يعني إيه معيش؟ أنا بقولك لازم تسدد ديني، وده حق ومش طلب!.. زعقت الحماة في وش ابنها وزوجته. ماما؟ إنتِ بتقولي إيه؟ إزاي تعملي كده أصلاً؟ وإنتِ مديونة بكام بالظبط؟.. نطق هاني الكلمـ . ـات بذهول وهو ينظر لوالدته التي فجرت القنبلة منذ دقائق، بينما سقطت ملامح وجهه من الصدمة. بقلم منال علي يا بني متبحثش ورايا، المبلع كبير.. كبير قوي! وليه؟ وعشان إيه؟.. سأل هاني أسئلة استنكارية فارغة، يعلم يقيناً أنه لا توجد لها إجابات شافية. أهو اللي حصل بقى، صدقني لو كان المبلغ بسيط كنت اتصرفت، لكن الموضوع كبر ومحتاجاك أنت وداليا تتدخلوا وتنقذوني من المصيبة دي بقلم منال علي يا هاني، هي مامتك هتيجي الساعة كام النهاردة؟.. سألت داليا وهي تقطع الخضروات لتجهيز سلطات العيد. في تلك اللحظة، كان الزوجان يسترخيان على الأريكة، يقلبان في القنوات بحثاً عن فيلم كوميدي قديم يكسر ملل الانتظار قبل مائدة العشاء. كل ما طلبه هاني وما كلفته به زوجته كان قد أنجزه بالفعل اشترى مستلزمـ . ـات العيد، علق زينة الفرع النور في البلكونة، ورافق داليا في رحلة التسوق المرهقة. والآن، هما في حالة من الرضا والترقب للاحتفال، وربما استـ . ـغلال الوقت في تعسيلة قصيرة، فالليلة ستكون طويلة ولن تعرف طعم النوم بقلم منال علي لتحسين حالته المزاجية، كان هاني قد فتح زجاجة مياه غازية باردة، مستمتعاً بلحظة نادرة من الهدوء؛ فالزوجة مشغولة في المطبخ، والأطفال سيف 7 سنوات وسلمى 5 سنوات تم إرسالهم منذ يومين لبيت جدهم والد داليا في أطراف المدينة، حيث استمتع الصغار باللعب مع أطفال الجيران والجري في المـ . ـساحات الخضراء. عشرة أيام من الإجازة واللقاءات العائلية كانت بانتظاره. أغمض هاني عينيه وكاد يغرق في النوم على صوت الفيلم الرتيب وصوت الملاعق القادم من المطبخ، حتى اخترق صمت أحلامه صوت زوجتهبقلم منال علي هاني! أيوة.. أجاب بضيق وهو يحاول الخروج من حلم جميل إلى الواقع. سألتك مامتك هتيجي الساعة كام؟ قالتلك حاجة في التليفون؟ أنا فهمت من كلامها إنها ناوية تعدي علينا تبارك لنا بقلم منال علي مش عارف يا داليا، ومش فارقة! إحنا موجودين ومش رايحين في حتة.. رد هاني بعدم رضا لأنها أفسدت نومه. هي قالتلك إيه بالظبط؟ ناوية تسهر معانا؟ مش عارفة، بس نبهت عليا إنها جاية يوم الوقفة ولازم نكون موجودين، بصراحة قلقتني، مش عوايدها يعني تسهر معانا، دي دايماً مع صاحبتها طنط مارجريت في كل المناسبات. يمكن عايزة تبارك لنا وتجيب هدايا العيد، نامي يا داليا وسيبيها لما تيجي تيجي، فكك مني بقى خليني أرتاح. أغلق هاني عينيه بتحدٍ، لتفهم داليا أن الحوار انتهى. عادت للمطبخ وهي تفكر في حمـ . ـاتها، سعاد هانم. كانت امرأة فضولية، تحب أحفادها من بعيد لبعيد، لا تغدق عليهم بالهدايا ولا بالاهتمام، ونادراً ما كانت تستضيفهم بحجة التعب أو الشغل، لذا ارتبط الأطفال بجدودهم لأمهم بشـ . ـكل عفوي. حتى علاقتها بداليا لم تكن سيئة، لم تكن هناك خنـ .ـاقات، لكنها كانت عـ . ـلاقة رسمية وجافة. بدأت داليا في تتبيل الدجاج وتجهيزه للفرن وهي لا تزال تفكر إيه اللي فكـ . ـرها بينا النهاردة؟ دي عمرها ما عملتها بقلم منال علي فعلاً، كانت زيارات سعاد هانم لشقة ابنها التي ورثتها داليا عن جدتها قليلة جداً، وهداياها كانت دائماً تحت شعار حاجة تنفع للبيت، وغالباً ما تكون أشياء قديمة عندها تذكرتها فجأة فأهدتها لهم، مثل جوانتي اشتراه هاني وضاع منه، فاشترت له هي بدلاً منه في عيد ميلاده الذي يوافق الصيف! أو طقم كوبايات أو فوط مطبخ بسيطة، وكانت دائماً ما تقدمها بمنتهى الفخر وكأنها أهدتهـ . ـم قطعة من الماس. عندما انتهت داليا من ماراتون المطبخ، وجدت زوجها يغط في نوم عميق كالأطفال، فقررت أن تشاركه قسطاً من الراحة. لكن ما إن أغمضت عينيها حتى رن جرس الباب بعنـ . ـف. يا فتاح يا عليم! مين دلوقتي؟.. تذمرت داليا وهي تنسى تماماً موعد حمـ . ـاتها. هاني! قوم افتح الباب. افتحي إنتِ.. أنا تعبان بقلم منال علي قوم يا هاني، دي أكيد مامتك، ومحدش غيرها بيخبط كده. قامت داليا بضجر، وفتحت الباب لتجد سعاد هانم أمامها. أهلاً يا داليا، كل سنة وإنتِ طيبة، بس أنا مش طيبة خالص!.. قالتها الحمـ . ـات بضيق وهي تقتحم الصالة. هاني فين؟ جوه نايم، تعب طول اليوم بقلم منال علي قوم يا هاني!.. نادت الأم بصوت صارم. عايزة أتكلم معاكم إنت وداليا في موضوع خطـ . ـير. قام هاني وهو يفرك عينيه ويحاول استيعاب الموقف خير يا ماما؟ جايبة لنا هدايا العيد ولا إيه؟ مكنش له لزوم المشوار ده. لا هدايا ولا يحزنون.. اسمع يا هاني، إنت لازم تسدد ديني فوراً! دين إيه يا ماما؟ مش فاهم. دين البنك يا بني، أنا في مصيبة ولو مسددتوش هيتحجز عليا!بقلم منال علي تسمر هاني وداليا في مكانهما، وشعر هاني بالخـ . ـوف يتسرب إلى قلبه، وبدأت ملامح الجدية والخـ . ـطر تسيطر على الجلسة.. يتبع….. دين إيه وبنك إيه يا ماما؟ إنتِ بتقولي إيه؟ هاني نطق الجملة وهو حاسس إن الدنيا بتلف بيه، وصدمته خلت السهرة اللي كان مخطط لها تتهد في ثانية. يا ابني دي مبالغ كبيرة.. كبيرة قوي! ردت الأم وهي بتحاول تداري ارتباكها ورا نبرة حازمة. وعملتي بيها إيه؟ ولمين؟ سأل هاني وهو جواه بركان هدوءه قبل العاصفة، لأنه عارف إن والدته مش بتاعة مشاريع ولا تجارة. صدقني يا هاني، لو كان الموضوع في إيدي كنت اتصرفت، بس أنا مديونة للبنك بمبلغ ضخم، والبنك باعت لي إنذارات.. لازم إنت وداليا تتدخلوا وتنقذوني من الحبس! داليا كانت واقفة مذهولة، مريلة المطبخ لسه عليها، وسألت باستنكار يعني إيه يا طنط؟ إحنا مالنا ومال ديون البنك؟ وإنتِ أصلاً سحبتي الفلوس دي ليه؟ سعاد هانم اتنهدت وقعدت في الكرسي وكأنها بتمهد للحكاية الموضوع وما فيه إن صاحبتي، طنط ماجدة مامت صاحبتي مارجريت وقـ . ـعت في فخ نصابين.. حد كلمها وقالها إن بنتها عملت حـ . ـادثة كبيرة وخبطت عربية مسؤول مهم، ومحتاجة مبلغ ضخم فوراً عشان الموضوع يتلم ومـ . ـاتتحبسش.. ماجدة اتجننت وماكنش معاها المبلغ، جريت خدت قرض بفوائد نـ . ـار وحولت الفلوس، وبعدين اكتشفت إن بنتها مارجريت متعرفش حاجة عن الموضوع أصلاً! هاني قاطعها بصوت عالي طيب دي طنط ماجدة واتنصب عليها، إنتِ علاقتك إيه؟! يا ابني ما هي مكنتش عارفة تسدد الفوائد، فقلت أقف جنبها وأرد لها الجميل، سحبت قرض باسمي واديتهولها تسدد بيه جزء من دينها، والبنك ضحك عليا في الفوائد، ودلوقتي أنا اللي محاصرة! داليا لمت إيدها على صدرها وقالت يا خبر أبيض! يعني طنط ماجدة في السليم، وإنتِ اللي لبستي في الحيط؟ طيب وولادها؟ مش هي عندها عماد ونهى؟ عماد ده مش مدير كبير؟ ليه مكلمتوش؟ ماجدة خايفة من عماد، ده شديد جداً ومنبه عليها متكلمش بنتها نهى في مشاكل، ونهى أصلاً تعبانة نفسياً ومش حمل صدمـ . ـات.. فقلنا نحل الموضوع بينا. هاني كان بيتمشى في الصالة زي الأسد المحبوس، وفجأة وقف وبص لأمه يا سلام! يعني ولادها هما اللي بشوات ومينفعش يزعلوا، وإحنا اللي ناكلها في وشنا؟ جاية في ليلة العيد تطلبي مني أسدد دين لغيري وأنا عندي بيت وعيال ومسؤوليات؟ يا ابني دي ديوني أنا دلوقتي! هاني مسك تليفونه بحدة لا يا ماما، اللعبة دي مش هتمشي عليا.. عماد ده صاحبي من زمان وأنا عارف رقمه. في ثانية، هاني اتصل بعماد ابن ماجدة، وحكى له الحكاية من طقطق لسلام عليكم، وبلهجة حاسمة قاله يا عماد، مامتك استلفت من أمي مبلغ عشان تحل مشـ . ـكلة نصابين، ودلوقتي أمي هي اللي مهددة بالحبس.. أنا هسدد فوائد البنك دلوقتي، بس الفلوس اللي مامتك خدتها ترجع لأمي بكرة الصبح، إحنا مش حمل ديون غيرنا. عماد رد بذهول ووعده يحل الموضوع فوراً ويحاسب والدته على السرية اللي خلتهـ . ـم يقعوا في الغلط ده. هاني قفل الخط وبص لوالدته وقالها بنبرة فيها عتاب وتقطيم شفتي يا ماما؟ الموضوع اتحل بكلمة.. بس بعد كده يا ريت تشغلي عقلك قبل ما تلبسينا في حوارات مش بتاعتنا.. إحنا بنحبك، بس مش لدرجة إننا نضيع مستقبل عيالنا عشان منظر قدام صحابك. سعاد هانم قعدت ساكتة ومنكسرة، وداليا بدأت تهدي الجو وتجهز سفرة العيد رغم العكننة اللي حصلت. يا ساتر يا رب.. دي كانت هتبقى سنة سودة لو مالحقناش الموضوع! ده اللي داليا قالته لنفسها وهي بتقدم الشاي لحمـ . ـاتها، وفي الآخر، قضوا السهرة سوا، بس بدرس قاسي لسعاد هانم إن الجدعنة ليها حدود، والأهل أولى بالصراحة.