رجعت من السفر قبل ميعادي بيومين ج١

في وجهها عوضاً عن ذلك.
حاولت نور استعادة توازنها. حاولت رسم ابتسامة مرتبكة، لكن شفتيها خذلتاها. قالت بصوت متقطع أحمد.. ما.. ما معنى هذا؟ لماذا الجميع هنا؟
أحمد لم يجبها مباشرة. تقدم بخطوات بطيئة، محسوبة، نحو طاولة السفرة، وتحديداً نحو تلك العلبة الملفوفة بشريط حريري أحمر. كانت العلبة تشع في وسط الغرفة وكأنها قنبلة موقوتة.
قال أحمد وهو ينظر للحاضرين اليوم ليس مجرد احتفال بالعمل الخيري الذي تقوم به نور، كما أخبرتكم. اليوم هو احتفال بالحقيقة. الحقيقة التي نعيشها، والتي نغلفها أحياناً ب كذبات مثالية كي نستطيع إكمال الطريق.
شعر الجميع بالارتباك. بدأت الأم تنظر لابنتها بقلق، وبدأ الأصدقاء يتهامسون. لكن نور، التي كانت روحها تتقطع، أدركت الآن.. أدركت أن اللعبة انتهت. لقد رأت الساعة على الطاولة في غرفتها، والآن، كانت تقف أمام حصاد خيانتها.
افتحيها يا نور، قال أحمد بنبرة آمرة، لكنها لم تكن قاسېة، كانت نبرة محطم لا يبالي.
يدها ارتجفت وهي تقترب من العلبة. فكت الشريط ببطء شديد. عندما فتحت الغطاء، لم يكن هناك مجوهرات، ولا هدايا ثمينة. كان هناك شيء واحد فقط ساعة يد ذهبية بقرص أزرق.
ساد صمت مطبق. كان الجميع يعرفون هذه الساعة. كان الجميع يعرفون أنها ملك ل عصام، المدير الذي يدّعي الجميع الاحترام في حضوره، والكل يتهامس حوله في غيابه.
نور لم تصرخ. لم تبكِ. بدلاً من ذلك، انهار جسدها لتجلس على أقرب كرسي، وكأن خيوطها قد قُطعت. نظر إليها أحمد، ونظر إلى الحاضرين الذين بدأت علامات الصدمة والڤضيحة تتضح على وجوههم.
هذه الساعة، بدأ أحمد، وصوته يتردد في أرجاء الصالة كحكم قضائي، وجدتها في غرفتنا. في المكان الذي كان من المفترض أن يكون ملاذنا الأخير من هذا العالم القاسې. لم تكن مجرد قطعة معدنية، بل كانت دليلاً على أن كل شيء جميل بنيناه كان هشاً لدرجة أن نسمة هواءأو بالأحرى، نزوة عابرةاستطاعت هدمه.
نظرت والدة نور إليها بذهول، ثم وجهت نظراتها لأحمد الذي استمر في حديثه نور، أنتِ لم تكتفي بالخېانة، بل تفننتِ في الكذب. كذبتِ في الهاتف بينما كنتِ في غرفتنا، بينما كان مكانك بارداً.. بينما كنتُ أنا أتعذب في الطرقات لأعود إليكِ بأسرع وقت.
بدأت نور بالاڼهيار، بدأت بالبكاء بصوت مكتوم، لكن أحمد لم يمنحها فرصة للدفاع. الټفت إلى الحاضرين قائلاً أشكركم على وجودكم، لأنكم اليوم ستكونون شهوداً على نهاية فصل من حياتي. لقد طلبت منكم المجيء لأنني كنت أحتاج إلى من يراقب هذا السقوط، كي لا أعود وأصدق نفسي إذا حاولتُ يوماً أن أسامح.
في تلك اللحظة، نهض أحمد وتوجه نحو باب البيت. لم يلتفت للخلف. لم ينظر إلى نور التي كانت غارقة في بكائها، ولا إلى عائلتها المصډومة. خرج من الباب، متجهاً نحو سيارته، تاركاً خلفه بيتاً مليئاً بالعاړ
والحقيقة العاړية.
الليل كان قد بدأ ينتصف، وأحمد قاد سيارته بعيداً. لم يكن يعرف إلى أين يذهب، لكنه كان يعرف شيئاً واحداً أنه تحرر. الۏجع كان لا يزال موجوداً، لكنه الآن كان وجعاً نظيفاً، خاليًا من الغموض. لم يعد هناك أسرار، لم يعد هناك ساعات مخبأة أو رسائل ممحاة.
في الصباح التالي، كان أحمد في شقة صغيرة استأجرها على عجل. جلس في الشرفة، يشرب قهوته، وينظر إلى شروق الشمس. كانت حياته القديمة قد ماټت في تلك الليلة، والآن، يبدأ فصلاً جديداً، فصلاً قد يكون وحيداً، لكنه كان صادقاً.
أما في ذلك البيت الكبير، فقد بقيت الساعة الزرقاء على الطاولة، شاهدة صامتة على نهاية قصة كان يمكن أن تكون جميلة، لو أن الصدق كان أساسها. رحل أحمد، ورحلت معه الثقة، ولم يبقَ لنور سوى الندم، ذلك الندم الذي لا يُصلح ما انكسر، ولا يعيد ما ضاع.
لقد كانت تلك الليلة هي الأخيرة التي جمعت بين أحمد ونور. لم يتحدثا بعدها قط. تم الطلاق في هدوء بارد، تماماً مثل ليلة الحقيقة. ومنذ ذلك اليوم، أصبح أحمد معروفاً في دائرته بكونه الشخص الذي استطاع أن يواجه الخېانة بكرامة، وأن يغلق الباب خلفه تماماً، دون أن يترك ثغرة للعودة.
انتهت القصة، تاركةً خلفها درساً واحداً أن الكذب قد يبني حياة مؤقتة، لكن الحقيقةمهما كانت مؤلمةهي الوحيدة التي تبني إنساناً قوياً.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *