.
سارة بصت له بنظرة جافة:
— “حكمت دي تبقى أمك يا أحمد.. وأنت طول عمرك بتصدقها وطول عمرك بتيجي عليا عشانها.. أنت السبب يا أحمد.. أنت اللي سبتني مع ذئاب في بيت واحد وسافرت!”
الكلمة قطعت قلب أحمد مية حتة. كانت حقيقة مرّة مش قادر ينكرها. هو اللي سابها، هو اللي أمنهم عليها، هو اللي كان بيغمي عينيه عن ظلم أمه.
— “أنا عارف إني غلطان يا سارة.. عارف إني مقصر وحقك عليا بدمي.. بس وحياة ربنا وحياة ابننا اللي مات.. مش هسيب حقك ولا حق ابني!”
في اللحظة دي، دخل ضابط النيابة ومعاه سكرتير التحقيق عشان ياخدوا أقوال سارة وأحمد.
في سرايا نيابة المعادي..
التحقيقات كانت شغال على قدم وساق. القض*ية ما بقتش مجرد احتجاز بدون وجه حق وتعدي ضرب أفضى إلى إجهاض.. القض*ية كبرت وبقت قنبلة موقوتة هزت الرأي العام.
الطب الشرعي فحص المخزن الجواني، واكتشفوا إن الباب الحديدي المحفور في الحيطة ده كان مدخل لسرداب قديم تحت الأرض موصل لبيت مهجور ورا الجنينة!
جوه السرداب لقى رجال المباحث أكتر من 50 كيلو جرام من مادة “الفودو” ومادة “الاستروكس” الخام، بالإضافة لبراميل كيماويات تصنيع قاتلة، ومبالغ مالية ضخمة بالدولار والجنيه المصري، وأسلحة نارية غير ترخيص.
والصدمة الأكبر.. إن التحريات أثبتت إن باهر مكنش شغال لوحده. باهر كان مجرد “صبي” أو “مصنعجية” لتشكيل عصابي كبير بيديره تاجر مخدرات خطير في منطقة جنوب القاهرة اسمه “البرنس”.
حكمت، الأم، كانت عارفة بكل حاجة من البداية!
بل بالعكس، التحريات أثبتت إن حكمت هي اللي وافقت إن السرداب يتفتح من الجنينة مقابل نسبة شهرية 100 ألف جنيه بتاخدهم في إيدها عشان تصرف على باهر وتشتري أراضي وعقارات بأسامي مستعارة!
ولما سارة اكتشفت الباب ده بالصدفة يوم الأربع، لما سمعت باهر بتتكلم مع واحد من أفراد التشكيل والعصابة جوه المخزن.. سارة حاولت تجري وتتصل بأحمد.
لكن حكمت وباهر هجموا عليها، باهر ضربها بجلن الكيماويات في بطنها، وحكمت كتفتها ورموها جوه المخزن وقفلوا بالقفل الجديد عشان يداروا الج*ريمة لحد ما يهربوا الشحنة!
في أوضة التحقيق بـ النيابة العامة..
وكيل النيابة كان قاعد ورا مكتبه، وواقف قدامه المتهمين: حكمت وباهر، ومعاهم محامين كبار حاولوا يترافعوا ويلاقوا أي ثغرة.
حكمت كانت نازلة تمثيل ودموع:
— “يا بيه يا فندم! أنا ست كبيرة ومريضة سكر وضغط! والله ما أعرف حاجة! الابن الفاسد ده باهر هو اللي جاب المصايب دي في بيتي من غير ما أعرف! وأنا لما حبست البت سارة كنت بحسبها بتعمل عمل لابني أحمد عشان تفرقه عني! أنا جاهلة وما اعرفش حاجة عن المخدرات دي!”
وكيل النيابة بص لها بنظرة احتقار ورفع ورقة من الملف:
— “جاهلة يا حكمت هانم؟! طب والتدفقات المالية اللي نازلة في حسابك في البنك الإهلي باسمك الشخصي، اللي فيها تحويلات أسبوعية بـ 100 ألف جنيه تحت مسمى ‘أرباح تجارية’ دي إيه؟! والشهادات الاستثمارية اللي عملتيها باسمك واسم باهر من أسبوعين دي إيه؟!”
حكمت اتلجلجت ووشها احمر وما عرفتش ترد.
باهر اتنفض وصرخ فيها:
— “أنتِ هتلبسيني لوحدي يا ولية يا مفترية؟! أنتِ اللي كنتِ بتاخدي الفلوس وتعديها! أنتِ اللي قولتي لي اضرب البت سارة واحبسها ولما تموت نبقى نرميها في الملاحة ونقول هربت مع واحد!!”
المحامين بتوعهم اتصدموا من اعترافاتهم القدام وكيل النيابة.
وكيل النيابة خبط بيده على الترابيزة بحدة:
— “سكتوا المتهمين دول! أمرت النيابة العامة بحبس المتهمة حكمت والمتهم باهر 15 يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد في المواعيد القانونية، وتوجيه التهم الآتية:
1. الشروع في ق*تل المجني عليها سارة.
2. التسبب في إجهاض ضرب أفضى إلى إحداث عاهة مستديمة (استئصال الرحم).
3. الاحتجاز بدون وجه حق والتعذيب.
4. إدارة وحيازة وتصنيع مواد مخدرة بقصد التجارة داخل تشكيل عصابي مسلح.
5. غسيل الأموال.”
حكمت أول ما سمعت القرار وقعت على الأرض وأغمى عليها، وباهر قعد يصرخ ويكلم نفسه زي المجانين وهو بيتسحب بالكلابشات لخشبة التخشيبة.
بعد مرور ستة أشهر..
في محكمة جنايات القاهرة.. كانت القاعة زحمة جداً بالصحفيين والإعلاميين والناس اللي تابعوا القض*ية اللي هزت الرأي العام وعرفت إعلامياً بـ “ج*ريمة مخزن المعادي”.
أحمد كان قاعد في الصف الأولاني. وشه كان كبر عشر سنين، شعره شاب من الجوانب، وعينيه فيها حزن عميق مش بيمشي. جنب منه كانت قعدة سارة.. سارة اللي بقت أرفع بكثير، لابسة أسود في أسود، وعينيها باصة للقفص بجفاء وجمود.
جوه القفص.. كانت حكمت لابسة اللبس الأبيض بتاع السجن، شكلها كبر وتعبت، وعينيها زاغة ومكسورة. وباهر جنبها دقنه طويلة ووشه أسود من الذل.
القاضي وقف، والقاعة كلها وقفت وسكتت تماماً.
القاضي بدأ يقرأ الحيثيات بصوت رخيم زلزل القاعة:
— “إن الجرائم التي ارتكبها المتهمان لا تمس فقط جسد المجني عليها، بل تهز أركان المجتمع والأسرة المصرية. إن الأمومة قيمة مقدسة، ولكن المتهمة الأولى تجردت من كل معاني الأمومة والإنسانية، وارتضت أن تكون شريكة في تصنيع السموم القاتلة لشباب الوطن، ولم تكتفِ بذلك، بل مارست أعتى أنواع القسوة والوحشية ضد زوجة ابنها الحامل، وحرمتها من حريتها وطعامها وعلاجها، مما أدى لإجهاض جيل جديد وإحداث عاهة مستديمة تستحيل برؤيتها.
والمتهم الثاني سار في درب الفساد والجشع، واستغل صلة الرحم لتدنيس بيته وتحويله إلى بؤرة إجرامية.”
القاضي سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت صارم:
— “حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:
أولاً: بمعاقبة المتهم باهر بالسجن المؤبد وتغريمه مليون جنيه.
ثانياً: بمعاقبة المتهمة حكمت بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً.
ثالثاً: مصادرة كافة الأموال والممتلكات والعقارات المضبوطة لحساب الخزانة العامة للدولة.
رابعاً: إحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة وتعويض المجني عليها سارة تعويضاً مؤقتاً.”
صوت الطرق بالشاكوش نزل زي الفأس: “رفعت الجلسة!”
الشرطة بدأت ترحل المتهمين. حكمت بصت لأحمد من ورا القضبان وهي بتبكي وبتصرخ:
— “سامحني يا أحمد! سامحني يا بني عشان خاطر ربنا! سامح أمك!”
أحمد أدالها ضهره وماردش عليها ولا كلمة. باهر كان بيترعش وهو بيتسحب للخارج، والجمهور في القاعة كان بيبهدهم ويدعي عليهم.
خارج مبنى المحكمة..
المطرة كانت نازلة خفيفة على شوارع القاهرة، زي ما كانت نازلة يوم الج*ريمة.
أحمد وسارة كانوا واقفين على السلم الخارجي للمحكمة.
أحمد بص لسارة وقال بصوت واطي ومكسور:
— “سارة.. أنا بعت بيت المعادي ده وشطبته من حياتي، والفلوس اللي طلعت منه حطيتها في جمعيات خيرية ودار أيتام باسم ابننا الله يرحمه.. أنا مش عايز أي حاجة من الريحة دي تاني.”
سارة بصت للمطرة وهي بتتنفس هواء نقي لأول مرة من أشهر:
— “وأنا يا أحمد.. محتاجة أمشي.”
أحمد بص لها بشك وألم:
— “تمشي تروحي فين؟”
سارة بصت له بابتسامة هادية بس حزينة:
— “أمشي بعيد يا أحمد.. أنا بحبك، وعارفة إنك اتظلمت زيي، بس كل ما هبص في وشك هافتكر حكمت، وهتفتكر باهر، وهتفتكر الجنينة والمخزن والدم.. إحنا المحاولة بينا بقت وجع مضاعف. أنا محتاجة أبدأ حياتي في مكان جديد، أداوي فيه جروحي لوحدي.”
أحمد حَسّ بدمعة نازلة على خده، بس هز رأسه بالايجاب. كان عارف إنها صح، وإن الجرح كان أعمق من إن أي بيت يجمعهما تاني.
— “اللي تشوفيه يا سارة.. اللي يريحك ويرجع لك صحتك ونفسك أنا هعمله.. حتى لو كان ده معناه إني أعيش بقية عمري لوحدي.”
سارة طلعت ورقة من شنطتها وادتها له.. كانت ورقة الطلاق بالتراضي.
أحمد مسك القلم بـ إيد بتترعش، ووقع عليها.
سارة مسكت إيده لأخر مرة، واستباستها ببطء:
— “خلي بالك من نفسك يا أحمد.. وادعي لابننا.”
مشيت سارة تحت المطرة، وركبت عربية تكسي اختفت وسط زحمة القاهرة.
أحمد فضِل واقف على السلم، حاطط إيده في جيبه، بيبص للسما والمطرة بتغسل وشه.
عرف إن القفل اللي اتفتح في الجنينة مكنش بس قفل مخزن.. ده كان قفل كشف الحقيقة، وطهر حياته من زيف وقسوة كان عايش فيها وهو مش داري.
خسر كل حاجة: أمه، أخوه، مراته، وابنه.. بس أخد درس عمره ما هينساه: إن الشر لما بيتربى جوه البيت، بياكل صاحبه أول واحد.
تمت.