دفنا ابويا وامي

دفنّا أبويا وأمي من كام ساعة بس، ولسه ريحة التراب عالقة في هدومي لقيت خطيبي كريم بيبصلي في عيني ويقول بكل برود
سيبي إخواتك التوأم في دار رعاية ونبيع البيت ونستخدم فلوس التأمين في فرحنا.
افتكر إني هنهار.
افتكر إني هعيط وأترجاه مايسيبنيش.
لكن اللي عملته كان آخر حاجة ممكن يتوقعها.
بلعت القرف اللي جوايا، وبصيتله بابتسامة هادية وقلت
عندك حق هعمل بالظبط اللي إنت عايزه.
وشه نور، وافتكر إنه كسب.
بس هو ماكانش يعرف إن عندي شرط واحد بس
شرط واحد خلّى الابتسامة تختفي من على وشه، والدم ينسحب منه، والخوف يظهر في عينيه لأول مرة.
بس قبل ما أحكيلكم إيه كان الشرط لازم تعرفوا إزاي وصلنا للحظة دي.
أنا وكريم كنا مع بعض من أيام الثانوية.
كبرنا سوا، دخلنا الجامعة سوا، عدّينا أول شغلانة لينا، وأول أزمة، وأول مرة حسينا إننا خلاص بقينا مسؤولين عن نفسنا.
كنت فاكرة إن مهما الدنيا حصل فيها، إحنا الاتنين هنفضل واقفين جنب بعض.
وبعد التخرج، كريم فاجأني بخاتم الخطوبة.
لبسته وأنا مصدقة إني أخيرًا بدأت الحياة اللي كنت بحلم بيها.
لكن بعد فترة قصيرة، جالي اتصال قلب حياتي كلها.
كان صوت ظابط على الناحية التانية من التليفون، بيتكلم معايا بهدوء غريب
أنا آسف جدًا والدك ووالدتك اتوفوا في حادثة عربية. الوفاة كانت في الحال.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
لكن اللي قاله بعدها كان أصعب من أي حاجة سمعتها في حياتي
إخواتك التوأم كانوا معاهم في العربية.
الولدين عندهم خمس سنين بس.
نجوا لكن كانوا مصابين ومرعوبين.
في لحظة واحدة، خسروا أبوهم وأمهم وبيتهم والأمان الوحيد اللي كانوا يعرفوه.
ولما الأخصائية الاجتماعية سألتني
في حد من العيلة يقدر يتكفل بيهم؟
مافكرتش حتى ثانية.
وقعت على أوراق الوصاية المؤقتة فورًا.
دول إخواتي.
ومفيش حد تاني هيحميهم.
عندي 22 سنة، وفجأة ما بقيتش مجرد أخت كبيرة.
بقيت أم بالنسبة لهم.
بقيت المسؤولة عنهم، والحائط اللي المفروض يحميهم، وآخر شخص في الدنيا يقدروا يعتمدوا عليه.
كنت غرقانة في حزني على أبويا وأمي، لكن كان عندي حاجة واحدة مطمناني
كنت متأكدة إن كريم هيكون جنبي.
لكنني كنت مخدوعة فيه.
لأن المأساة دي ما كشفتش قد إيه علاقتنا كانت قوية
كشفتلي هو كان إيه فعلًا.
في نفس الليلة، وإخواتي نايمين في المستشفى، خرجت أدور عليه.
ولقيته واقف لوحده في طرقة المستشفى بيتكلم في التليفون مع أمه.
وقفت بعيد من غير ما يحس بيا.
وسمعتهم بيتكلموا عن مصاريف الفرح، والقاعة، والأكل، والحجوزات.
لحد ما كريم قال جملة خلتني أحس إن قلبي اتكسر للمرة التانية في نفس اليوم.
لو دخلنا الولدين دار رعاية، هيبقى معاها فلوس التأمين والميراث ونقدر نبيع البيت كمان.
صوت أمه رد عليه، لكنه كمل بمنتهى البرود
ساعتها نقدر نعيش الحياة اللي كنا مخططين لها، بدل ما نفضل شايلين أخطاء أهلها.
أخطاء أهلها؟
كان بيتكلم عن طفلين عندهم خمس سنين.
طفلين لسه فاقدين أبوهم وأمهم، ونايمين في مستشفى مش فاهمين أصلًا ليه حياتهم اتقلبت بالشكل ده.
بعد كام يوم، ما اكتفاش إنه يتكلم ورا ضهري.
