حب امتلاك ج2 منال على
الجزء الثاني 👇🏼
مي فضلت قاعدة مكانها، مش قادرة تستوعب ولا كلمة من اللي سمعتهاااا.
الكلام كان بيلف ويتحرك جوه دماغها ببطء شديد، كأنه نقطة حبر سودا وقعت في كباية مية صافية وبتفرد نفسها واحدة واحدة لحد ما عكرتها كلها.
— أبله… إنتي…؟
قالتها بصوت مرعوش ومخطوف.
— إنتي بتتكلمي بجد؟!
ردت إلهام ببروود غريب يشل:
— أيوه.. بكل جدية ومفيش هزار في الكلام ده.
وسكتت لحظة، وبصت لبعيد قبل ما تكمل بقسوة:
— أنا مقدرش أعيش من غيرك، والطفل ده… هيبوظ كل حاجة إحنا رتبناها.. هياخدك مني ومن خدمتي.. وأنا في السن ده وصحتي على قدي ومحتاجاكي جنبي
قامت مي واقفة فجأة وكراسي المطبخ اتهزت.
— أبله إلهام! إنتي مينفعش تقولي كده أبداً! ده ابني… ابني أنا وأحمد.. إحنا مستنيينه على نار بقالنا سنين وشوفنا الويل عند الدكاترة!
— عارفة… وعشت معاكي التعب ده خطوة بخطوة.
ردت إلهام بجمود ملوش مثيل.. ماكانش في صوتها لا ندم ولا حنان الأخت اللي ربّت.
— بس أنا كمان مستنية اللحظة دي طول عمري.. فرصة تانية عشان أعيش حياتي اللي ضاعت في تربيتك.. وإنتي مديووونة ليّا.. ربيتك بعد أمنا ما ماتت وسابتك حتة لحمة حمرا، وصرفت عليكي من عمري وصحتي وشبابي، وجوزي عماد نفسه اتعلم الاستحمال عشانك.. أديتك كل اللي أملكه وبخلت بيه على نفسي .. ودلوقتي جه وقت السداد!
بصتلها مي بصدمة ودموعها نزلت غصب عنها، أما إلهام فكملت من غير ما تتهز:
— هتعملي اللي بقولك عليه.. هتنزلي البيبي ده.. و ساعتها وهابقي مطمنة إنك في ضهري وجنبي.. هنعيش سوا… أنا وإنتي وبس والطفل الجديد.
حست مي إن نفسها اتقطع.. والحيطان بتضيق عليها.
— أبله… إنتي سامعة نفسك بتقولي إيه؟! إنتي بتطلبي مني أضحي بابني وأموته بايديا عشان إنتي تكملي حملك
— دي مش تضحية..
قالتها إلهام بنبرة تخوف من كتر جمودها:
— ده رد الجميل.. مقابل كل السنين اللي ضاعت من عمري عشان تقفي على رجليكي.. وإنتي عارفة إني لوحدي من غيرك هتكشف قدام عماد والناس ومقدرش أشيل الشيلة دي لوحدي.
هزت مي راسها ببطء وهي مش مصدقة إن دي الأخت اللي كانت بتجري تترمي في حضنها.
الدنيا كانت بتلف وتدور حواليها، وحست إن الترابيزة نفسها بتميد تحت إيديها المرتعشة.
— مقدرش…
همست وهي بتحاول تمنع صرخة وجع مكتومة جوة صدرها:
— سامحيني يا أبله… بس مقدرش أقتل ابني.
وقفت إلهام بكل طولها.. وفي اللحظة دي، ولأول مرة في حياتها كلها، مي خافت منها بجد.. الست اللي طول عمرها شايفاها تعبانة، وظهرها محني من شقا السنين وتربية الإخوات، بقت واقفة قدامها مستقيمة، وقوية، وعينيها فيها نظرة غريبة وناشفة.. كأنها شخص تاني خالص معرفتوش قبل كده.
— خلاص… طالما ده رد جميلك.
قالتها وهي بتعدل طرحتها بكل برود:
— متجيش هنا تاني.. ومتتصليش بيا ولا تشوفي وشي.. عيشي حياتك وانبسطي بابنك وأحمد، وانسي إن كان ليكي أخت كبيرة في الدنيا.حكايات منال علي
خرجت مي من البيت وهي مش شايفة قدامها، ودموعها مغرقة وشها.. برة كانت السما متبهدلة وبتصب مطر بغزارة كأنها بتعيط معاها، وكل خطوة كانت بتخطيها في الشارع عاملة زي دقات طبلة جوه صدرها.. حطت إيدها على بطنها وهمست بكسرة:
— أنا معاك يا حبيبي… ومستحيل هفرط فيك.. وده كفاية.
عدى أسبوعين كاملين.. أسبوعين طعمهم زي المرار.
لا مي اتصلت من كتر كرامتها ووجعها.. ولا أبله إلهام اتصلت وعاندت.
وأحمد فهم كل حاجة من نظرة عينيها ومن غير ما يسألها ويضغط عليها، وقرر يعوضها عن كل الدنيا.
وراحوا مع بعض أول سونار للحمل.. ولما قعدوا في العيادة وسمعوا دقات القلب الصغيرة دي (تك.. تك.. تك..) مالية الأوضة، مي ضحكت وعيطت في نفس اللحظة.. وقتها فهمت ودابت كل أحزانها، وعرفت إن عيلتها الحقيقية اللي لازم تحميها بقت هي وأحمد والطفل اللي جاي في السكة.. حصري على صفحه روايات واقتباسات
لحد ما في يوم…
اسم “أبله إلهام” ظهر فجأة على شاشة الموبايل وهي قاعدة في الصالة.
فضلت ثواني إيدها واقفة على الشاشة ومترددة ترد ولا تقفل.. وبعدين ردت وقلبها مقبوض.
كان في صوت نفس تقيل ومخنوق من الناحية التانية.. وصوت إلهام طالع ضعيف، ومبحوح، ورايح خالص.
— مي… إلحقيني يا مي…
سكتت لحظة وبتتأوه من الوجع:
— أنا في المستشفى… وعماد مسافر ومحدش جنبي. عندي نزيف جامد… ومكنتش عارفة أكلم مين غيرك.. ماليش غيرك يا أختي.
تجمدت مي في مكانها والدم هرب من عروقها.. أحمد كان قاعد جنبها، وبص في عينيها بهدوء وفهم من ملامحها كل حاجة.. طبطب على إيدها وقالها: “يلا بينا”.
— أنا جاية حالاً يا أبله.. مسافة السكة.
قالتها بلهفة الأخت اللي نسيت كل القسوة في ثانية.
لما وصلت المستشفى وجريت على الأوضة، لقت أبله إلهام نايمة على السرير.. وشها أصفر زي الليمونة ومخطوف، وتعبانة ومتبهدلة جدًا.. وبعد ساعات طويلة ودكاترة داخلة وخارجة، أكدوا إن الجنين مقدرش يكمل في السن ده ونزل.. والموضوع انتهى طبياً.
قعدت مي جنب أختها الكبيرة في صمت، والهدوء كان سيد المكان.. مسكت إيديها اللي كانت دافية المرة دي بدموع التعب.. وفجأة…
إلهام انفجرت في العياط.. أول مرة في حياتها مي تشوف أختها الكبيرة اللي بمقام أمها بتعيط بالضعف والانكسار ده.. ماكانش في دموع غضب، ولا عناد، ولا كبرياء.. بس خوف، وندم، وحزن متراكم من سنين طويلة شالت فيها الهم بدري أوي.حكايات منال علي
— سامحيني يا مي… سامحيني يا بنتي…
همست إلهام وهي بتشهق من البكا:
— مكنتش أعرف إن جوايا كل الغل والوجع ده من السنين.. ومكنتش عايزه أطلعه فيكي بالشكل الأنانى ده.. أنا كنت خايفة ومخضوضة من الدنيا وحسيت إنك هتسيبيني لوحدي
ضغطت مي على إيديها بكل حنان الدنيا وباست راسها:
— خلاص يا أبله يا حبيبتي… كله خير، وربنا عالم بالنيات.. والحمد لله إنك قومتي بالسلامة لينا ولبيتك و جوزك.. ده أهم حاجة عندي.
بعد ما خرجت من المستشفى وبقت كويسة، مي مأمنتش تسيبها تروح بيتها لعماد جوزها وهي بالحالة النفسية دي، فأخدتها معاها بيتها عشان تراعيها كام يوم..
وأحمد، بأصله الطيب ومن غير أي كلام أو عتاب، دخل المطبخ وعمل شاي دافي وحط كرسيين قدام الشباك في الهوا.
كانت إلهام بتقعد بالساعات تبص لمي وهي رايحة جاية في الشقة، وبتمرر إيديها على بطنها بحب.. وكأن إلهام في اللحظات دي بتتعلم تعيش وتتنفس من جديد، وبتتخلص من عقد الماضي.
وفي يوم، وهما قاعدين بيشربوا الشاي، قالت مي بهدوء وابتسامة صافية:
— الدكتور قال في السونار الأخير.. غالبًا ولد يا أبله.
ابتسمت وكمّلت:
— وهنسميه محمود… على اسم بابا الله يرحمه.
هزت إلهام راسها وعينيها مليانة دموع فرحة حقيقية المرة دي:
— يتربى في عزكم يا حبيبتي… ونفسي.. نفسي أبقى قريبة منه وبإيديا دي أربيه معاكي.. لو تسمحيلي وتسامحيني بجد.
ابتسمت مي وأخدتها في حضنها:
— ده كل اللي كنت عايزاه من الأول يا أبله.. تبقي جنبي وجنب ابن اختك اللي ملوش خالة غيرك.
بعد خمس شهور، الدنيا نورت واتولد محمود.. صغير… وقوي… وعينيه شبه أحمد بالظبط، أما ابتسامته فكانت نسخة طبق الأصل من مي.
شالته إلهام بين إيديها بلهفة وحب حقيقي وهي بتهزّه وتمتم له بأغاني قديمة وهدهدة كانت بتغنيها لمي زمان وهي لسه طفلة صغيرة.. وفي الليلة دي، إلهام فهمت أخيرًا إن الحب الحقيقي عمره ما بيطلب مقابل ولا فواتير سداد، وإن الأمومة والتربية مش امتلاك وتحكم…
الأمومة إنك تسيب اللي بتحبه يعيش حياته ويفرح، وتفرح لفرحه، حتى لو بعيد عنك شوية.
بصت مي عليهم من بعيد وهي واقفة في باب الأوضة.. على أختها الكبيرة اللي ربتها وهي شايلة ابنها بحنان.. وحست إن كل حاجة أخيرًا رجعت لمكانها الصح والصافي.. ولأول مرة من زمن طويل أوي… حست براحة وسكينة حقيقية مفيش بعدها كلام.
تمت