معتصم أخبر زوجتك أن تتوقف عن تقليدي، وإلا سأرسل لها الرسائل القديمة كلها. قرأتُ الرسالة بصوت مرتفع. ببطء. وكأنني أختبر حدّة كل كلمة قبل أن تستقر داخل صدري. تجمّد معتصم مكانه. ليس ذلك الارتباك العابر الذي يظهر على الرجل حين يُضبط في موقف محرج بل ارتباك رجل سقط قناعه فجأة أمام زوجته، ولم يعرف كيف يستعيده. قال بسرعة الأمر ليس كما تظنين يا آمنة. ضحكتُ. ضحكة صغيرة جافة خرجت رغمًا عني. ثم قلت هذه الجملة وحدها تكفي لكتابة كتاب كامل عن الرجال الذين يخونون ثم يتظاهرون بالبراءة. اقترب خطوة وهو يمد يده نحوي أعطيني الهاتف. رفعتُ حاجبي ببطء. لأول مرة منذ سنوات أسمع اسمي يخرج من فمه كأمر، لا كودّ. قلتُ بهدوء لا تقترب أكثر. توقف مكانه. ليس احترامًا لي. بل لأنه رأى وجهي. ووجهي وقتها لم يكن وجه امرأة على وشك البكاء. كان وجه امرأة تعبت أخيرًا. رنّ الهاتف مرة أخرى. رسالة جديدة من سندس. هل أخبرتها أنك كنت تراسلني بعد منتصف الليل بينما كانت نائمة بجانبك؟ شعرتُ بشيء حارق يصعد داخل صدري. لم يكن غيرة. الغيرة تؤلم بطريقة مختلفة. هذا كان احتقارًا. احتقار امرأة اكتشفت أنها كانت تبني بيتها مع رجل يقضي وقته في إخفاء الكذب خلف الكلمات اللطيفة. حاول معتصم أن يأخذ الهاتف من يدي، لكنني كنت أسرع. أخذته ودخلتُ الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح. بدأ يطرق الباب بعصبية آمنة، افتحي الباب. قلتُ وأنا أفتح المحادثة انتظر قليلًا أكتشف فقط مع من كنتُ أعيش. قال بصوت مرتفع لا تفعلي شيئًا تندمين عليه. ضحكتُ بمرارة الشيء الذي يُندم عليه حدث منذ اللحظة التي قررتَ فيها مراسلتها. فتحتُ الرسائل. ولم أحتج إلى البحث طويلًا كانت واضحة كصڤعة. اشتقتُ لضحكتك. الثوب الأبيض كان يليق بكِ أكثر من أي امرأة. أحيانًا أشعر أنني تسرعت حين تركتك. آمنة لم تعد تفهمني. وقفتُ ساكنة. أشعر وكأن الغرفة أصبحت أضيق من أن تتسع لأنفاسي. كل تلك الرسائل بينما كنتُ أنا أرتب البيت، وأغسل ثيابه، وأوفّر من راتبي حتى نستطيع تسديد أقساط السيارة، وأقنع نفسي أن الفتور بعد الزواج أمر طبيعي. في الخارج، كان ما يزال يتحدث والله يا آمنة الموضوع لا يستحق كل هذا. أغمضتُ عيني. الرجل دائمًا يحاول تصغير الخېانة حتى يجد لنفسه مكانًا داخلها. أخذتُ لقطات شاشة لكل شيء. أرسلتها إلى بريدي الإلكتروني. ثم أرسلتها إلى صديقتي إشراقة مع رسالة قصيرة إذا ضعفتُ يومًا وقررتُ مسامحته ذكّريني بهذه الليلة. ردّت خلال ثوانٍ أنا قادمة. بعد نصف ساعة فقط، وصلت إشراقة. دخلت البيت بسرعة وهي تحمل أكياس تسالي وزجاجة عصير كركديه، وكأنها جاءت إلى جلسة نسائية عادية، لا إلى بيت ينهار. نظرت إلى معتصم الجالس في الصالة وقالت أين المتهم؟ أشرتُ نحوه هناك. نظر إليها بضيق هذا الأمر بيني وبين زوجتي. ابتسمت إشراقة وهي تخلع عباءتها حين تتحول الخېانة إلى لقطات شاشة، لا تعود مسألة خاصة يا أستاذ معتصم. ولأول مرة منذ ساعات ضحكتُ من قلبي فعلًا. لم أنم في غرفتنا تلك الليلة. نمتُ في الغرفة الصغيرة بجوار إشراقة، بينما ظللتُ أحدّق في سقف الغرفة حتى أذان الفجر. وأدركتُ شيئًا أخيرًا الحب ليس أن تتحمل المرأة كل شيء حتى لا متابعة القراءة صفحة 1 / 4 انت في الصفحة 2 من 4 صفحات تخسر زوجها. الحب الحقيقي هو ألا تخسر نفسها وهي تحاول الحفاظ عليه. في الصباح، طرق معتصم الباب بهدوء. قال أعددتُ لكِ القهوة. أجبته من الداخل وأنا اتصلتُ بخالي حتى يأتي مساءً. ساد الصمت طويلًا. ثم قال أخيرًا لماذا الخال؟ قلتُ بهدوء لأن الرجال الكبار هم من يجلسون عندما يبدأ الكلام عن الطلاق. لم يرد. ثم قال بصوت منخفض آمنة لا تهدمي بيتنا بسبب رسائل. فتحتُ الباب ونظرتُ إليه مباشرة. ثم قلت البيت لا ينهار بسبب الرسائل وحدها البيت ينهار حين تشعر المرأة أنها أصبحت آخر امرأة يراها زوجها. خفض عينيه لأول مرة. ولأول مرة أيضًا لم أشعر بأي رغبة في مواساته. في المساء، وصلتني رسالة قصيرة من سندس. أريد أن أتحدث معكِ. نظرت إشراقة إليّ بدهشة ستتحدث معكِ فعلًا؟ أجبت بهدوء يبدو أن ضميرها استيقظ أخيرًا. لم أنم تلك الليلة إلا دقائق متقطعة. كلما أغمضتُ عيني، رأيتُ الرسائل من جديد. اشتقتُ لضحكتك. آمنة لم تعد تفهمني. ذلك النوع من الجمل الذي لا ېقتل المرأة دفعة واحدة بل يترك داخلها شقوقًا صغيرة تتسع ببطء. في الصباح، استيقظتُ على صوت إشراقة وهي تتحرك داخل المطبخ. رائحة الشاي بالنعناع ملأت البيت. أما معتصم فكان ما يزال جالسًا في الصالة منذ الليلة الماضية. نفس الثياب نفس الوجه المتعب كأن النوم خاف أن يقترب منه. خرجتُ من الغرفة بهدوء. رفع رأسه فور رؤيتي، ثم وقف مباشرة. قال بصوت خاڤت آمنة دعينا نتحدث بهدوء. تجاوزته نحو المطبخ دون رد. لكنّه تبعني. وقف عند الباب وقال والله ما كنتُ أريد أن يصل الأمر إلى هنا. سكبتُ الشاي داخل الكوب ببطء. ثم قلت الرجال دائمًا يقولون ذلك بعدما ينكشف كل شيء. اقترب خطوة أنا أخطأت نعم لكن لا يوجد رجل معصوم. ضحكتُ بسخرية مريرة. ثم التفتُّ إليه أخيرًا وهل المطلوب مني أن أشكرك لأنك خڼتني بشكل عادي فقط؟ خفض عينيه. أما إشراقة فجلست على الكرسي وهي تراقبنا بصمت، ثم تمتمت بعض الرجال يظنون أن الاعتراف آخر البطولة، مع أنه أول الڤضيحة. تنهد معتصم بضيق هل ستبقين هنا طوال الوقت؟ أجابته وهي ترتشف الشاي نعم لأن آمنة احتملت وحدها سنوات، وحان دورك أنت لتشعر بالاختناق قليلًا. خرج من المطبخ أخيرًا. أما أنا فجلستُ على الكرسي وكأن جسدي فقد قدرته على الوقوف. قالت إشراقة بهدوء هل ما زلتِ تريدين مقابلة سندس؟ أجبت بعد صمت طويل نعم. لماذا؟ رفعتُ رأسي نحوها. ثم قلت لأنني أريد أن أسمع الحقيقة كاملة مرة واحدة فقط بدل أن أبقى أتخيلها بقية عمري. جاء خالي الطيب بعد صلاة المغرب. ومنذ اللحظة التي دخل فيها البيت، شعرتُ أن الأمور أصبحت حقيقية أكثر من اللازم. الرجال في السودان لا يُستدعون إلى البيوت في المساء إلا عندما يكون هناك أمر ثقيل. سلّم بهدوء. ثم جلس في الصالة. كان رجلًا وقورًا، قليل الكلام، وصوته دائمًا منخفض بطريقة تُجبر الناس على الإنصات له. جلس معتصم أمامه متوترًا. أما أنا فجلستُ بعيدًا قليلًا، وإشراقة بجواري. سأل خالي بهدوء ما الذي حدث؟ ساد الصمت. ثم قال معتصم بسرعة سوء فهم فقط يا خال. رفعتُ رأسي نحوه فورًا. سوء فهم. كأن الرسائل التي قرأتها كانت حلمًا. قال خالي بهدوء آمنة؟ أخرجتُ هاتفي. ثم وضعته أمامه. وقلت اقرأ. ظل يقرأ الرسائل بصمت طويل. طويل جدًا. حتى شعرتُ أن صوت متابعة القراءة صفحة 2 / 4 انت في الصفحة 3 من 4 صفحات أنفاسي صار مرتفعًا داخل الغرفة. ثم رفع رأسه أخيرًا نحو معتصم. وسأله هل هذه الرسائل حقيقية؟ خفض معتصم عينيه وقال بصوت منخفض نعم لكن قاطعه خالي بهدوء حازم الرجل المحترم لا يضع لكن بعد الخطأ. ساد الصمت. ثم قال معتصم بسرعة والله يا خال لم يحدث شيء كبير مجرد كلام. ضحكتُ. ضحكة خرجت رغمًا عني. ثم قلت دائمًا مجرد كلام وكأن الكلام لا يهدم البيوت. نظر إليّ معتصم بتعب ماذا تريدين مني أن أفعل يا آمنة؟ هنا فقط شعرتُ أن شيئًا داخلي انطفأ تمامًا. لأن الرجل الذي يفهم ۏجع زوجته لا يسألها هذا السؤال أصلًا. قال خالي بهدوء وهل تواصلتَ مع المرأة بعد زواجك أم لا؟ سكت معتصم ثوانٍ. ثم قال نعم. وهل أخفيت الأمر عن زوجتك؟ نعم. وهل كنتَ ترضى أن تفعل آمنة الشيء نفسه؟ رفع رأسه بسرعة لا طبعًا. هزّ خالي رأسه ببطء. ثم قال إذًا أنت تعرف أنه خطأ لكنك فعلته لأنك كنتَ مطمئنًا أنها ستسامح. ساد الصمت. ولأول مرة لم يدافع معتصم عن نفسه. بعد ساعة تقريبًا رنّ جرس الباب. نظرتُ نحو إشراقة. فهمت فورًا. قامت وفتحت الباب وكانت سندس. دخلت بخطوات مترددة. وحين رأت خالي ارتبكت أكثر عندما رأت الخال. قالت بخفوت السلام عليكم. ردّ الجميع السلام. ثم جلست بصمت. كان واضحًا عليها التوتر. تضم عباءتها بيديها، وتتجنب النظر إلى معتصم. أما هو فكان يبدو وكأنه يريد اختفاءها من المكان. قال خالي بهدوء أنتِ سندس؟ أومأت برأسها. ثم قالت بصوت خاڤت نعم. هل لديكِ ما تقولينه؟ سكتت طويلًا. ثم رفعت رأسها أخيرًا. وقالت نعم. شعرتُ بقلبي ينقبض. أما هي فأكملت معتصم بدأ يراسلني منذ حوالي سبعة أشهر. أغمضتُ عيني. سبعة أشهر. سبعة أشهر كاملة وأنا أعيش داخل بيت لا أعرف حقيقته. قالت سندس في البداية تجاهلته ثم بدأ يتحدث عن مشاكله في البيت وعن شعوره أن آمنة تغيّرت بعد الزواج. ضحكت إشراقة بسخرية طبعًا الجملة الرسمية لأي رجل يريد خېانة زوجته. خفضت سندس رأسها بخجل. ثم قالت أنا لا أبرر لنفسي أنا أيضًا أخطأت وكان يجب أن أوقفه منذ البداية. نظر إليها خالي بهدوء وهل حدث شيء بينكما خارج الرسائل؟ أجابت بسرعة لا أقسم بالله لا. ثم أضافت پألم لكن الرسائل وحدها كانت كافية لټدمير بيت. ساد الصمت. وفي الخارج، مرّ صوت بائع الشاي من آخر الشارع. الحياة بالخارج كانت تمشي عادية جدًا بينما بيتي كان ينهار ببطء. قالت سندس بعدها قبل أيام، أخبرته أن يتوقف عن مراسلتي لكنه استمر وعندما رأيت صورة آمنة أمس شعرتُ بالذنب. رفعتُ رأسي نحوها. فسألتني بصوت مكسور كيف كنتِ تتحملين كل هذا الصمت؟ لم أعرف ماذا أقول. لأنني أنا نفسي لم أكن أعرف الإجابة. ربما لأن النساء يتعلمن منذ الصغر أن يتحملن أكثر مما ينبغي. بعد خروج سندس طال الصمت داخل البيت. حتى إشراقة توقفت عن الكلام. أما معتصم فبدا وكأنه خسر القدرة على النظر إليّ. قال خالي أخيرًا الزواج ليس طعامًا وشرابًا فقط يا معتصم الزواج أمان. ثم أضاف وإذا ضاع الأمان من قلب المرأة، يصبح البيت مجرد جدران. خفض معتصم رأسه. وقال بصوت مبحوح أنا مستعد أصلح كل شيء. نظرتُ إليه طويلًا. ثم سألت وكيف ستصلح شيئًا كسرته كل يوم بيدك؟ اقترب خطوة أعطيني فرصة. ضحكتُ بحزن. ثم قلت المشكلة أن الرجال لا يشعرون بقيمة المرأة إلا عندما تقف عند الباب وهي راحلة. ارتجف متابعة القراءة صفحة 3 / 4 انت في الصفحة 4 من 4 صفحات وجهه. أما خالي فقال بهدوء القرار قرار آمنة. ثم نظر نحوي مباشرة ماذا تريدين؟ شعرتُ بثقل السؤال فوق صدري. هذا الرجل كان زوجي. شريك عمري. الرجل الذي بنيتُ معه بيتًا، وطبخت له، وانتظرته، وبكيت بسببه، وضحكت معه. هل يمكن فعلًا أن ينتهي كل شيء بهذه الصورة؟ نظرتُ إلى معتصم. كان خائفًا فعلًا هذه المرة. ليس خوف الرجل الذي انكشف فقط بل خوف الرجل الذي أدرك متأخرًا أنه قد يخسر بيته. لكن شيئًا داخلي كان متعبًا جدًا. متعبًا بطريقة لا تُشفى بسهولة. قلتُ بهدوء أريد أن أذهب إلى بيت خالي فترة. رفع رأسه بسرعة آمنة قاطعه خالي دعها ترتاح. أخفض رأسه مجددًا. أما أنا فقمتُ بهدوء. ثم دخلت الغرفة. أغلقت الباب خلفي. وبكيت لأول مرة منذ بداية كل شيء. ليس بسبب سندس. ولا بسبب الرسائل. بل لأنني أدركت أخيرًا أن المرأة قد تُحب رجلًا جدًا ومع ذلك تتعب من محاولة إقناع نفسها بأنه يستحق هذا الحب. مرّت الأسابيع بطيئة. أقمتُ في بيت خالي داخل أم درمان. كانت خالتي تعاملني بحنان صامت، لا تسأل كثيرًا، فقط تترك لي الطعام قرب الباب أحيانًا، أو تجلس بجانبي وقت الشاي دون كلام. أما معتصم فلم يتوقف عن المحاولة. مرة يرسل خالتي لتتحدث معي. ومرة يأتي بنفسه. ومرة يترك أكياس الفاكهة والقهوة السودانية عند الباب ثم يغادر. لكنني لم أكن جاهزة. حتى جاء ذلك المساء. كنتُ أجلس في الحوش بعد المغرب، أراقب ضوء اللمبات الصغيرة فوق الجدار. حين دخل خالي وجلس أمامي. ثم قال بهدوء معتصم بالخارج. سكتُّ. فأكمل يبدو متعبًا جدًا. ابتسمتُ بمرارة وأنا؟ نظر إليّ طويلًا. ثم قال أنتِ أيضًا. بعد دقائق دخل معتصم. لكن ليس كما اعتدت رؤيته. لم يكن غاضبًا. ولا مدافعًا عن نفسه. بدا فقط منكسرًا. جلس بعيدًا باحترام. ثم قال بصوت منخفض لن أطلب منكِ أن تنسي. رفعتُ رأسي نحوه. فأكمل ولن أقول إن الأمر كان بسيطًا لأنني رأيت بعيني كيف كسرتكِ. ساد الصمت. ثم قال لكنني أريد فرصة لأصبح رجلًا أفضل من الذي آذاكِ. شعرتُ بشيء يهتز داخلي. ليس حبًا. الحب كان موجودًا أصلًا. بل ذلك الجزء المتعب الذي كان يريد فقط أن يشعر بالأمان من جديد. قال بعدها إذا رفضتِ العودة سأقبل. ثم أضاف بصوت مبحوح لكنني لن أتوقف عن الندم بقية عمري. وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا. الزواج ليس رجلًا لا يخطئ أبدًا. ولا امرأة تتحمل كل شيء دائمًا. الزواج الحقيقي هو أن يعرف كل طرف متى يكون على وشك خسارة الآخر، فيتغير قبل فوات الأوان. رفعتُ رأسي نحوه أخيرًا. ثم قلت إذا عدتُ فلن أعود كما كنت. أومأ بسرعة أعلم. ولن أقبل بعد اليوم أن أشعر أنني أقل من أي امرأة أخرى. قال فورًا لن يحدث ثانية. سكتُّ طويلًا. ثم قلت بهدوء إذًا سنحاول مرة أخيرة. أغمض عينيه لحظة وكأن جبلًا كاملًا سقط عن صدره. أما أنا فلم أشعر بانتصار. فقط شعرتُ براحة صغيرة. راحة امرأة تعبت طويلًا ثم اختارت أخيرًا ألا تضيع نفسها مرة أخرى، حتى وهي تمنح الحب فرصة أخيرة.