واجهني بنفسه وقال
أنا مش هضيّع مستقبلي عشان طفلين مش ولادي.
وبعدين رمى كلامه قدامي كأنه بيتكلم عن حاجتين مالهمش قيمة
دخليهم دار رعاية ونبيع البيت. يا إما كده، يا إما نلغي الجواز.
وقتها حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
الشخص اللي قضيت معاه سنين
الشخص اللي كنت فاكرة إنه هيحميني ويحمي عيلتي
كان واقف قدامي بيحسب قيمة إخواتي بالفلوس.
ماكانش بيحزن على موت أبويا وأمي.
كان بيفكر هو هيطلع من موتهم بكام.
وكان مستعد يرمي طفلين مكسورين في دار رعاية عشان يضمن فرحه وحياته المريحة.
كان نفسي أخلع الدبلة في وشه.
كان نفسي أرميها في الأرض وأقوله يخرج من حياتي للأبد.
لكنني سكت.
لأنني فهمت حاجة مهمة جدًا
لو سيبته ومشيت بس، هيخرج من حياتي وخلاص، وهيعيش كأنه ماعملش حاجة.
وأنا ماكنتش عايزة ده يحصل.
فبلعت كل الغضب اللي جوايا، وغيّرت ملامح وشي، وابتسمت له بهدوء.
وقلت
حاضر.
اتصدم.
حاضر إيه؟
بصيتله وقلت
عندك حق هعمل بالظبط اللي إنت طلبته.
في اللحظة دي، شفت الراحة على وشه.
ابتسم وقال
كنت عارف إنك في الآخر هتعقلي.
هزيت راسي ببطء.
وبعدين قلتله
بس عندي شرط واحد.
ابتسامته اختفت.
شرط إيه؟
قربت منه خطوة، وبصيت في عينيه وأنا لأول مرة مش حاسة بأي خوف منه.
وقلت
البيت
سكت لحظة، وبعدين كملت
شرطي إنك تيجي معايا بكرة الصبح على مكتب المحامي.
كريم عقد حواجبه.
محامي إيه؟
محامي أبويا.
اتغيرت ملامحه فورًا.
وليه؟
ابتسمت.
عشان نبيع البيت.
سكت.
وبعدين قال
طب ما نبيع وخلاص؟ إيه لازمة المحامي؟
قربت منه وقلت
لأن البيت مش باسمي لوحدي.
وشه اصفر.
يعني إيه؟
يعني أبويا كان عامل حساب كل حاجة قبل ما يموت.
ما استنيتش رده، وكملت
البيت مسجل باسم إخواتي التوأم.
اتسمر مكانه.
مستحيل.
بالعكس.
طلعت من شنطتي ورقة كنت استلمتها من المحامي قبل يومين.
أبويا نقل ملكية البيت ليهم من سنة.
مد إيده ياخد الورقة، لكنني سحبتها.
ولسه فيه حاجة أهم.
سألني بعصبية
إيه؟
أي حد يحاول يبيع البيت أو يتصرف فيه قبل ما الولدين يتموا السن القانوني، لازم يرجع للمحكمة والوصاية القانونية.
بلع ريقه.
وبصوت واطي قال
يعني مفيش بيع؟
ابتسمت.
بالضبط.
وقتها فهمت ليه كان مستعجل.
هو ماكانش عايز البيت عشان يعيش فيه معايا.
كان عايز قيمته.
وكان فاكر إني، بعد موت أهلي، هكون مكسورة لدرجة إني أمضي على أي حاجة يحطها قدامي.
لكن كان فيه شيء ما يعرفوش.
أبويا كان أذكى منه.
وفي صباح اليوم التالي، رحت مكتب المحامي.
كريم جه معايا.
وأول ما دخلنا، المحامي بص له فترة طويلة، وبعدين قال
أنت كريم؟
رد بتوتر
أيوه.
فتح ملف كبير قدامه.
والد الآنسة ترك تعليمات واضحة قبل وفاته.
بصيت للمحامي.
تعليمات إيه؟
قال
والدك كان شاكك إن في شخص قريب من العيلة بيحاول يستغل ثقة الأسرة عشان يوصل لممتلكاتهم.
قلبي دق بسرعة.
مين؟
المحامي ما ردش.
بدل كده، حط ظرف قدامي.
قال إنك لما تعرفي الشخص ده بنفسك، ساعتها افتحي

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *