الملياردير ضحك باستهزاء
الصمت نزل على قاعة الاجتماعات زي حجر تقيل.
مراد كان لسه مبتسم نص ابتسامة، مستني أي صوت عادي يطلع من السماعة لكن أول ما سمع الجملة الأولى، ضحكته ماتت.
الصوت كان خشن، هادي، ومليان سلطة مدام سعاد؟ حضرتك وصلتي الاجتماع؟
ستوتة ردت بمنتهى الهدوء أيوه يا فندم بس الأستاذ مراد بيقول إني تايهة.
وفي ثانية
وش مراد فقد لونه.
لأن الصوت اللي على الخط كان صوت المستشار فؤاد السيوفي رئيس هيئة الاستثمار، والراجل اللي مجرد ذكر اسمه بيخلي شركات كاملة تقعف ترتب نفسها.
كل اللي في القاعة اتعدلوا في قعدتهم فجأة.
أما مراد
فبلع ريقه بصعوبة.
المستشار كمل بصوت حاد الأستاذ مراد موجود؟
مراد حاول يتكلم بثبات أ أيوه يا فندم.
واضح إنك متعرفش مين اللي قاعد قدامك.
مراد بص ناحية الست العجوزة
أول مرة يبص لها بتركيز.
ولأول مرة يلاحظ إن هدوءها مش ضعف.
كان هيبة.
المستشار قال بوضوح الست اللي حضرتك بتتكلم عنها بالشكل ده هي المالكة الأساسية لشركة كريج.
القاعة
كلها شهقت.
واحد من المحامين وقع القلم من إيده.
مراد رمش بسرعة إزاي؟!
ستوتة قفلت الموبايل بهدوء.
وبعدين فتحت شنطتها القديمة
طلعت ملف بني قديم، وحطته قدامه.
عشان الورق ساعات بيشرح أحسن من الكلام.
مراد فتح الملف بإيد بتترعش.
كل ورقة كانت ضربة.
عقود.
أسهم.
توكيلات.
ختم رسمي باسم سعاد عبد الرحيم كريج.
الاسم ضربه زي الصاعقة.
كريج.
اسم الشركة نفسه.
الست العجوزة دي مش موظفة.
دي المؤسسة الحقيقية.
واحد من أعضاء المجلس همس بذهول حضرتك أنتي صاحبة الشركة؟!
ستوتة ابتسمت ابتسامة صغيرة كنت صاحبتها قبل ما الناس تنسى إن الشركات الكبيرة بيبنيها تعب ناس بسيطة.
مراد حاول يستعيد توازنه أكيد فيه سوء تفاهم إحنا كنا فاكرين
قاطعته بهدوء إن اللي لابس بسيط يبقى فقير؟
سكت.
لأول مرة في حياته
مراد ملقاش رد.
ستوتة سندت ضهرها للكرسي وقالت أنا بدأت الشركة دي من أوضة فوق السطوح سنة 1993 كنت بلف على المصانع بأتوبيسات النقل، وجوزي الله يرحمه كان بيكتب الحسابات على ورق الكشاكيل.
الكل ساكت.
حتى صوت التكييف بقى مسموع.
ولما الشركة كبرت، سبت الإدارة للناس المتعلمة والشيك لأن صحتي تعبت، ولأن ابني مات ومبقاش ليا نفس للحرب.
عينيها لمعت للحظة
لكنها تماسكت.
بس عمري ما بعت سهم واحد.
مراد حس إن الكرسي بيغرق تحته.
لأن معنى كلامها واضح.
هي تملك الحصة الأكبر.
يعني
هي تقدر تمنع الصفقة كلها.
مراد حاول يضحك بتوتر يا مدام سعاد أكيد سوء التفاهم اللي حصل ميستاهلش
رفعت إيدها توقفه.
لأ. يستاهل.
وبعدين بصت لكل اللي في القاعة وقالت عارفين ليه أنا جيت النهاردة بالفستان ده؟
محدش رد.
قالت عشان أشوف الناس هتشوفني إزاي من غير فلوسي.
لفت نظرها ناحية مراد وأنت يا أستاذ مراد سقطت أسرع واحد.
واحدة من الموظفات وطت راسها بخجل.
ورجالة الأعمال اللي كانوا بيتجاهلوها من ساعة ما دخلت بدأوا يتهربوا من نظراتها.
مراد حاول يتماسك إحنا ممكن نبدأ من جديد.
ستوتة ضحكت أخيراً
ضحكة قصيرة لكنها موجوعة.
من جديد؟
سكتت ثواني وبعدين قالت إنت عارف أكتر حاجة خطيرة في الغرور إيه يا مراد؟ إنه بيخليك تهين الشخص الغلط وأنت فاكر نفسك قوي.
وبعدين قامت من مكانها ببطء.
القاعة كلها وقفت تلقائي.
مش خوف من فلوسها
هيبة منها.
لمّت الورق في الشنطة القديمة.
وقالت بمنتهى الثبات الصفقة اترفعت من على الترابيزة.
مراد اتخض يعني إيه؟!
بصت له مباشرة يعني شركتي مش للبيع.
وشه شحب بالكامل.
لأن الصفقة دي كانت أساس مشروع ضخم، والبنوك مستنية توقيعه، والمستثمرين داخلين بفلوس بالمليارات.
ولو الصفقة وقعت
إمبراطوريته هتتهز.
جري وراها لحد باب القاعة مدام سعاد! أرجوكي خلينا نتكلم بعقلانية.
وقفت.
لكن من غير ما تبص له.
وقالت العقلانية تبدأ بالاحترام.
ونزلت في الأسانسير.
وسابت وراها قاعة كاملة غرقانة صمت.
بعد يومين
الصحف الاقتصادية كلها كانت بتنشر خبر واحد
شركة كريج تعلن شراكة مفاجئة مع مجموعة عالمية منافسة لشركة مراد.
أسهم شركة مراد نزلت بشكل مرعب.
والمستثمرين بدأوا ينسحبوا.
أما ستوتة
فكانت قاعدة في شقتها القديمة الصغيرة، بتسقي زرع البلكونة بنفس الإزازة البلاستيك اللي بتستعملها من سنين.
الجيران فاكرينها مجرد ست طيبة وبسيطة.
ومحدش يعرف
إن الست اللي بيقولوا عليها الحاجة سعاد
قدرت في يوم واحد بس
تعلم ملياردير كامل إن قيمة الإنسان عمرها ما كانت في بدلته ولا في سعر ساعته.
لكن في أخلاقه.
النهاية.