ابوس ايديك
أبوس إيدك والنبي ما تحرقنيش تاني! رجع البيت قبل ميعاد سفرية شغل، وسمع صوت واطي بيتوسل واللي شافه فوق خلّى حياته كلها تتقلب!
أب رجع بيته واكتشف الحقيقة اللي ما كانش يتخيلها!
كان الصوت ضعيف أوي، بالعافية بيتسمع، وبيشق سكون البيت الهادي كأنه سر مرعب بيحاول يستخبى عن عيون الناس.
أرجوكي والنبي ما تحرقنيش تاني! والله هسمع الكلام ومش هعمل كده تاني!
وقف دانيال كارتر فجأة في نص السلم.
بقاله تلات أيام حاسس إن فيه حاجة غلط، إحساس غريب قاعد ينهش في قلبه ومش عارف له سبب. حتى اجتماعات الشغل اللي خلصها بنجاح في لندن، ولا كوباية النبيذ اللي قدموهاله في الطيارة وهو راجع، قدروا يخلّصوه من الإحساس ده.
عشان كده قرر يرجع من سفره قبل ميعاده، من غير ما يكون عنده سبب واضح يبرر قراره.
كل اللي قاله لسواق التاكسي وهو راجع كان
على كمبوند ريدجوود، لو سمحت.
ونزل من العربية وهو لسه ماسك شنطة شغله المفتوحة، وكأن قلبه كان بيجري بيه قبل رجليه.
لكن أول ما سمع الهمس ده، فهم أخيرًا إن اللي كان حاسس بيه مش مجرد قلق.
ده كان إحساس أب وإنذار جواه بيقوله إن ابنه في خطر!
طلع باقي السلم بخطوات سريعة، درجتين في كل خطوة، وهو بيتتبع مصدر الصوت لحد ما وصل لباب أوضة الغسيل.
زق الباب وفتحه
وفي اللحظة دي، العالم اللي بناه طول سنين بالتعب والانضباط والنجاح، واللي ضحّى عشانه بوقت طويل بعيد عن بيته، اتهز تحت رجليه، كأن الأرض نفسها اتسحبت من تحته.
ابنه إيفان، اللي عنده تسع سنين، كان لازق في الحيطة، ورافع التيشيرت بتاعه لفوق، وكتافه بتترعش من الخوف.
وعلى بُعد سنتيمترات قليلة من جسمه، كانت كلير، مراته اللي متجوزها بقاله سنة واحدة بس، واقفة وماسكة مكواة سخنة وبيطلع منها بخار، وإيديها المتزينة بعناية ثابتة كأنها بتعمل حاجة عادية جدًا!
دانيال ما صرخش على طول.
ما اتحركش حتى في أول ثانية.
كل اللي عمله إنه وقف مكانه، وعينيه بتتنقل بين ابنه ومراته، وعقله بيحاول يستوعب المشهد اللي قدامه.
وبعدين، بدأ يلاحظ حاجة
حاجة خلّت الدم يتجمد في عروقه، وخَلَّته يدرك إن اللي شافه في اللحظة دي مش مجرد تصرف وحشي من ست فقدت أعصابها.
دي كانت بداية اكتشاف سر مرعب مستخبي جوه بيته سر كان ممكن يدمّر حياة ابنه للأبد!
اللي شافه دانيال بعد كده كان أبشع بكتير مما تخيّل
أبوس إيدك، ما تحرقنيش تاني! رجع الأب من سفره قبل ميعاده، واللي اكتشفه في أوضة الغسيل كشف سرًّا مرعبًا كانت مراته مخبياه عنه!
دانيال كارتر ما كانش قادر يصدق اللي عينيه شايفاه.
ابنه إيفان، اللي عنده تسع سنين، واقف في ركن أوضة الغسيل، جسمه بيترعش، وعينيه مليانة دموع، بينما كلير، مراته اللي بقاله سنة متجوزها، ماسكة مكواة سخنة وقرباها من جسم الطفل.
لكن أكتر حاجة خوّفته ما كانتش المكواة نفسها.
كانت نظرة ابنه.
إيفان ما بصّش لأبوه برجاء إنه ينقذه، زي أي طفل طبيعي يشوف أبوه داخل عليه فجأة.
لأ.
الولد بصّ له برعب، وكأنه خايف إن دانيال نفسه يكون جاي يعاقبه.
وبعدين همس بصوت مكسور
بابا أنا آسف. والله ما قلت لحد. أنا ما عملتش حاجة غلط.
الكلمات دي كانت كفاية إنها تخلّي دانيال يحس إن قلبه اتعصر بين ضلوعه.
نقل عينيه لكلير.
كانت واقفة مكانها، والمكواة لسه في إيدها، لكن ملامحها اتغيّرت في ثانية. الست الهادية الأنيقة اللي كانت بتستقبله كل ليلة على مكالمات الفيديو بابتسامة رقيقة، اختفت، وظهر مكانها وش بارد ومتوتر.
