كيكه الدهبي ج١ منى السيد
وأرجع أسكت.
لحد ما بالليل لقيته باعتلي رسالة.
ابتسمت، وقلت أكيد أخيرًا افتكر.
فتحت الرسالة بسرعة…
لكن أول ما قريتها، حسيت إن دمي اتجمد في عروقي…
لأنه بدل ما يبعتلي فلوس الكيكة… كان طالب مني طلب تاني، أغرب وأصعب بكتير، وكأنه ناسي تمامًا إني لسه مستنية منه سبعمية جنيه!
الفصل الثاني
فضلت واقفة في وسط الأوضة والموبايل في إيدي، وصوابعي بتترعش وأنا ببص للشاشة مش مصدقة عيني. حسيت بضربات قلبي بتزيد وسخونية غريبة طلعت في دماغي.
الرسالة اللي بعتها ما كانتش اعتذار، ولا كانت سكرين شوت لتحويل الفلوس زي ما كنت بتمنى وسرحانة بقالي ساعات.
الرسالة كانت:
“حبيبتي، التورتة كسرت الدنيا بجد! أصحابي وأهلي كلهم مبهورين بشكلها وطعمها، لدرجة إن خالتي لما شافتها حلفت لتسألك على حاجة.. ابنها خطوبته الأسبوع الجاي، وعايزاكِ تعملي تورتة دورين كبيرة تكفي ١٠٠ فرد، ومصممة إنها تكون من إيدك عشان تتباهى بيها قدام أهل العروسة. أنا قولتلها طبعاً إنك مش هترفضي، وجهزي نفسك بقى عشان دي هتبقى بجد وشنا قدام الناس!”
فتحت بوقي وذهولي زاد وأنا بقرا الكلام تاني وتالت. “قولتلها إنك مش هترفضي؟” و”وشنا قدام الناس؟”
طب والسبعمية جنيه اللي دفعتهم من دمي ومن ورا أمي؟ والوقفة والتعب؟ مفيش أي إشارة ليهم، كأن التورتة دي نزلت من السما بـ “كن فيكون” ومكلفتش قرش صاغ واحد!
قفلت الموبايل ورميته على السرير، وقعدت وأنا حاسة بقمة الإهانة والضغط. الكلمة واقفة في زوري، وعقلي عمال يودي ويجيب. لو سكت المرة دي، هبقى بفتح الباب لحاجات تانية كتير أكون فيها الطرف اللي بيضحي ويصرف من غير حساب ولا تقدير.
وفي نفس الوقت، كلام أمي عمال يتردد في وداني زي الجرس: “أوعي تصرفي من جيبك على أي حاجة تخص خطيبك.”
لو عرفت إني استلفت منها عشان أعمل تورتة لأخته، وهو خدها ومشي من غير ما يدفع تمنها، وكمان طالب تورتة تانية لدورين وببلاش.. أمي كانت ممكن تروح تفركش الخطوبة دي فوراً.
نزلت الصالة ولقيت ماما قاعدة بتشرب الشاي وبتتفرج على التلفزيون. بصتلي وقالت بابتسامة حنينة:
* “مالك يا بنتي؟ وشك أصفر كدة ليه وشكلك شايلة الهم؟”
حاولت أبتسم وأداري الرعشة اللي في صوتي:
* “لا يا ماما، مفيش حاجة.. بس تلاقيني تعبانة شوية من قلة النوم بتاعة امبارح.”
ماما بصلتي بنظرة شك، الأمومة طبعاً بتكشف كل حاجة:
* “امبارح فضلتي في المطبخ لحد الفجر عشان التورتة دي.. هو كريم عجبته؟”
بلعت ريقي بصعوبة وقلت:
* “آه.. عجبته وعجبت أخته جداً.”
ماما هزت راسها وقالت:
* “طيب الحمد لله.. والفلوس اللي استلفتيها مني يا سارة؟ رجعتيها محفظتك ولا لسه؟”
حسيت كأن حد ضربني بقلم على وشي. كدبت وقلت بصوت واطي:
* “أيوة يا ماما، معايا في المحفظة.. هشيلهم وأديهملك علطول.”
دخلت أوضتي بسرعة وقفلت الباب ورايا. دموعي نزلت غصب عني. أنا بـكدب على أمي عشان أداري على خيبتي وكسفتي قدام نفسي!
مسكت الموبايل تاني، ولقيته باعت رسالة تانية:
* “ها يا حبيبتي؟ مرديتيش يعني؟ شكل التورتة الدورين هياخد وقت، ابدأي رتبي نفسك وجيبي المكونات من بكرة عشان تخلصيها براحتك.. خالتي هتيجي تاخدها يوم الخميس الصبح.”
حسيت إن السكوت دلوقتي هيبقى غباء. لازم أواجهه، وبطريقة واضحة ومباشرة بس من غير خناق عشان محرجش نفسي. كتبت ورجعت مسحت، وفي الآخر كتبت رسالة واضحة:
* “كريم، أنا مبسوطة جداً إن التورتة عجبتهم وده المطلوب.. بس بالنسبة لتورتة خطوبة ابن خالتك، دي تورتة دورين لـ ١٠٠ فرد وتكلفتها هتبقى عالية جداً في الخامات والأدوات، والوقت كمان. الخامات لوحدها ممكن تعدي الألف ونص أو ألفين جنيه في الغلاء ده.. وأنا بصراحة الخمسة غسالة والـ ٢٠٠ جنيه اللي استلفتهم من ماما عشان أكمل تورتة أختك لسه م رجعتهمش، وكنت مستنية تاخدهم امبارح عشان أسدد ديني لماما.”
دوست “إرسال” وقلبي بيدق في رجلي.
فضلت باصة للشاشة.. دقيقة.. اتنين.. ظهر علامة الـ Read باللون الأزرق.
فضلت مستنية يكتب.. مفيش.. مفيش أي رد.
عدت ربع ساعة، ونص ساعة، وكريم مبيكتبش. الضغط العصبي كان هيموتني. هل زعل؟ هل حس بإحراج؟ ولا طنش؟
بعد حوالي ساعة، لقيت الموبايل بيرن.. كان هو.
أخدت نفس عميق وفتحت الخط:
* “ألو.. أيوة يا كريم.”
جه صوته ناشف ومختلف تماماً عن نبرته العادية، صوته كان مليان عتاب وضيق:
* “أيوة يا سارة.. أنا قريت الرسالة بتاعتك وبجد مش مصدق.”
قلت بقلق وتوتر:
* “مش مصدق إيه يا كريم؟ أنا بكلمك في الأصول والواقع.”
رد بنبرة حادة شوية:
* “واقع إيه يا سارة؟ إنتِ بتكلميني في ٢٠٠ جنيه؟ وبتطالبيني بفلوس تورتة أنا فاكر إنك عاملاها هدية لأختي في عيد ميلادها؟ هو إحنا بينا حسابات وفلوس بجد؟ أنا مكنتش أتخيل إنك مادية كدة، ولا إنك هتحسبيها عليا بالقرش والمليم في مناسبة تخص عيلتي!”
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. مادية؟ أنا مادية عشان طالبت بحقي وفلوس دفعتها من جيبي المستور بالعافية؟
قلت وصوتي بدأ يترعش من الغضب:
* “كريم! مادية إيه؟ إنت اللي قولتلي بالتفصيل تعمليها إزاي واعتبرت ده طلب أوردر.. وبعدين أنا ممعيش الفلوس دي أصلاً عشان أهادي بيها! أنا استلفت من أمي عشان أكملك الطلبات اللي إنت طلبتها، وأمي منبهة عليا مأصرفش مليم في الخطوبة.. أنا كدبت عليها عشان خاطرك! هل ده معناه إني مادية؟”
سكت ثانية وقال بنبرة تريقة:
* “كدبتي على مامتك عشان ٢٠٠ جنيه؟ يا سارة إنتِ كبرتي الموضوع وعملتي منه حكاية ورواية.. كان ممكن تقوليلي ببساطة (يا كريم كملي الفلوس) من غير ما تعملي دراما وتكتبيلي لستة أسعار وتورتة دورين وتكلفة وتفاصيل تقفل الواحد! على العموم يا سيتي، حقك عليا.. أول ما أنزل هعدي عليكي وأديكِ السبعمية جنيه بتوعك عشان متزعليش.. بس بجد، حركتك دي نزلت من نظري كتير وخليتني أحس إنك مش بتعملي حاجة من قلبك ليا.”
وقبل ما أرد، قفل السكة في وشي!
فضلت باصة للتليفون والدموع مغرقة عيني. الإهانة والوجع اللي حسيت بيهم ميتوصفوش. هو قلب التربيزة عليا وخلاني أنا الغلطانة والمادية واللي باصة للقرش، في حين إنه هو اللي استغلني وخلاني أدفع من جيب فاGrid لدرجة الاستلاف ومفكرش حتى يسألني “كلفتك كام؟” لما جه يستلم الكيكة.
نميت ليلتها وأنا مقهورة، وصوت بكايا المكتوم مالي الأوضة عشان ماما متسمعنيش وتعرف الخيبة اللي أنا فيها.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط على باب الشقة.
قمت من السرير بكسل وتعب، ولقيت ماما بتفتح الباب. كان كريم واقف وبإيده كيس صغير.
بصلي بنظرة باردة من غير ما يبتسم وقال لماما:
* “صباح الخير يا طنط.. معلش جيت بدري عشان ورايا مشوار.. سارة صاحية؟”
ماما بصتله وقالت:
* “صباح النور يا كريم يا ابني، اتفضل جوة.. سارة صاحية اهي.”
دخلت الصالة وأنا مكسورة وراسي في الأرض. وقف قدامي، وطلع من جيبه ظرف مقفول وحطه في إيدي بقسوة واضحة وقال بصوت واطي عشان ماما متسمعش في المطبخ:
* “دول الـ ٧٠٠ جنيه بتوعك يا سارة.. أهم.. عشان متقوليش إني واكل عليكي حاجة أو مديون لك.”
حسيت بالظرف في إيدي كأنه جمرة نار. كنت عايزة أرميه في وشه، بس افتكرت الـ ٢٠٠ جنيه اللي عليا لماما وخوفي من الفضيحة.
كريم كمل كلامه بنبرة خبيثة وهادية:
* “وبالنسبة لتورتة خطوبة ابن خالتي.. أنا خلاص اتفقت معاهم وقولتلهم إنك هتعمليها.. ودفعتلك عربون أهو عشان ترتاحي وميبقاش عندك حجة.”
طلع من الكيس اللي في إيده علبة خامات شيك، وحط فوق الظرف خمسمية جنيه تانية وقال:
* “ده العربون.. وخالتي هتدفع الباقي لما تستلم.. جهزي الخامات بكرة عشان ميبقاش شكلي وحش قدام عيلتي، وإنتِ عارفة إن الموضوع ده يمس كرامتي شخصياً.”
بصيت للفلوس وللعلبة، وبصيت في عينه اللي كانت مليانة تحدي وبرود. كان بيلوي دراعي بكرامته ووشه قدام عيلته، وفي نفس الوقت بيحرجني بالفلوس عشان يثبت إني مادية ومبتحركش غير بيهم.
مشي كريم بعد ما سابني في دوامة أشد من الأول ميت مرة.
دخلت الأوضة وحطيت الفلوس على السرير. رجعت الـ ٢٠٠ جنيه لماما، والارتياح اللي كان المفروض أحس بيه بعد ما سددت ديني، اتحول لغصة ومرارة في حلقي.
فضلت طول اليوم بلف حوالين نفسي. أعمل إيه؟
لو وافقت وعملت التورتة الدورين، هبقى بكرر المأساة وتعب الأعصاب والوقفة.. ولو رفضت، كريم هيعمل مشكلة كبيرة وممكن ينهي الخطوبة بحجة إني صغرت كتفه قدام عيلته وكسفت وشه بعد ما وعدهم.
عدى يومين وأنا بتهرب من مكالماته، وبرد على رسايله بكلمات مقتضبة جداً: “تمام”، “حاضر”، “بشوف”.
لحد ما جه يوم الأربعاء بالليل.. اليوم اللي قبل التسليم بيوم واحد بس!
الساعة كانت حوالي ١٠ بالليل. تليفوني رن، وكان كريم.
فتحت الخط وأنا مقررة أقوله إني مش هقدر أعملها بالدقة دي لوحدي في الوقت الضيق ده.
لكن قبل ما أنطق بحرف واحد، كريم قال بصوت مرعوب ومذعور ومختلف تماماً عن نبرة التحدي اللي كانت عنده:
* “سارة.. إلحقيني.. المصيبة مش في التورتة خالص دلوقتي.. كارثة هتحصل لو الموضوع ده اتعرف.. إنتِ لازم تلمي الدور معايا حالاً!”
سمعت صوت دوشة في الخلفية وناس بتصرخ وصوت كريم وهو بينهج كأنه بيجري..
وقبل ما أسأله في إيه، الخط قطع!
تفتكري إيه المصيبة اللي كريم وقع فيها وبتخص عيلته وصدمت سارة؟ وهل سارة هتقف جنبه بعد اللي عمله معاها ولا هتستغل الفرصة وتاخد موقف؟