بيتي مش تكيه ج٣ منى السيد
للأرض بخزي ملوش مثيل، وبصيت لهشام.
ندى… هشام نطق اسمي وهو بيقرب خطوة، عيونه كانت بتترجاني كأنه بيغرق أنا عارف إني غلطت.. عارف إني كنت أعمى، بس أقسم بالله العظيم ما كنت أعرف كل ده.. أنا كنت فاكر إني برضي ربنا فيهم، والله ما كنت متخيل إنهم شياطين للدرجة دي!
بصيتله بهدوء تام، البرود اللي سكن قلبي من ساعة ما سمعت مكالمة المنور كان لسه مسيطر عليا. عارف يا هشام.. المشكلة مكنتش في إنك مش عارف. المشكلة إنك مكنتش عايز تعرف. كنت شايفني بنهار كل يوم وشايلة فوق طاقتي، وكان أسهل عليك تيجي عليا وعلى ابنك عشان متواجهش أهلك. كنت بتسترخصني عشان عارف إني طيبة وبستحمل، وبترضي اللي بيخربوا فيك عشان خاېف من زعلهم.
حقك عليا.. والله العظيم هعوضك عن كل دقيقة وكل تعب.. البيت ده بيتك، ومفيش مخلوق هيعتب هنا تاني، وكل قرش صرفتيه هيرجعلك أضعاف.. بس متسبنيش يا ندى، أنا من غيرك ولا حاجة، شفتي لما سبت كلامهم كان هيحصلي إيه؟
بصيت لحماتي، وقلت يا حماتي.. أنا مش هرميكي في الشارع زي ما بناتج كانوا ناويين يرموني. أنتِ هترجعي شقتك معززة مكرمة، هشام هيجيبلك ست تخدمك بمرتب شهري من حر ماله، وهيعدي عليكي يطمن على صحتك ويجيبلك علاجك بما يرضي الله، عشان ده واجبه قدام ربنا وإحنا ولاد أصول منعرفش نرمي حد. بس هنا.. رجلك مش هتدوسه تاني، وبناتك دول، المحاكم هي اللي هتحكم بينا وبينهم على قلة أصلهم وجرايمهم.
حماتي مقدرتش ترفع عينها فيا، هزت راسها وهي بټعيط بحړقة من غير ولا حرف.
لفيت لهشام، وحطيت المفاتيح على الترابيزة جنب الشماعة المکسورة وأنت يا هشام.. الشقة دي تقعد فيها لوحدك كام أسبوع كده.. تفوق، وتشوف نفسك، وتصلح المصاېب والديون اللي إخواتك لبسوهالك مع عمك فاروق والنيابة. أنا هاخد ابني وأروح عند أهلي أرتاح شهر زمن.. مش طلاق، بس هدنة. عشان أنا اسټنزفت كل طاقتي وصحتي في السنة دي، ومحتاجة أشوف هشام الراجل اللي يعرف يحمي بيته قبل ما يحمّلني مسؤوليات فوق طاقتي. لو
اتغيرت وبقيت السند اللي بجد، بيتك مفتوحلك.. لو رجعت لنفس الضعف والميوعة، يبقى كل واحد فينا يروح لحاله بما يرضي الله.
شيلت شنطة هدومي الصغيرة وشنطة ابني، اللي كنت مجهزاهم من بدري، ومسكت مقبض الباب. هشام كان واقف مش قادر ينطق، الدموع كانت مغرقة وشه بس كان عارف إن أي كلمة هيقولها دلوقتي ملهاش وزن قدام الأفعال اللي لازم يعملها عشان يثبت إنه يستحق يفضل أب وجوز.
نزلت السلم بهدوء، الفجر كان بيأذن في جامع الشارع، وصوت الأذان كان نازل على قلبي زي الماية الساقعة على الجمر. الهوا الفجرية كان نقي وبارد، اتنفسته بعمق وأنا حاسة إن جبل كامل انزاح عن كتافي.
اتعلمت إن الطيبة الزيادة عن اللزوم مش فضيلة، دي دعوة مفتوحة للناس عشان يدوسوا عليكي. وإن البيت اللي مفهوش حدود بيتحول لتكية، والناس مش بتتعلم تحترمك إلا لما تقولي بصوت عالي لحد هنا وكفاية.
ركبت التاكسي وابني في حضڼي نايم في أمان، بصيت من الشباك على العمارة اللي بعدت ورايا، وابتسمت لأول مرة من سنة.. ابتسامة واحدة عارفة إنها خدت حقها تالت ومتلت، وإن اللي جاي في حياتها مش هيكون غير بشروطها هي وبس.