اختي
الساعة كانت قربت على اتنين بعد نص الليل، وأنا لسه قاعد في مكتبي وببص على شاشة الموبايل.
رسائل أمي وداليا كانت لسه قدامي.
بكرة كلنا جاهزين الساعة 5 ونص.
الفستان اللي اتبل محتاج واحد جديد.
فضلت أبص للجملتين دول وأنا حاسس بحاجة غريبة جوايا.
زمان كنت هقوم فورًا أحول لها تمن الفستان.
وكنت هبعت لأمي رسالة أقول لها حاضر، أنا هاجي أخدكم.
وكنت هروح أنام وأنا مقتنع إني بعمل واجبي ناحية أهلي.
لكن المرة دي
ما عملتش أي حاجة.
قفلت الموبايل، وقومت من على المكتب.
قبل ما أخرج، فتحت درج صغير في مكتبي وطلعت منه ملف أزرق.
الملف ده كان فيه كل حاجة.
إيصالات أقساط البيت اللي دفعتها.
إيجار شقة داليا.
أقساط عربيتها.
بطاقات المشتريات اللي كنت بسددها.
تحويلات شهرية لأبويا وأمي.
حتى الرحلة اللي كنت حجزتها لهم.
كنت محتفظ بكل ده مش عشان أعايرهم.
بالعكس.
كنت بحب أفتكر إني قدرت أساعدهم.
لكن وأنا بقلب في الورق، اكتشفت حاجة ما كنتش واخد بالي منها.
إني خلال السنين اللي فاتت ما كنتش بس بساعدهم.
أنا كنت شايل عنهم حياتهم كلها.
وفي المقابل
هما كانوا شايلين عني حاجة واحدة بس.
الإحساس بالذنب.
كل ما أرفض طلب، كنت بحس إني ابن وحش.
كل ما أتأخر في تحويل فلوس، كنت بحس إني مقصر.
كل ما سلمى تعترض، كنت أقول لها
استحملي، دول أهلي.
لكن محدش فيهم كان بيسألني أنا محتاج إيه.
ولا مرة.
قفلت الملف.
وقلت لنفسي
كفاية.
مش كفاية مساعدة.
كفاية إني أكون موجود وقت ما يحتاجوني، ومش موجود وقت ما أحتاج احترام لمراتي.
الساعة خمسة إلا ربع الصبح، صحيت سلمى بهدوء.
لقيتها نايمة على جنبها، وإيدها فوق بطنها.
قربت منها وقلت
سلمى
فتحت عينيها.
الساعة كام؟
خمسة إلا ربع.
اتعدلت بسرعة وقالت
إنت هتروح لهم؟
بصيت لها.
لأ.
سكتت.
وبعدين سألت
طب العربية؟
ابتسمت.
العربية هتروح.
بصتلي باستغراب.
ليه؟
قلت
عشان هما متوقعينها.
وبعدين مسكت إيدها.
بس أنا مش هروح.
سلمى فضلت ساكتة شوية.
وبعدين قالت
ياسين، أنا مش عايزة أبقى السبب في إنك تقطع أهلك.
قلت لها بهدوء
وإنتِ مش السبب.
أمال مين؟
أنا.
استغربت.
إنت؟
هزيت راسي.
أنا اللي خليتهم يتعودوا إني أوافق على كل حاجة. أنا اللي خليتهم يفتكروا إن فلوسي حق مكتسب ليهم. وأنا اللي كل مرة كنت بسكت لما حد يتجاوز معاكي عشان ما أعملش مشكلة.
سلمى بصتلي.
وإنت هتعمل إيه؟
قلت
هحط حدود.
في نفس الوقت تقريبًا، كانت عربية الشركة وصلت قدام بيت أهلي.
السواق نزل وفتح الباب.
أمي كانت أول واحدة خرجت.
وراها أبويا.
وداليا كانت شايلة شنطتين كبار، ووراها شنطة تالتة.
كانوا مجهزين نفسهم كأنهم رايحين يقضوا أسبوعين من غير أي مشكلة.
أمي قالت للسواق
يلا يا ابني، إحنا متأخرين.
السواق رد
حاضر يا حاجة.
ركبوا.
وفي الطريق، أمي طلعت موبايلها واتصلت بيا.
كنت قاعد جنب سلمى وبشرب قهوة.
بصيت للشاشة.
ماما.
ما رديتش.
اتصلت تاني.
ما رديتش.
ثالث مرة.
برضه ما رديتش.
وبعدها رسالة
ياسين، إحنا في العربية. إنت فين؟
قفلت الشاشة.
بعد حوالي عشر دقايق، الموبايل رن تاني.
المرة دي كان أبويا.
رديت.
قال فورًا
إنت فين؟
في البيت.
يعني إيه في البيت؟!
يعني في البيت.
إحنا في الطريق للمطار.
عارف.
سكت ثانيتين.
وبعدين قال
طب هتقابلنا هناك؟
قلت
لأ.
الصمت اللي حصل بعدها كان أطول من أي كلام.
لأ إيه؟
مش هاجي المطار.
ليه؟
لأن الرحلة اتلغت.
صوته اتغير.
إنت بتقول إيه؟
الحجوزات كلها اتلغت.
إنت بتهزر؟
لأ.
سمعت أمي بتقول من بعيد
اديني الموبايل.
أبويا قال
استنى.
وبعدين رجع لي
إنت عايز تقول إنك لغيت الرحلة اللي دافع فيها كل الفلوس دي؟
أيوه.
ليه؟!
قلت
لأن الرحلة كانت هدية.
يعني إيه؟
يعني لما الهدية تتقدم لناس مش مقدرة صاحبها، صاحب الهدية من حقه يرجع فيها.
أبويا سكت.
وبعدين قال
إنت بتعاقبنا؟
قلت
لأ.
أمال بتعمل إيه؟
بحط حد.
قفل الخط في وشي.
بعدها بدقائق، أمي اتصلت.
رديت.
أول حاجة قالتها
أنا مش فاهمة إنت بتعمل كده ليه.
قلت
ماما، إنتِ عارفة.
عشان داليا رمت شوية مية؟
مش عشان المية.
أمال عشان إيه؟
عشان الطريقة اللي حصل بيها كل شيء.
سكتت.
كملت
داليا طلبت من مراتي تقوم من مكانها وهي حامل في الشهر السابع. ولما سلمى قالت لها ثانية، رمت عليها كباية مية. وإنتِ بدل ما توقفي معاها، ضحكتي وقلتي إن الحمل مخليها تقيلة ومش مركزة.
أمي قالت
يا ياسين، إحنا أهل، يعني مش هنعمل قضية على كل كلمة.
وأنا ما عملتش قضية.
أمال ليه لغيت الرحلة؟
عشان دي كانت فلوسي.
سكتت.
قلت
وإنتِ طول عمرك بتقولي لي إن الفلوس مش مهمة، وإن العيلة أهم.
قالت
طبعًا.
يبقى لازم العيلة تحترم بعضها.
ما ردتش.
قفلت معاها بهدوء.
بعد ساعة، رجعوا البيت.
العربية وقفت قدام الباب.
أمي دخلت وهي متضايقة.
أبويا كان ساكت.
داليا كانت ماسكة شنطتها ووشها متجهم.
أول ما دخلوا، لقوا ظرف كبير على السفرة.
أبويا بص له.
إيه ده؟
قلت
اقعدوا.
أمي قالت
مفيش داعي لكل ده.
قلت
بالعكس، فيه.
قعدوا.
وأنا حطيت قدامهم ملف.
قلت
أنا مش جاي أعايركم بالفلوس.
أمي حاولت تتكلم.
قلت
بس اسمعوني للآخر.
سكتوا.
فتحت أول ورقة.
دي أقساط البيت اللي دفعتها.
ورقة تانية.
دي ديون بابا.
ورقة تالتة.
دي إيجار شقة داليا لمدة سنتين.
ورقة رابعة.
دي مصاريف العربية.
ورقة خامسة.
دي مصاريف بطاقات المشتريات.
داليا بدأت تتحرك في مكانها.
قلت
وكل ده أنا عملته بإرادتي.
أبويا قال
وإحنا طلبنا منك؟
بصيت له.
أيوه.
سكت.
قلت
يمكن مش كل مرة بالكلام، بس كل مرة كنتوا بتستنوا مني الحل.
أمي قالت
وإنت كنت قادر.
صح.
يبقى إيه المشكلة؟
قلت
المشكلة إن القدرة مش معناها إن كل حاجة حقيقتكم.
سكتت.
كملت
أنا ابنتكم وابنكم، مش ماكينة تحويل فلوس.
أبويا بص في الأرض.
وأنا لأول مرة ما خفتش من سكوته.
داليا قالت فجأة
طب وإحنا عملنا