كارت مراد الاسيوطي ج١ شروق خالد

شفت الوجع والقلة الأدب في عيونهم وهم بيتكلموا عليا بالإيطالي، فاكرين البنت الغلبانة اللي واقفة تخدمهم مش فاهمة ولا كلمة من اللي بيقولوه.
شفت الرعب في عيون زمايلي في المطعم؛ يوم الجمعة بالليل في مطعم “بيلّا نوُتي” كان المفروض يكون شفت عادي وزحمة زي كل أسبوع، لحد ما وصلت تربيزة رقم سبعة. دخل أربعة رجالة لادغين في العز والفلوس، لادغين لدرجة تخوف. لبسهم غالي ونظراتهم تخلص أي حكاية. زمايلي في الويترز فجأة كلهم تاهوا في المطبخ ورا، ومحدش فيهم رضى يقرب من التربيزة دي. أنا بقالي ست شهور شغال في المطعم ده، وعرفت أقرا الزباين كويس.
قالت لي زميلتي “رشا” وهي بتترعش من الفرحة إنهم مش تبعها: *”دي تربيزتك يا جومانا، ربنا معاكي.”* قلت لها: *”شكراً على الثقة يا ستي.”* فردت ضهري، وظبطت المريلة بتاعتي، ومشيت ناحية الزاوية اللي قاعدين فيها. وأنا بقرب، سمعتهم بيتكلموا إيطالي، بس مش الإيطالي بتاع الكتب اللي اتعلمته في الكلية، ده كان إيطالي الشارع، الإيطالي اللي فيه نفس النبرة والكلمات اللي كنت بسمعها في بيتنا وأنا كبرانة.
رسمت أحسن ابتسامات الشغل على وشي وقلت: *”مساء الخير يا فندم، منورين المطعم، أنا جومانا وهكون معاكم النهاردة.”* الأربع عيون لفوا وبصوا لي فجأة. الراجل اللي قاعد في رأس التربيزة خطف عيني؛ شعره أسود ونازل ورا، وشه كأنه منحوت من صخر، ودقنه حادة، وشفايفه باين عليها مضحكتش من سنين. بس عينيه كانت المصيدة الحقيقية؛ لونها بني غامق، كأنها ضلمة ليل. بص لي بصه خلت جسمي يقشعر.
قال لي بالإنجليزي وبنبرة واثقة ومرعبة: *”مياه للتربيزة، ومنيو الويسك دقيقة لو سمحتِ.”* سألته لو عايزين مياه عادية ولا فوارة، قال لي من غير تفكير: *”فوارة سان بيليجرينو.”* لفيت عشان أجيب الطلبات وحسيت بنظراته حفرت في ضهري.
لما رجعت للبوفيه، لقيت رشا مستنياني وبتقول بخوف: *”ده مراد الأسيوطي، أنتِ عارفة ده مين؟ عيلته تملك نص مطاعم وكافيهات وسط البلد، وفي كلام كتير بيتقال عنهم.. الكلام اللي محدش بيجرؤ يسأل فيه.”* قالت لي أخلي بالي لأن الرجالة دي اللعب معاهم خطر.
أخدت المياه والمنيو ورجعت. مراد مابصش في المنيو أصلاً، طلب نوع نبيذ غالي جداً، وطلب مقبلات بوراتا وكارباتشيو. قلت له اختيار ممتاز وهنزل الطلب فوراً. وأنا بلف عشان أمشي، واحد من الرجالة اللي معاه مال بضهره واتكلم بالإيطالي بسرعة، فاكرني مش هفهم، قال: *”البنت دي حلوة أوي، خسارة تكون مجرد ويتر في مطعم.”*
إيدي كلبشت في النوتة بتاعتي، كنت عايزة أرد بس اتعودت أطنش الكلام ده في الشغل. بس المفاجأة إن مراد نفسه هو اللي رد عليه؛ صوته كان كأنه كرباج، بارد وحازم، وقال له باللغة بتاعتهم: *”اخرس، البنت بتعمل شغلها وبس.”*
كان المفروض أمشي وأعمل نفسي مش فاهمة ولا حرف، بس نبرة الراجل المستفزة ودفاع مراد البارد خلوني أقف. ما لفيتش وشي، وقفت ثانية واحدة، أخدت فيها نفسي، وبعاميّة أهل الصعيد الجواني—اللغة اللي أمي كانت بتهمس لي بيها قبل ما أنام كل ليلة عشان أفتكر أصلي—رديت عليه بنفس لغتهم وبصوت مسموع: *”شكراً على الدفاع يا بيه، بس أنا بعرف آخد حقي وبحمي نفسي كويس واصل.”*
السكوت اللي حل في المكان كان مرعب. القاعة كلها اتكتمت فجأة. لفيت وشي براحة؛ الأربعة كانوا مبحلقين فيا كأنهم شافوا عفريت، بس مراد كان أكتر واحد يخوف. ثبت في مكانه تماماً، وعينيه الضلمة دي ركزت في وشي وقال لي بلغة أهل الصعيد: *”أنتِ بتتكلمي لهجتنا؟”* صوته بقى أخشن وأعمق من الأول.
قلت له: *”أمي من أسيوط، من البداري، وأنا عشت طفولتي كلها هناك.”* عينه لمعت بلمحة غريبة؛ لمحة معرفة، وفضول، وحاجة تانية مش قادرة أفسرها. قال لي: *”والبداري دي بلدي برضه، أنا كبرت على بعد شوارع قريبة من هناك.”*
الخيط اللي اتربط بينا في الهواء كان غريب ومش متوقع ويخوف. الرجالة اللي معاه كانوا ساكتين وبيتفرجوا بذهول. قلت له: *”هجيب الطلبات فوراً”* عشان أكسر السحر ده وأهرب من التربيزة دي قبل ما أغرق أكتر. جيرت على البار وقلبي كان هيقف من الخوف، أنا لفت الانتباه لنفسي، ودخلت في كلام مع راجل زي مراد الأسيوطي بره حدود الشغل.
لما رجعت بالطلب، عينيه ما سابتنيش، كانت بتلاحق كل حركات إيدي وأنا بنزل الكاسات. سألني بالصعيدي: *”بقالك قد إيه ما روحتش البلد؟”* قلت له: *”خمس سنين، مقدرتش أروح من بعد ما أمي اتوفت.”* تعزيته ليا كانت باين عليها صادقة، قال لي: *”أمك ربتك صح، قليلين اللي في مصر دلوقتي بيحافظوا على الأصول واللغة دي.”* قلت له: *”أمي كانت عايزاني أفتكر دايماً أنا جاية منين.”*
حطيت الإزازة وسألته لو محتاجين حاجة تانية. قال لي: *”مراد.. قولي لي يا مراد.”* الكلمة كانت خطر، فيها عشم زيادة وممكن توديني في سكة ما أرجعش منها. قلت له برسمية: *”محتاج حاجة تانية يا مراد بيه؟”* شفايفه اترسمت عليها شبه ابتسامة وقال: *”دلوقتي لأ، بس متبعديش يا جومانا، عايز أتكلم معاكي تاني.”* ما كانش بيطلب، كان بيؤمر بثقة راجل متعود ياخد كل اللي هو عايزه.
العشا عدا وكأنه حلم، كل ما أقرب من التربيزة عينه تلمح عيني. ساعات يتكلم مع رجالته في الشغل بسرعة، وساعات يرجع يكلمني عن أمي، وعن ذكرياتي، وعن حياتي، كأنه بيعمل معايا إنترفيو وبيملا ملف عني في دماغه.
وأنا بلم أطباق الحلو، قال لي: *”أنتِ المفروض ترجعي بلدك.”* قلت له: *”يمكن في يوم من الأيام، لما أقدر على مصاريفها.”* بص لي وقال: *”طب ولو أنا خليت ده ممكن؟”* بصيت له بحدة وقلت له: *”أنا مابقبلش صدقة من حد يا بيه.”* قال لي: *”دي مش صدقة.. دي فرصة.”*
مد إيده في جيب بدلتة وطلع كارت شخصي، كتب حاجة على ظهره وإداهوني. قال لي: *”أمي لسه عايشة هناك في البلد، وعندها مشروع ومطعم كبير وبتدور على حد يمسك الإدارة، وهي صعبة ومابتثقش في أي حد، بس كونك بنت أصول وبتتكلمي لغتنا وبتفهمي في الأصول، ده هيفرق معاها جداً.”*
كنت هرفض بس وقفني وقال لي: *”أنتِ عندك موهبة وخسارة تضيعي عمرك بتخدمي ناس ما بتقدريش قيمتك.”* سألته: *”وأنت مهتم ليه؟”* قال لي: *”لما سمعتك بتتكلمي لغتنا افتكرت بيتي، وافتكرت جدتي اللي ربتني، وافتكرت العادات اللي بتموت.”* وبعدها قام ومشي.
وقفت وأنا ماسكة الكارت وحاسة إن حياتي كلها كأنها بتلف حولين نفسها. لما خلصت الشفت، وقفت تحت عمود النور في الشارع وبصيت في الكارت؛ كان مكتوب اسمه ورقم تليفونه، وعلى الظهر مكتوب بخط عريض وقوي: *”كلميني لما تكوني جاهزة ترجعي بيتك.”*
كان المفروض أرمي الكارت في الزبالة وأنسى إن في حد اسمه مراد الأسيوطي أصلاً، بس وأنا مروحة، ما قدرتش أشيل عينيه من دماغي ولا الجوع اللي كان فيهم. فجأة تليفوني هَز، ورقم غريب بعت لي رسالة: *”وصلتي بيتك بالسلامة؟”*
اتسمرت في مكاني والدم هرب من عروقي..

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *