حفل تخرجي الذي طردت منه شروق خالد

حكايات شروق خالد

لم تكن تلك النهاية سوى البداية.
بينما كان رجال الأمن يبعدون توماس وزوجته وابنتها، التفتُّ بكامل ثقتي نحو البروفيسور برادلي الذي كان يراقب الموقف بنظرات حادة وثاقبة. التقط العميد الأجواء سريعاً، وابتسم لي قائلًا بنبرة فخر: “دكتورة هينسلي، بانتظاركِ مستقبل يغير مجرى الطب، لا تلتفتي للوراء”.
تحركتُ مع الوفد الطبي نحو قاعة الاستقبال الخاصة بكبار الشخصيات والعلماء. هناك، تهافتت عليّ قنوات الأخبار الطبية، والتقطت الصور الصحفية الرسمية بجانب مجسم منحة المليون دولار البحثية. لأول مرة منذ سنوات، شعرت بدفء حقيقي يغمرني، دفء الاستحقاق والانتصار.
في تلك الأثناء، كانت عائلتي تعيش جحيمها الخاص خارج القاعة.
علمتُ لاحقاً من زميلة لي كانت تقف قريباً منهم، أن الحضور في الصفوف الأولى بدأوا يتهامسون وينظرون إليهم باحتقار شديد بعدما ربطوا بين كلامي في الخطاب وبين مشهد طردي في المطر. حاولت هالي تدارك الموقف والتقاط صور في باحة الجامعة ومشاركة منشورات تدعي فيها فخرها بـ “أختها الدكتورة”، لكن السحر انقلب على الساحر؛ حيث بدأ المتابعون يتساءلون في التعليقات: *”إذا كانت أختكِ، فلماذا كنتِ تجلسين في مقاعد كبار الشخصيات بينما كانت هي تقف في المطر بالخارج؟”*
في المساء، عدتُ إلى المنزل. لم أعد تلك الفتاة المنهكة التي تدخل مطأطئة الرأس. دفعتُ الباب بقوة وخطوت إلى الداخل بعباءة تخرجي ووشاحي الذهبي.
كان الصمت يخيم على الصالة، والوجوه الثلاثة يكسوها الوجوم. ما إن رآني والدي حتى نهض بسرعة، وامتلأت عيناه بدموع مزيفة:
“كلارا.. يا ابنتي، أرجوكِ اسمعيني. لقد أخطأنا في حقكِ، لم نكن نعلم أنكِ وصلتي إلى هذه المكانة! ظننا أنكِ مجرد…”
قاطعته برفع يدي في الهواء، ونبرة صوتي حاسمة كالمشرط الطبي:
“ظننتم أنني مجرد خادمة لديكم؟ أم مساعدة منخفضة المستوى لا قيمة لها؟ توماس، أنت لم تخطئ لأنك لم تكن تعلم بمكاني، أنت أخطأت لأنك تجردت من الإنسانية والأبوة. لو كنتُ فعلاً مساعدة ممرضة بسيطة، ألم أكن أستحق احترامك؟ ألم يكن نجاحي الصغير يستحق أن تفخر به؟”
نظرتُ إلى زوجة أبي التي كانت تنظر إلى الأرض هرباً من عيني، وإلى هالي التي كانت تبكي خوفاً من فضيحة تدمر “علامتها التجارية”.
فتحتُ حقيبتي، وأخرجتُ منها ملفاً رسمياً وقعتُ عليه قبل ساعتين في الجامعة. رميته على الطاولة بقوة أحدثت صوتاً رنّ في أرجاء الغرفة الشاحبة.
“ما هذا؟” سأل توماس بصوت مرتعش.
اجبت بابتسامة باردة:
“هذا عقد عملي الجديد كطبيبة مقيمة وباحثة رئيسية في مستشفى الجامعة بمرتب خيالي، ومعه وثيقة توفير سكن خاص بي من قِبل إدارة المستشفى. أنا مغادرة الآن، ولن تروا وجهي مجدداً.”
التمعت عين زوجة أبي بجشع مفاجئ، وقالت بصوت خافت: “ولكن.. كلارا، نحن عائلتكِ، بالتأكيد ستساعديننا الآن.. والدكِ يمر بضائقة مالية، وهالي تحتاج…”
“هالي يمكنها تنظيف الأطباق الدهنية الآن لتبقي على جماليتها،” قاطعتها بحدة، مستعيرة كلماتها التي جلدتني بها بالأمس.
التفتُّ نحو الباب، وحملتُ حقيبتي. نظر إليّ والدي بنظرة انكسار حقيقية هذه المرة، وهو يدرك أنه لم يخسر طبيبة عبقرية وثرية فحسب، بل خسر الابنة الوحيدة التي كانت تحبه بصدق وتتحمل قسوته.
“كلارا.. أرجوكِ، لا تتركينا هكذا،” توسل بصوت متهدج.
وقفتُ عند عتبة الباب، ونظرتُ للخارج حيث كان المطر قد توقف تماماً، وبدأت خيوط الفجر الأولى تشق طريقها عبر السماء. التفتُّ إليهم للمرة الأخيرة وقلت:
“لقد طلبت مني أن أترك لهالي لحظتها.. حسناً، اللحظة لها، والمنزل لها، والماضي كله لها.. أما المستقبل، فهو لي وحدي.”
أغلقتُ الباب خلفي بقوة، وخطوتُ نحو سيارة الأجرة التي كانت تنتظرني، تاركةً خلفي رماد حياة قديمة، ومستقبلةً شمس يوم جديد أشرق فيه اسمي.. الدكتورة كلارا هينسلي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *