حفنه ملح ج2 ندى الجمل

أبويا كان لسه واقف، والهدوء مالي المكان.
وفجأة، لقيت واحدة ست كبيرة داخلة من باب الشقة.
أول ما حماتي شافتها، وشها اصفر.
الست قالت: “السلام عليكم.”
ردينا عليها، إلا حماتي… فضلت ساكتة.
بصت الست حوالين البيت وقالت: “واضح إني جيت في وقت مناسب.”
أحمد سألها: “حضرتك مين؟”
قالت: “أنا أم مصطفى… مرات ابني كانت ساكنة هنا قبل كده.”
بصيت لأحمد باستغراب، وهو كمان كان مش فاهم.
الست كملت وهي بتبص لحماتي: “أنا سمعت اللي اتقال دلوقتي… نفس الكلام بالحرف اللي اتقال لبنتي من عشر سنين.”
اتجمدت حماتي.
أما نجلاء، فقالت باستغراب: “إيه الكلام ده يا طنط؟”
تنهدت الست وقالت: “ابني كان ساكن في نفس العمارة بعد جوازه. وفي يوم نزلت أزور بنتي، وأول ما دخلت العمارة… والدت أحمد استقبلتني بنفس الطريقة. قالت إننا بتوع أعمال وسحر، وفضلت تنشر الكلام بين الجيران.”
سكتت لحظة، ومسحت دموعها.
“الناس صدقتها… وبنتي مبقتش قادرة ترفع عينها في حد. المشاكل كترت بينها وبين جوزها، وفي الآخر اتطلقوا.”
أحمد بص لأمه بصدمة.
قال: “الكلام ده حقيقي يا أمي؟”
حماتي حاولت تضحك وقالت: “ست كبيرة وخرفت… متصدقهاش.”
لكن الست طلعت من شنطتها صورة قديمة.
كانت صورة تجمع أهل العمارة في فرح.
وفيها حماتي واقفة، وبتشاور على أم مصطفى وهي بتتكلم مع الجيران.
وقالت: “في اليوم ده بدأت الإشاعات.”
أحمد حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
أما أنا…
فافتكرت نظرة أمي وهي بتقولي: “اسكتي يا بنتي… علشان خاطري.”
وقتها عرفت إن أمي سكتت عشان تحافظ على بيتي…
لكن سكوتها كان هيخلي الظلم يتكرر مع غيرها.
أبويا قرب من أحمد وربت على كتفه وقال: “الحق عمره ما بيضيع يا ابني… حتى لو اتأخر.”
وأول مرة… شفت أحمد يبص لأمه بنظرة كلها خذلان، كأنه اكتشف إن الإنسان اللي كان بيدافع عنه طول عمره، هو نفسه سبب وجع ناس كتير.

حماتي كانت باصة في الأرض، لأول مرة مش لاقية كلمة ترد بيها.
الهدوء اللي ملأ البيت كان أصعب من أي خناقة.
أحمد أخد نفس طويل وقال:
“أنا عايز أسمع الحقيقة… من غير كدب.”
رفعت حماتي عينها وقالت بعصبية:
“أيوه… أنا قولت عليهم بتوع أعمال. مش هما بس… أي حد كنت أحس إنه هيبعد ابني عني، كنت بخوف الناس منه.”
شهقت نجلاء وهي بتقول:
“يعني كنتِ عارفة إنك بتظلميهم؟”
ردت وهي بتبكي:
“أنا كنت خايفة… بعد ما أبوكم مات، أحمد كان كل حياتي. ولما اتجوز، حسيت إني هبقى لوحدي.”
قال أحمد بحزن:
“الخوف عمره ما يديكي الحق تكسري الناس.”
بصتلي حماتي لأول مرة، وقالت بصوت واطي:
“أنا ظلمت أمك.”
افتكرت أمي وهي ماسكة إيدي على السلم، وبتقولي: “اسكتي يا بنتي.”
الكلمة كانت لسه بترن في وداني.
قولتلها بهدوء:
“أمي سامحتك من أول لحظة… لكن الكرامة لما تتكسر، صعب ترجع زي الأول.”
سكتت، وبدأت دموعها تنزل.
أبويا قام من مكانه وقال:
“إحنا مش جايين نكسب خناقة… إحنا جايين نرجع حق.”
وبص لأحمد وقال:
“لو عايز ترجع حق مراتك وأمها، خلي الاعتذار قدام نفس الناس اللي اتشهر بيهم.”
هز أحمد راسه وقال:
“معاك حق.”
وفي يوم الجمعة، بعد الصلاة، وقف أحمد قدام باب العمارة، والجيران كلهم موجودين.
وقال بصوت عالي:
“أنا أحمد… وبعتذر قدامكم كلكم لأم مراتي. الاتهامات اللي اتقالت عنها ظلم وافتراء، ومفيش أي دليل عليها. واللي حصل كان غلط، وأنا آسف إني سكت.”
كل الناس بصت على حماتي.
كانت واقفة ورا ابنها، ودموعها نازلة.
وبصعوبة قالت:
“سامحيني يا أم ليلى… أنا غلطت في حقك.”
في اللحظة دي، أمي ابتسمت ابتسامتها الهادية، وقالت:
“أنا مسامحاكي… وربنا يسامحنا جميعًا.”
حسيت وقتها إن الحمل اللي كان فوق صدري وقع.
مكنتش فرحانة إن حماتي اتكسرت…
كنت فرحانة إن كرامة أمي رجعت قدام كل الناس، وإن حقها رجع من غير ما نظلم حد.
وساعتها بس… حسيت إني أخدت حق أمي تالت ومتلت.
تمت
بقلم ندى الجمل

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *