الرحيل القاسي
إيمان مسكت موبايل جابر، وطلبت آخر رقم كان متسجل. فتحت السماعة.
رد صوت بنت بحماس:
— ألو يا جابر! قول لمامتك إني حولتلها خمستاشر ألف عربون أوضة البيبي، والباقي هديهولها لما أبيع الترابيزة والكومود. أنا رايحة الكوافير دلوقتي وهعدي عليها بالليل.
إيمان قفلت المكالمة بهدوء مرعب.
أمينة رجعت خطوة لورا.
وجابر وقف ساكت، كأنه اتشل.
إيمان بصتلها بعين مليانة وجع وقالت:
— إنتِ سرقتي حفيدك… عشان تسددي ديون القمار اللي عليكي.
أمينة صرخت بعصبية:
— كدب! دي
كانت فلوس علاج!
لكن جابر أخيرًا اتحرك.
طلع مفتاح الشقة من جيبه، وحطه قدامها على الترابيزة.
وصوته كان ساقع بشكل خوّفها:
— قدامك عشر دقايق تلمي حاجتك وتمشي من البيت.
أمينة بصّت لابنها كأنها أول مرة تشوفه.
— إنت بتطرد أمك يا جابر؟ بعد العمر ده كله؟ عشان واحدة لسه داخلة بيتك من سنتين؟!
إيمان ضمّت ابنها أكتر لصدرها، ووشها شاحب من التعب والصدمة، لكنها ما نطقتش.
أما جابر، فكان واقف جامد، عينه ثابتة على أمه.
— مش بطردك… أنا بمنعك تدخلي حياة ابني تاني.
أمينة ضحكت بسخرية وهي بتحاول تلم الدور:
— عشان كام قطعة عفش عملتوا فيها محكمة؟! طب ما أنا ربيتكم بالحافية! أبوك مات وسابني شايلة الحمل لوحدي!
— وفضلت طول عمرك تفكرينا بالجميل — رد جابر بمرارة — كل مرة تساعدي حد، لازم تدفعيه عمره كله تمن.
أمينة قربت من إيمان بعصبية:
— وإنتِ! من يوم ما دخلتي البيت وإنتِ فرّقتي بيني وبين ابني!
إيمان رفعت عينيها أخيرًا، وقالت بهدوء موجع:
— أنا كنت بعتبرك أمي… لحد ما بعتي آخر حاجة ريحتني من أمي الحقيقية.
الجملة نزلت على المكان كأنها صفعة.
ولأول مرة، أمينة سكتت.
لكن الصمت ما طولش.
رن جرس الباب فجأة.
جابر فتح، فدخل راجلين شايلين أكياس كبيرة، ووراهم واحدة ست متصنعة زيادة عن اللزوم، لابسة نضارة شمس بالليل.
— مساء الخير يا طنط! جبتلك الفلوس زي ما اتفقنا… والباقي لما الزبونة تاخد السرير.
كانت هبة.
أول ما شافت إيمان واقفة والبيبي وشها اتقلب.
— يا نهار أبيض… إنتوا رجعتوا بدري ليه؟
جابر قرب منها بخطوتين.
— يعني إنتِ كنتِ عارفة إن الحاجات دي بتاعة ابني؟
هبة بلعت ريقها بسرعة.
— والله طنط قالت إنكم جبتوا جديد… وأنا كنت محتاجة—
— محتاجة تسرقي طفل لسه مولود؟!
صوت جابر علا لأول مرة، لدرجة إن البيبي صحي وبدأ يعيط.