حين صفعت امى ابني امام مائده العشاء
رفعتُ عيني نحو أمّي ببطء.
أما هي…
فبقيت تحدّق في الأوراق وكأنها ترى كارثة أمامها.
وحين قالت الأخصائية:
خاصة في حال وجود أي إساءة أو إهمال مثبت تجاه الطفل…
انتقلت عيناها مباشرة إلى خدّ ريان المتورم.
ساد الصمت.
ذلك النوع من الصمت الذي يجعل صوت الأنفاس ثقيلًا داخل الغرفة.
قالت سميرة بسرعة:
هذا غير صحيح!
لكن صوتها كان يرتجف بطريقة جعلت كلماتها تبدو أضعف من أن يصدقها أحد.
أما أمّي…
فلم تقل شيئًا.
فقط بقيت تنظر إلى الملف وكأن الماضي كله خرج دفعة واحدة أمامها.
وفجأة تذكّرت مفتاح الـUSB داخل حقيبة ريان.
أخرجته ببطء.
كانت يدي ترتجف.
ثم طلبت تشغيله على التلفاز.
لم يتحرك أحد.
حتى ياسين…
الطفل الذي كانت العائلة كلها تدلله…
كان ينظر إلى السيارة الحمراء على الأرض بخوف غريب، وكأنه بدأ يفهم أن الأمر لم يعد مجرد شجار عائلي.
ظهر مراد على الشاشة.
أضعف مما أتذكر.
أنحف.
لكن عيناه بقيتا كما هما.
دافئتين.
قال بصوت هادئ:
إذا كنتِ تشاهدين هذا يا نادية… فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا بجانبكِ.
وضعتُ يدي فوق فمي فورًا.
شعرتُ بأن قلبي يتمزق من الداخل.
أكمل:
أعرف أن أمّك وسميرة تحاولان معرفة كل تفاصيل التأمين والمبلغ الذي تركته لريان… لذلك وضعت كل شيء بطريقة قانونية حتى لا يضيع حقه.
خفض زوج أختي رأسه فورًا.
وفي تلك اللحظة فقط…
فهمتُ أنه كان يعرف جزءًا من الحقيقة طوال الوقت.
لكنه اختار الصمت.
مثل الجميع.
تابع مراد:
لم أرد حرمانهم من البيت، لأنني كنت أعرف أنكِ لن تتحملي رؤية أمّك في الشارع… لكنني أيضًا لم أكن مرتاحًا لما يحدث حول ريان.
ثم ظهرت ورقة موقعة من أمّي على الشاشة.
اسمها الكامل.
وتوقيعها الواضح.
وكانت الوثيقة تؤكد أنها استلمت مبالغ شهرية مخصصة لمصاريف ريان، مقابل التزامها بعدم حرمانه منها أو التصرف فيها لمصلحتها الشخصية.
أطلقت أمّي صوتًا مختنقًا وهي تتمتم:
رحمه الله… كان يشك في الجميع…
لكن أحدًا هذه المرة لم يوافقها.
أكمل مراد داخل التسجيل:
إذا شعرتِ يومًا أن ريان غير آمن داخل هذا البيت… خذيه وارفعي رأسكِ، لأن حقه محفوظ، وأنتِ لستِ ضعيفة كما يجعلونكِ تظنين.
شعرتُ بالغثيان.
ليس بسبب المال.
بل لأنني تذكرت كل ليلة عاد فيها ريان يبكي لأنه يريد حليب الشوكولاتة ولم أكن أملك ثمنه.
تذكرت حذاءه الرياضي الممزق.