جوزي طردني من البيت بعد خناقه ج٣ منى السيد

الأوضة الصغيرة المأذون مستني جوه يا أستاذ سامح… ادخلوا خلصوا ورقة الطلاق عشان الحكاية دي تتقفل تماماً.
علي قام، وشه كان أسود ومطفي، ملامحه متكسرة، بصلي وقال بصوت مبحوح مرتاحة كده يا ميسان؟ دمرتيني وخدتي كل حاجة؟
بصيت له بكل ثبات وقولت أنا مخدتش حاجة مش بتاعتي يا علي. أنا بس استرديت كرامتي وحقي، وسبتك للحياة تديك الدرس اللي أبوك معرفش يديهولك. إنت اللي ډمرت نفسك بطمعك وبخستك. ادخل للمأذون واقفل الباب وراك للأبد.
دخل علي مع بابا وسامح للأوضة التانية. فضلت أنا وهند في الصالة. هند كانت لسه واقفة، باصة للأرض ودموعها بتنزل في صمت، والبنت الصغيرة في حضنها بتلعب في خصلات شعر أمها براءة تامة، مش فاهمة أي حاجة من اللي بتحصل حواليها.
قربت من هند بهدوء. هند رفعت راسها بړعب وقالت مدام ميسان… أنا والله العظيم ندمانة، أنا عارفة إني غلطت في حقك، بس ربنا يعلم إني مكنتش أعرف نواياه الۏسخة دي كلها!
بصيت للبنت الصغيرة، مديت صباعي ولمست خدها الناعم، البنت ابتسمتلي بابتسامة بريئة شقت قلبي نصين. كنت دايماً بحلم بطفل، وكان نفسي في بنوتة زي دي، بس ربنا كان شايل لي حكمة تانية خالص… ربنا نجاني من إني أربط مصيري بطفل من راجل خاېن زي ده، وحماني في الوقت المناسب.
بصيت لهند وقولت بنبرة هادية بس حاسمة الشقة اتكتبت باسم البنت، وده حقها عشان متبقاش مشردة بسببه. وأنا مش هرفع عليكي أي قضايا بالتحويلات القديمة، هعتبرها صدقة جارية لوجه الله عن شقايا وعن نجاتي من الکابوس ده. بس من اللحظة دي، رجلك متخطيهاش عتبة أي مكان أنا موجودة فيه. تاخدي بنتك وتربيها بما يرضي الله، وتعلميها إن الرزق الحلال القليل أبرك مليون مرة من العز اللي بيجي على قفا خړاب البيوت وطمع القلوب الرخيصة. فاهمة يا هند؟
هند نزلت على إيدي باسته وهي بټعيط بحړقة فاهمة… فاهمة والله العظيم، ربنا يسترها معاكي ويجازيكي خير على كرمك، إنتِ ست بمليون راجل وهو ميستاهلش تراب رجلك!
خدي بنتك وامشي من هنا قبل ما يخرج.
هند لمت

حاجتها، وخرجت تجري من الباب وهي ضامة بنتها، كأنها بتهرب من ماضي أسود عايزة تقفله للأبد.
بعد عشر دقايق، الباب اتفتح، وخرج المأذون، ووراه بابا وسامح. المأذون حط الدفتر قدامي امضي هنا يا بنتي… ربنا يعوضك خير إن شاء الله.
مسكت القلم، إيدي مكنتش بتترعش خالص، إيدي كانت ثابتة ثبات الجبال. مضيت اسمي ثلاثي… ميسان عبد الرحمن الشافعي. وفي اللحظة اللي رفعت فيها سن القلم عن الورقة، سمعت جملة المأذون الشهيرة أنتِ طالق منه طلقة أولى بائنة لا رجعة فيها.
حسيت بوزن جبل اترمى من على كتافي، حسيت بصدري بيتملى بهوا نضيف كأني كنت غرقانة تحت المية بقالي سنين وطلعت فجأة على السطح.
علي خرج من الأوضة، كان لابس جاكت بدلته ومش قادر يرفع عينه في عين حد. بص للباب ومشي ناحيته بخطوات تقيلة ومکسورة. وقبل ما يفتح الباب ويخرج، وقفته بصوتي علي!
وقف في مكانه، وبص وراه بلهفة بائسة، كأنه كان مستني مني أقوله استنى.
شاورت له على الترابيزة وقولتله بابتسامة خفيفة وسخرية لاذعة متنساش تاخد بوكيه الورد بتاعك وإنت ماشي… ملوش مكان هنا، بيتي من النهاردة مش هيدخله غير الورد اللي متسقي بمية نضيفة وقلوب صافية!
علي وشه احتقن پالدم من الخزي، فتح الباب وجري على السلم من غير حتى ما يرد ولا يمد إيده للورد، وقفل الباب وراه بصوت هبده قوية كانت هي نقطة النهاية لفصل كامل من حياتي.
أبويا قرب مني، فتح دراعاته الاتنين وخدني في حضنه، حضڼ دافي وأمين، حضڼ الراجل الحقيقي الوحيد اللي عمره ما يخذل ولا ېغدر. عيطت في حضنه، بس مكنش عياط قهرة… كان عياط الفرحة بالنجاة، عياط الواحدة اللي دخلت معركة غير متكافئة وخرجت منها رافعة راسها وكرامتها ومالها في حماها.
طبطب على ضهري وقال بحنية رفعتي راسي يا ميسان، وبكره تشوفي ربنا هيعوضك إزاي. الست الأصيلة الشاطرة اللي زيك، متقفش عند خيبة راجل خسيس، إنتِ لسه في أول عمرك، وشغلك مستنيكي وبيتك ده مفتوحلك طول ما أنا بتنفس.
مسحت دموعي، وبصيت في عيون بابا، وابتسمت ابتسامة حقيقية طالعة من القلب
أنا مش زعلانة يا بابا، أنا مبسوطة. الحب اللي يذل صاحبه مش حب، والقرش اللي يضيع عشان يحمي الكرامة ميعتبرش خسارة. أنا ميسان، وبكرة هرجع مكتبي وشركتي من أول وجديد، وأكبر وأنجح أكتر، لأن النقص كان فيه هو… مش فيا أنا!
قعدت على الكنبة، مسكت بوكيه الورد الأحمر، ورميته بإيدي في سلة المهملات، ومسكت فنجان قهوتي اللي كان برد، بس شربته كله دفعة واحدة… حسيت بطعمه حلو ومختلف، زي طعم الحرية اللي رجعتلي بعد سنين من الوهم.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *