سيده القصور والرماد شروق خااد
جلس سليم على أريكة الجلد الطبيعي في غرفة المعيشة، ويداه تمسكان بتلك الورقة المكتوبة بخط يدي، بينما كانت عيناه تتحركان بين خاتم الزفاف الملقى بعناية، والبطاقة السوداء التي تمنحه قدرة مطلقة على الشراء، وإيصال القلادة الذي تحمل حروفه الباهتة اسم نادين. لأول مرة منذ تأسيس إمبراطوريته، شعر بأن هناك شيئاً خرج نهائياً عن سيطرته، شيئاً لا يمكن لأمر إداري أو شيك بنكي أن يعيده إلى مكانه.
وفي تلك الأثناء، كنت أستيقظ على صوت شروق الشمس الهادئ في شقتي الصغيرة بالتجمع الخامس. لم يكن هناك حراس شخصيون، ولا خدم ينتظرون إشارة بيدي، ولا طائرات خاصة تنتظر على المدرج. كان هناك فقط فنجان قهوة عربي أعددته بنفسي، وصمت خفيف يملأ المكان، وشعور حقيقي بالخفة لم أعرفه طوال سنين زواجي الأربع عشرة.
على مدار الأسابيع التالية، تحركت آلة سليم المنشاوي الأمنية والقانونية بكل قوتها للبحث عني. استعان بأفضل المحققين الخاصين، وفحص كاميرات المراقبة، وراقب أرصدة البنوك القديمة، لكن كل خيط قاده إلى طريق مسدود. لقد استغلت عشرة كاملة من الشهور لأدرس خطواتي بعناية، وبنيت ملاذي الآمن بهوية مستقلة تماماً عن اسم المنشاوي. لم تكن مجرد هربة عابرة، بل كانت إعادة ولادة كاملة لامرأة قررت أن تكون بطلة قصتها لا مجرد رقم في حياة رجل أناني.
وفي إحدى الأمسيات، وردني اتصال من رقم غريب. فتحت الخط، فجاء صوت سليم مكسوراً ومتعباً، يخلو من أي غرور أو تعجرف:
“أرجوكِ… عودي يا فريدة. كل ما تطلبينه سيكون بين يديكِ، لا يمكنني الاستمرار هكذا.”
نظرت من نافذتي إلى الشارع الهادئ، وابتسمت بهدوء، ثم أجبته بصوت ثابت وواضح:
“أنت لست بحاجة إليّ يا سليم، أنت فقط بحاجة لمن يدير صورتك أمام الناس. أما أنا، فقد بدأت للتو عيش حياتي الحقيقية.”
أغلقت الهاتف نهائيًا، ووضعت الجهاز في درج المكتب، وخرجت لأستنشق نسيم الهواء الطلق، واثقة تماماً أنني لم أترك خلفي شيئاً أندم عليه.
لكن مغادرتي لم تكن تعني أنني أنوي الاختفاء في الظل إلى الأبد؛ كانت تلك مجرد استراحة محارب لألملم بها جراحي وأستعيد ذاتي. بعد شهرين من تلك المكالمة، وفي الوقت الذي بدأ فيه سليم يدرك أن إمبراطوريته المالية عاجزة عن إعادتي، بدأت خطوتي الثانية والأكثر أهمية.
محاميّ في وسط البلد لم يكن مجرد رجل قانون عادي، بل كان خبيراً في صفقات الشركات الكبرى وثغراتها، وهو الشخص الوحيد الذي عرف كيف يحميني قانونياً طوال شهور التحضير. من خلال الوثائق التي جمعتها طوال سنوات زواجي، وتلك الثغرات القانونية التي غفل عنها فريق سليم القانوني لانشغالهم بالغرور، قدمنا طعناً قانونياً ودعوى قضائية شاملة للحصول على حقوقي الكاملة وتسوية مالية تليق بسنوات عمري التي أهدرتها بجانبه، بل وتأسيس شركة مستقلة تماماً تمولها أصولي الخاصة وأرباح الأسهم التي حوّلتها بذكاء قبل سفره إلى دبي.
وفي أحد الصباحات، وصل إشعار رسمي وموثق إلى المقر الرئيسي لـ “المنشاوي جروب”.
لم يكن طلباً للصلح، ولا رسالة عاطفية، بل كان أمر حضور جلسة قضائية عاجلة بتهمة التلاعب المالي وإخفاء أصول مشتركة، مرفقاً به شروط طلاقي التي أمليتها بنفسي، والتي تضمنت التنازل عن نسب معينة من أسهم الشركة لصالح صندوق خيرية باسم والدتي، وامتلاك دوبلكس الزمالك بشكل كامل وخالٍ من أي ديون.
تلقيت اتصالاً من سليم بعد ساعات قليلة من استلامه للورقة، وكان صوته يغلي غضباً وصدمة:
“هل جننتِ يا فريدة؟ هل تخوضين حرباً علنية ضدي؟ أتعرفين ما يعنيه هذا لسهم الشركة ولأسامي في السوق؟!”
أجبتُه ببرود تام، وأنا أنظر إلى أوراق مشروعي الجديد الذي بدأت في تنفيذه:
“أنت من علمتني يا سليم أن الرجال العظماء لا يهزمهم سوى التفاصيل الصغيرة التي يهملونها. وأنا لست سوى التفصيل الأخير الذي سيهدم إمبراطوريتك إن لم توقع على الأوراق قبل غروب الشمس.”
بعد أسبوع واحد فقط، ودون أن تظهر صورة واحدة لنا في الصحف أو مواقع التواصل—حيث تكفل محاموني بشراء صمت الصحافة بحرفية—تلقيت نسخة العقود النهائية موقعة ومختومة.
تخليت عن لقب “السيدة المنشاوي” للأبد، وعدت إلى اسمي القديم، فريدة.
لم أعد تلك المرأة التي تجلس بمفردها على مائدة من اثني عشر كرسياً تنتظر وهماً لا يأتي. أصبحت امرأة تملك قرارها، واسمها، ومستقبلها، تقف شامخة أمام نافذة شقتها الواسعة، بينما كانت شمس التجمع الخامس تشرق بضوء حقيقي لا تشوبه شائبة المزيفين.
تغير كل شيء بعد التوقيع. لم أعد أتابع أخبار “المنشاوي جروب” في الصحف الاقتصادية، ولم تعد تفرق معي تحركات أسهمهم في البورصة. لكن سليم لم يتجاوز الأمر بتلك السهولة؛ فالرجل الذي اعتاد أن يكسب كل جولة لم يتحمل فكرة أن تخرج امرأة من قبصته وتهز صورته الهشة أمام نفسه وأمام المجتمع.
بعد ستة أشهر من الطلاق الرسمي، افتتحت مقري الجديد لشركة استثمار وإدارة أصول قمت بتأسيسها بالكامل باسمي القديم “فريدة الفقي”. ركزت الشركة على دعم مشروعات النساء وتطوير الكيانات الناشئة، وهو مجال كان سليم يراه دائماً “بلا قيمة استثمارية”.
في ليلة الافتتاح، التي أقمناها في قاعة هادئة بأحد فنادق القاهرة الكبرى، لم أستدعِ كاميرات الصحافة أو رجال الأعمال الكبار. كانت الدائرة مصغرة: شركائي الجدد، المحامي الذي كان سبباً في نجاح خطتي، وبعض الأصدقاء الحقيقيين الذين غابوا عن حياتي طوال سنوات زواجي بسبب انشغالي بعالم سليم المزيف.
وقبل نهاية الحفل، دخل رجل إلى القاعة يحمل باقة كبيرة من الزهور البيضاء. كان يحمل رسالة خطية قصيرة، دون اسم، لكن الخط كان آلياً ومتكلفاً يتحدث عن نفسه: