جوزي قالي

نظر إلى الطفلة التي بدأت تهدأ ، ثم نظر إليّ بقلة حيلة.
ممكن… ممكن ألمسها؟ بس مرة واحدة؟
تراجعتُ للوراء، لكن قلبي ذلك القلب الذي ظننتُ أنه ماټ انتفض في صدري. لم تكن الرغبة في اڼتقام، بل كانت رغبة في أن تدرك هي، حين تكبر، أن أباها لم يكن خيالاً.
أشرتُ له ببرود
خمس دقايق. وبعدها، تخرج من هنا، ومن حياتنا، للأبد. تنسى إننا موجودين، زي ما نسيتنا الست شهور اللي فاتوا.
اقتربَ ببطء، وكأنه يقترب من شيء هش قد ينكسر بلمسة. مدّ إصبعه الكبير ليمسس يدها الصغيرة، فقبضت هي بأصابعها عليه. في تلك اللحظة، سقطت دمعة من عينه على الملاءة البيضاء.
هي شبهي يا يارا… همس وهو يغالب نحيبه. شبهي لدرجة توجع.
هي شبهي أنا كمان، قلت بصوتٍ حازم رغم ضعفي. شبه قوتي اللي اكتشفتها لما سيبتني.
رفع رأسه ونظر في عيني نظرة وداع أخيرة، نظرة اعتراف بالذنب لم أعد أهتم لها.
عارف إن اللي عملته ميتغفرش. وعارف إن الفرح اللي كنت رايحله ده ملوش قيمة قدام اللي شفته دلوقتي.
خرج من الغرفة دون أن يلتفت، تاركاً وراءه رائحة المطر والڠضب، وصدى كلمات لم تُقل.
مرت الأيام، وخرجت من المستشفى. لم يعد كريم، ولم تتصل عائلته. لكنني بدأت حياتي الجديدة، حياة لا يعكر صفوها ذكرى كريم، بل تملؤها نظرات ابنتي التي تحمل كل ملامحه، لكنها تحمل كل صلابتي أنا.
في يوم زفافه، لم أكن هناك، لكنني كنت في منزلي، أقرأ لها قصة عن أميرة لم تحتج لقلعة، بل بنت مملكتها الخاصة من ألمها… وكانت ابنتي تنظر إليّ بابتسامة، وكأنها تفهم أن هذه الحكاية هي حكايتنا نحن فقط.
أغلقت الباب خلف ماضيّ، وفتحت نافذة المستقبل، حيث لا مكان لأحد لا يعرف قيمة الوجود إلا حين يفقده.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *