فاديه ج١ اماني السيد
طلع النهار وأنا صاحية مكاني على البلاط، مش عارفة مين فينا اللي بيموت.. أنا من الوجع وقلة القيمة، ولا ابني اللي جسمه زي النار في حضني. بصيت حواليا في الشقة اللي بقت عاملة زي القبر، وسألت نفسي: “أنا هفضل مستنية إيه؟ مستنية ليلة يرجع فيها يخلص عليا ويدفنني هنا ومحدش يسأل عني؟”.
الخوف على ابني المرة دي خلاني أدوس على الرعب اللي جوايا من أبويا. قومت بزحف، لميت اللقمتين اللي فاضلين في البيت، وأخدت الواد في حضني ونزلت. مكنش معايا حتى حق المواصلات، فضلت ماشية في الشمس والناس بتبص على وشي المتورم وزرقان عيني بنظرات شفقة وكل ما ألمح نظرة منهم، أحس بسكاكين بتقطع في كرامتي.
وصلت لبيت أبويا، وأول ما الباب اتفتح وشافني بالمنظر ده، ملقيتش في عينيه لهفة الأب ولا خضته على بنته. ملامحه اتخَشِبت، وبص للواد اللي نايم على كتفي زي الجثة، وقبل ما أنطق بكلمة، قالي بنبرة حادة وناشفة: “أنتِ إيه اللي جابك تاني بالمنظر ده؟ مش أنا قولتلك مالكيش مرواح من بيت جوزك؟”.
وقعت على ركبي قدام رجليه وأنا ببكي وببوس إيده: “عشان خاطر ربنا يا بابا.. ابنك بيموت في إيدي وسخن، وجوزي ضربني وبهدلني عشان طلبت منه حق الدوا، كان بيضربني وهو بيسمّع الستات صراخي في التليفون.. هيروقني ويموتني يا بابا، أبوس رجلك سيبني أقعد في أي جنب”.
أبويا سحب رجله من إيدي ونظرته ليا كلها قسوة، وقالي: “لو كنتِ ست ناصحة ومالية عين جوزك، مكنش بص لبره، ومكنش مد إيده عليكي. الراجل لما يرجع يلقى مراته مكسورة وبتسمع الكلام هيمشي عدل، إنما أنتِ ناشفة وخايبة وجاية تقرفينا هنا ب مشاكلك”.
مسك تليفونه من جيبه وهو واقف فوق راسي، وطلب رقم جوزي، وأنا قلبي سقط بين رجليا وبقيت بترعش. رد جوزي، فأبويا قاله بنبرة حازمة قدامي:
ـ “يا أبو رامى.. مراتك عندي هنا جاية تولول وتشتكي، أنا قولتلك قبل كده الست لما تتعوج تتكسر وجبسها هتتعدل.. انزل هاتها من هنا، والمرة دي علمها الأدب اللي يخليها متفكرش تخطي عتبة الباب ده وهي غضبانة تاني.. أنا مجوزتلكش حتة لحم عشان كل يومين تجري ب ابنها وتقعد عندي”.
قفل التليفون وبصلي وقالي ببرود: “جوزك جاي في السكة ياخِدك، واحمدي ربنا إنه لسه باقي عليكي وعايز يلمك.. اغسلي وشك ده وضَمي ابنك واقعدي في الصالة لحد ما ييجي، ومش عايز أسمعلك صوت”.
كنت قاعدة في الصالة بتهز من الرعب، سامعة دقات الساعة وهي بتعد الدقايق اللي فاضلة قبل ما الجلاد يوصل، وببص لأبويا اللي قاعد يشرب شاي بكل برود ولا كأن بنته اللي من دمه بتتدبح قدام عينيه.. حسيت ساعتها إن الدنيا كلها ضاقت عليا، وإن ماليش مكان فوق الأرض يلمني بأمان.