قالت بسرعة
دانيال! إنت رجعت إمتى؟ استنى، الموضوع مش زي ما إنت فاهم!
دانيال مد إيده وأشار للمكواة.
حطيها على الأرض.
اسمعني الأول، أنا كنت…
صرخ فيها لأول مرة في حياته
قلت حطيها على الأرض!
كلير شهقت، والمكواة وقعت من إيدها على الأرض.
دانيال جري ناحية ابنه، وخلع الجاكيت بتاعه ولفّه حوالين كتافه، وبعدين ركع قدامه عشان يبقى في نفس مستوى عينيه.
إيفان، بص لي يا حبيبي. أنا هنا. محدش هيقرب منك تاني. سامعني؟
لكن إيفان ما جريش
فضل واقف مكانه، وبيترعش.
وبعد لحظات، سأل سؤالًا خلّى دانيال يحس إن كل حاجة في حياته كانت كذبة
بابا إنت هتسافر تاني بكرة؟ ولا هتسيبني معاها؟
دانيال حس إن نفسه اتقطع.
كان ابنه عارف إن أبوه هيسافر كتير، لكنه ما تخيّلش يومًا إن الولد ممكن يكون عايش في البيت نفسه في رعب بالشكل ده.
شاله بين دراعيه، وخرج بيه من الأوضة، من غير ما يبص لكلير حتى.
لكن وهو نازل السلم، سمعها بتقول بنبرة هادية بشكل مرعب
دانيال، لو أخدته من هنا دلوقتي، هتندم. إنت مش فاهم هو بيعمل إيه لما بتكون مش موجود.
وقف دانيال.
ولأول مرة، بصّ لها من فوق كتفه.
لو قربتي من ابني تاني، هتتمني إنك ما عرفتيش اسمي أصلًا.
وخرج.
لكنه ما كانش يعرف إن دي كانت مجرد أول طبقة من كذبة كبيرة.
وإن أخطر سر في البيت ده ما كانش مخبّي في أوضة الغسيل
كان مخبّي جوه أوضة ابنه.
الفصل الأول الولد اللي كان بيخاف ينام
دانيال ما راحش المستشفى الحكومي القريب، ولا رجع البيت عشان يواجه كلير من جديد.
ركب عربيته، واتجه لأقرب مستشفى خاص، وهو قاعد في الكنبة الخلفية جنب ابنه، حاضنه ورافض يسيبه.
طوال الطريق، إيفان ما نطقش بكلمة واحدة.
كان ماسك كم قميص أبوه بإيده الصغيرة، وكل ما العربية تهدي عند إشارة، يرفع عينيه ويبص من الشباك، كأنه متوقع يشوف كلير بتجري وراهم.
في المستشفى، الدكتور فحصه بهدوء، وطلب وجود أخصائي لحماية الطفل، وبدأ يسجل الملاحظات الطبية اللازمة.
كانت فيه إصابات وآثار حروق قديمة وحديثة تستدعي التحقيق، لكن الدكتور ما استعجلش في استنتاج أي حاجة قبل ما يكتمل الفحص.
بعد شوية، خرج لدانيال وقال له
ابنك محتاج رعاية وهدوء، والأهم إنه يحس إنه في أمان. فيه آثار إصابات مش هينفع نتجاهلها، ولازم نعرف حصلت إزاي. الأفضل كمان إننا نبلّغ الجهات المختصة عشان تحميه.
دانيال هز راسه، وهو مش قادر يتكلم.
كان رجل أعمال ناجح، عنده شركات واستثمارات وعلاقات مع ناس كتير، وكان فاكر إن الفلوس والبيت الكبير والمدارس الغالية كفاية عشان يضمنوا لابنه حياة سعيدة.
لكن ابنه كان بيتعذب وهو مش واخد باله.
بعد ما الدكتور سمح له يقعد مع إيفان، دخل الأوضة ولقاه قاعد على السرير، حاضن مخدة صغيرة.
دانيال قعد جنبه.
إيفان، أنا محتاج أسألك كام سؤال، بس مش هزعق لك، ومش هعاقبك مهما قلت. اتفقنا؟
الولد فضل ساكت.
هي كانت بتعمل فيك كده من إمتى يا حبيبي؟
إيفان بلع ريقه، وبص ناحية الباب.
من بعد ما إنت سافرت أول مرة بعد الفرح.
دانيال حس بصدمة.
يعني من شهور؟
هز إيفان راسه.
في الأول كانت بتزعق لي عشان حاجات صغيرة. لو وقعت كباية، لو نسيت أقفل النور، لو صحيت بالليل وناديت عليك. بعدين قالت لي إنك تعبت من مشاكلي، وإنك اتجوزتها عشان هي تعرف تخليني ولد كويس.
دانيال غمّض عينيه بألم.
مراته كانت عارفة بالضبط إيه أكتر حاجة بتوجع طفل فقد أمه بدري خوفه إن أبوه كمان يزهق منه ويسيب له الدنيا.
إيفان كمل
قالت لي لو حكيت لك، هتقول