سيده القصور والرماد شروق خااد
“المشاريع الصغيرة لا تصنع إمبراطوريات يا فريدة. الطريق ما زال مفتوحاً للعودة.”
ابتسمت بهدوء، وأخذت الرسالة دون أن أفتح الزهور، ثم أعدتها إلى الرجل وقُلت له بنبرة واثقة:
“أخبر سليم أنني لم أعد أبحث عن إمبراطوريات يملكها غيري. أنا هنا لأبني حياتي الخاصة، وهي أكبر بكثير من كل ما يملكه.”
خرج الرجل، وأكملت أُمسيتي بين ناس يدركون قيمتي الحقيقية، لا قيمتي كمكمل لديكور بنتهاوس الزمالك.
مرت السنوات، واستعادت حياتي توازنها الكامل. أجريت جراحة القلب بنجاح، وتابعت صحتي بهدوء، وأصبح لدي العمل الذي أعشقه والحرية التي حرمت منها لـ 14 عاماً.
أما سليم، فقد استمر في مطاردة صفقاته وملايينه، وانتهت علاقته بنادين بعد أشهر قليلة حين أدرك أن ما كان بينهما لم يكن سوى وهمٍ آخر.
وفي كل مرة يسألني أحد عن سر التحول في حياتي، أكتفي بالقول:
“أحياناً تكون أكبر خسارة تعرضت لها في حياتك هي البداية الحقيقية لامتلاك نفسك.”
وحين أراجع سنوات عمري الآن، أدرك أن أثمن درس تعلمته لم يكن كيف أنتقم، ولا كيف أسترد حقوقي بالقانون والمال، بل كيف أستعيد نفسي من بين أطلال حياة عشتها أرضاً لغيري.
الملايين التي تركناها خلفنا، والأسهم التي تتراقص في البورصة، والقصور التي تحرسها بوابات حديدية، كلها تبدو باهتة وخاوية أمام ليلة واحدة تنام فيها مرتاح البال، بلا خوف من غدر، وبلا حاجة لتبرير الغياب.
اليوم، حين أجلس على شرفتي في التجمع الخامس، ومع فنجان قهوة الصباح الذي أعده بنفسي، أنظر إلى هدوء الشارع أمامي ولا أشعر برغبة في الالتفات للوراء. لم أعد تلك الزوجة المهملة التي تنتظر على مائدة من اثني عشر كرسياً وهمياً، بل أصبحت امرأة كاملة، متكاملة، لا يعرّفها اسم رجل، ولا تحدّها ثروة أحد.
إنها ليست مجرد قصة امرأة غادرت منزل زوجها الملياردير، بل هي حكاية كل امرأة أدركت متأهبة أن كرامتها وسلامها النفسي هما الثمين الوحيد الذي لا يقدر بمال، وأن الحياة تبدأ حقاً، في اللحظة التي تقرر فيها أن تكتفي بذاتها.
لكن الحياة لها طريقتها الخاصة في كتابة الفصول الأخيرة، فالفصول الحقيقية لا تنتهي بانتهاء العلاقات، بل تبدأ منها.
بعد مرور خمس سنوات على تلك الليلة التي تركت فيها دوبلكس الزمالك خلفي، تحولت شركتي الصغيرة “المستقبل للاستثمار وتنمية الأصول” إلى واحدة من أبرز المؤسسات الناشئة في السوق المصري، ليس فقط بحجم استثماراتها، بل بنموذج عملها الفريد الذي يعتمد على تمكين رائدات الأعمال وصغار المستثمرين، بعيداً عن احتكار الحيتان وكبار الرأسماليين.
وفي أحد الأيام، وأنا أتابع التقارير المالية لشركتنا، وصلني تقرير خاص عن صفقة استحواذ كبرى تهز السوق الاقتصادي المصري. شركة “المنشاوي جروب” تتعرض لأزمة مالية طاحنة خانقة؛ بسبب استثمارات غير محسوبة في مشاريع عقارية بالخارج وتراجع حاد في قيمة أسهمها بعد فضائح مالية وسوء إدارة طال أركانها.
لم أشعر بالشماتة، ولا حتى بالرغبة في المتابعة، لكن الصدفة وحدها لعبت دورها حين أشار المدير المالي لشركتي إلى أن “المنشاوي جروب” تبحث عن شريك استراتيجي أو مستثمر رئيسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إمبراطوريتها المنهارة.
في ذات الأسبوع، وردني اتصال هاتفي من رقم مألوف لم يسمع صوته منذ سنوات. تردد طويلاً قبل أن يتحدث، وكان صوته يحمل ثقل السنين والانكسار:
“فريدة… هل يمكنكِ تخصيص خمس دقائق من وقتكِ للاستماع إليّ؟”
لم أتردد، ولم أقفل الخط في وجهه كما كنت أفعل في البداية. أجبت بهدوء بالغ، وبنبرة خالية من أي ضغينة:
“تفضل يا سليم.. أنا أسمعك.”
تحدث بصوت خفت منه كل غرور الماضي:
“العرض الذي تقدمه شركتكِ لشراء أصول قطاع الإنشاءات لدينا.. هل هو جاد؟”
نظرت من نافذة مكتبي الواسعة في التجمع الخامس، حيث كانت شمس الظهيرة تسطع بوضوح على مقر شركتي الذي بنيته بجهدي وخاصتي، وأجبته بكلمات معدودة ومحسوبة:
“العروض التجارية في شركتي لا تبنى على العواطف يا سليم، بل تبنى على الجدوى والأرقام. وإن كان عرضنا مناسباً للسوق، فسنمضي فيه كأي صفقة عمل بحتة.”
صمت طويلاً على الطرف الآخر، صمت كان يكفي ليلخص انهيار إمبراطورية كاملة وبداية وعي متأخر لرجل أدرك أخيراً أن المال وحده لا يمكنه شراء الاحترام ولا الاحتواء.
أغلقت الهاتف، وعدت إلى ملفات العمل أمامي. لم أعد تلك المرأة التي تنتظر التفاتة من رجل لا يرى سوى نفسه. أصبحت أنا السوق، وأنا القرار، وأنا الملاذ الآمن لنفسي ومن حولها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”