مرات الاب والسم ج٢ انجي الخطيب

الشاشة البيضاء بتاعة التليفون كانت بترتعش في إيد مريم، والسطر المكتوب بالدم كان بيتحرك قدام عينيها كأنه حية بتسعى. “مريم ماتت من تلات سنين”.. الجملة شلت تفكيرها. ماتت إزاي؟ وأومال مين اللي واقفة دي وبتتنفس ومرعوبة؟
​حست فجأة بتقل غريب في جسمها، كأن الهوا حواليها بقا رصاص. نزلت عينيها ببطء لرجليها اللي كانت شايلاها طول الجري ده.. وبضوء الكشاف الشاحب، شافت المنظر اللي طيّر الباقي من عقلها.
​رجليها مكنتش لامسة أرض السلم.. كانت عايمة في الهوا على بعد شبر! وهدومها المتبهدلة تراب مكنتش تراب مستشفى.. دي كانت كفن أبيض دايب ومهرول، وطالع منه ريحة طمي ناشف وزي ريحة العفن بتاعة المقابر المقفولة من سنين.
​في اللحظة دي، صوت الخربشة على الباب رجع تاني، بس المرة دي مكنش من برة.. الصوت كان من جوة الحيطة اللي ساندة عليها!
​الحيطة الخرسانية بتاعة السلم بدأت تتشقق وتتفرفت، ويطلع منها تراب أحمر ناعم، وظهرت من ورا الشروخ إيدين صغيرة دبلانة، ضوافرها غرسة في الطوب، وبتتزق لبرة.. وش أخوها الصغير بدأ يظهر من وسط الخرسانة، وشه كان نصين: نص طفل غلبان بيموت، والنص التاني وشه هو وهو عجوز وعينيه غاطسة لجوة وضلمة.
​الولد طلع راسه بالكامل من الحيطة، وبص لرجليها العايمة في الهوا، وضحك نفس الضحكة الغليظة وقالها وهو بيمد إيده يلمس كفنها الدايب:
​”شُفتِ؟ قولتلك العمل كان في عينه.. هو اللي كان مخلّيكي فاكرة نفسك عايشة.. مرات أبوكي دفنتك من تلات سنين تحت السرير اللي كنتِ بتنامي عليه، والنهاردة أخوكي الصغير لقى العِمَل.. وفتح القبر.”
​مريم صرخت وهي بتبص لإيدها اللي بدأت تتفرفت في الضلمة وتتحول لتراب.. ولفت وشها بسرعة لباب السلم لما سمعت صوت مفتاح بيلف فيه من برة.
​الباب اتفتح ببطء شديد.. والنور الأبيض القوي بتاع الطوارئ رجع يضرب في وشها.. بس مكنتش المستشفى.
​مريم لقت نفسها واقفة في صالة بيتها القديم المهدوم، والباب اللي اتفتح كان باب الشقة.. وواقف عليه أبوها، اللي مات من خمس سنين، ماسك في إيده كشاف وباصص في الأرض الفاضية اللي تحت السرير، وقال بنبرة حزينة وهو بيكلم مرات أبوها اللي واقفة جنبه:
​”هنقول للناس إيه يا أم مريم؟ البت ملحقناش ندفنها.. والسرير مش هيقفل عليها.”
…………
البيت كله بقا يلف بمريم، صدى صوت أبوها وهو بيقول “السرير مش هيقفل عليها” كان بيرن في ودانها زي جرس القبر. لفت رقبتها برعب تبص تحت السرير اللي أبوها مشاور عليه.. شافت حفرة غميقة في الأرض، طالع منها ريحة العفن اللي كانت شاماها من شوية، وجوة الحفرة كان فيه صندوق خشب قديم ومكسور، وطالع منه طرف كفن أبيض.. نفس الكفن اللي هي لابساه ودلوقتي!
​مرات أبوها قربت من أبوها، وبقسوة جمدت القلوب، قالت له وهي بتبص للحفرة:
​”نردم عليها يا بو مريم.. الأرض بتستر، والناس ملهاش عندنا غير إن البت طفشت ومحدش يعرف لها طريق.. اخلص قبل ما الواد الصغير يصحي ويشوفنا.”
​مريم كانت واقفة في نص الصالة، بتصرخ بكل صوتها: “أنا هنا! يا بابا أنا واقفة قدامك! أنا عايشة وممتش!”.. بس صوتها مكنش بيطلع منه غير حشرجة هوا ساقع، ومحدش فيهم كان سامعها ولا حاسس بوجودها، كأنها مجرد طيف شفاف ملوش أثر.
​أبوها مسك الفأس وبدأ يرمي التراب جوة الحفرة فوق الصندوق بجمود. ومع كل كبشة تراب بتنزل في الحفرة، مريم كانت بتحس بالتراب بيتكتم في بوقها ونفسها بيتقطع، وجسمها اللي عايم في الهوا بدأ ينزل ويهبط للأرض غصب عنها، كأن الجاذبية بتسحبها لجوة الحفرة.
​فجأة، حست بإيد صغيرة وباردة زي التلج بتمسك كفها.
​لفت وشها برعب، لقت أخوها الصغير واقف جنبها.. بس المرة دي مكنش شكله مرعب ولا عينيه بيضا، كان شكله الطبيعي، طفل عنده سبع سنين، ودموعه نازلة على وشه وهو باصص لها بحزن وقالها بصوت واطي ومبحوح:
​”أنا كنت عايز أنقذك يا مريم.. لما لقيت العمل تحت السرير وشربت الكلور عشان أموت وأجيلك.. كنت فاكر إني هعرف أصحيكي.. بس هما دفنونا إحنا الاتنين.”
​مريم بربشت بعينيها بصدمة، وبصت للسرير تاني.. لقت أبوها عمال يرمي التراب، بس المرة دي الحفرة مكنش فيها صندوق واحد.. كان فيها صندوقين جنب بعض، واحد كبير وواحد صغير!
​وفي اللحظة اللي أبوها ردم فيها آخر كبشة تراب وساوى الأرض.. النور كله انطفى تاني، والصمت القاتل رجع للمكان. مريم مقتش سامعة غير صوت أنفاس قريبة جداً من ودنها.. أنفاس سخنة وشريرة، وصوت مرات أبوها وهو بيهمس لها في العتمة الكاملة:
​”تفتكري كده خلاص خلصت؟.. اقلبي الورقة اللي في إيدك واقري المكتوب في ضهرها.”
………..
إيد مريم كانت بتترعش وهي بتقلب الورقة المبلولة بالدم تحت ضوء كشاف التليفون اللي بقا بيرعش ويموت في إيدها. الورقة كانت بتدوب بين صوابعها كأنها حتة جلد بشري، وفي الضهر، الخط مكنش مكتوب بدم عادي.. ده كان محفور بحروف باردة وبارزة، كأن اللي كتبها كان بيغرز ضوافره في الورق.
​مريم بكت وهي بتقرا الكلمات بصوت مهزوز:
​”(الروح بالروح.. والدم بالدم.. لا مريم عاشت.. ولا مريم ماتت.. هي الحارس على قبر من غدروا بها).”
​فجأة، تليفونها فصل تماماً، والضلمة بقت حبر.
​بس المرة دي مريم مسمعتش صوت ضحك، ولا همس مرات أبوها. سمعت صوت تاني خالص.. صوت مألوف بس مرعب. صوت “شخير” ونفس تقيل جاي من بعيد، وصوت سرير حديد بيزيق كأن في حد بيتقلب عليه!
​مريم حطت إيدها على وشها، لقت وشها سليم.. مفيش تراب، مفيش كفن. هدومها كانت الهدوم العادية اللي كانت لابساها وهي رايحة المستشفى. حركت رجليها.. لقيت نفسها لامسة الأرض.. الأرض البلاط الساقعة بتاعة أوضتها!
​النور جه فجأة، بس مكنش نور كشافات ولا نور مستشفى.. ده كان نور الفجر الضعيف اللي داخل من شيش الشباك.
​مريم لفت راسها ببطء وبصت حواليها.. هي في أوضتها، في بيتها اللي شغال وسليم ومش مهدوم. وبصت على السرير اللي جنبها.. لقت أخوها الصغير نايم في سريره وزي الفل، بيتنفس بانتظام ونايم في أمان الله.
​مريم خدت نفسها طويل، وحست إن روحها ردت فيها: “الحمد لله.. كابوس.. كل ده كان كابوس مرعب!”
​قامت من على السرير وهي بتترعش، وجسمها كله عرقان، وقررت تنزل المطبخ تشرب بؤ مية عشان تهدي ضربات قلبها اللي كانت زي الطبل. مشيت في الطرقة الفاضية، ودخلت المطبخ اللي كان ضلمة كحل. مادّت إيدها على الكبس عشان تقيد النور..
​بس قبل ما صباعها يلمس المفتاح، النور قاد لوحده!
​وفي نص المطبخ، كانت واقفة مرات أبوها.. مكنتش لابسة عباية سودا، كانت لابسة بيجامتها العادية، وواقفة ببرود بتغرف أكل في طبق أخوها الصغير.. بس المرة دي، لفت وشها لمريم ببطء، وابتسمت نفس الابتسامة الخبيثة، وكانت ماسكة في إيدها التانية قزازة كلور.. وبصت لمريم وقالت لها بنبرة عادية جداً بس خلت قلب مريم يقف:
​”صحيتي يا مريم؟ كويس.. روحي اصحي أخوكي عشان يأكل لقمته قبل ما يروح المدرسة.. أصل الواد بقاله فترة مأكلش لقمة رمّت عضمُه!”
……….
مريم لزقت في مكانها، ضهرها خبط في حيطة المطبخ، والبرودة رجعت تسري في عضمها تاني. الكلمة هزت كيانها: “بقاله تلات سنين مأكلش لقمة!”.. وبصت لطبق الأكل اللي مرات أبوها بتغرفه، الريحة اللي طالعة منه مكنتش ريحة طبيخ، دي كانت ريحة تراب مقابر مبلول، ونفس السائل الأسود اللي زي الحبر كان بينزل من المعلقة!
​مرات أبوها حطت الطبق على الترابيزة ببرود، وشاورت لمريم بصوابعها اللي ضوافرها سودا ومكسورة:
​”يلا يا مريم.. واقفه عندك ليه؟ روحي هاتيه من جوة.. وإلا أدخل أنا أجيبه؟”
​مريم لفت وشها وجريت على الأوضة وهي بتصرخ: “يوسف! يوسف اصحى!”
دخلت الأوضة ورزعت الباب وراها وقفلته بالمفتاح، إيديها كانت بترتعش لدرجة إن المفتاح كان هيقع منها. جِريت على سرير أخوها الصغير، مسكته من كتافه وبدأت تهزه بهستيريا:
​”يوسف! قوم يا حبيبي بالله عليك قوم! إحنا لازم نمشي من هنا.. لازم نخرج حالا!”
​الولد مكنش بيتحرك، جسمه كان تقيل وزي الحجر. مريم شدته من إيده عشان توقفه، بس الصدمة خلت صرختها تكتم في زورها.. إيد يوسف سابت في إيدها! الإيد اتفصلت عن الجسم ببرود ومن غير ولا نقطة دم، وكانت عبارة عن عضم ناشف متغطّي بتراب أحمر!
​مريم رمت الإيد على الأرض برعب ورجعت لورا، وبصت على السرير.. السرير مكنش عليه يوسف.. ده كان عبارة عن كومة تراب كبيرة ومغطاة بملاية، والتراب كان عمال ينزل على الأرض ببطء ويتحرك كأنه صاحي.
​في نفس اللحظة، سِمعت صوت خطوات بطيئة وجاية من الطرقة.. خطوات بتجر رجلها وتقرب من باب الأوضة.
​مريم كتمت بوقها بإيديها وهي بتعيط من غير صوت، وعينيها متثبتة على أكرة الباب اللي بدأت تتحرك ببطء لفوق وتحت.. المفتاح اللي قفلت بيه الباب بدأ يلف لوحده من برة، وصوت تزييق الحديد كان بيقطع قلبها.
​الباب اتفتح خرم صغير.. ودخل منه نفس الهوا الساقع اللي ريحته كلور ومقابر.
​مريم بصت على الأرض.. وشافت ورقة صغيرة مطبقة ومبلولة بدم، بتتسحب ببطء من تحت الباب وتدخل الأوضة كأن في حد بيزقها، ولما استقرت تحت رجليها، الورقة اتفتحت لوحدها..
​مريم نزلت عينيها برعب وبصت على الكلام اللي مكتوب فيها بخط أحمر جديد وبيلمع، وقرت السطر ده:
​”أخوكي مات من تلات سنين يا مريم.. واليوم جه الدور عليكي عشان تعرفي مين اللي كان بيصحيّكي كل يوم الصبح.. بصي وراكي.”
………..
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *