الدولاب محمد نور
سنة، قاعدة جنب شباك. لابسة بلوفر بسيط، وماسكة في إيدها أربع وردات صغيرين.
بص رشاد للعروسة وقت طويل وسألها مين دي؟
ردت ولا حد.
ما تكدبيش.
ابتسمت مريم وقالت دي أنا.. أو ممكن تكون أي ست اضطرت تبدأ حياتها من الأول تاني.
نجح رشاد يخلي القطعة دي تدخل معرض مشترك. واشتراها راجل أعمال وتماثيل من القاهرة. ولما شافت مريم الفلوس اللي نزلولها في الحساب، افتكرت إن فيه غلطة. كان المبلغ أكثر من شغل كام شهر في المشتل!
ما سابتش المشتل على طول. فضل شغلها سنة بين النباتات بالنهار والعرايس بالليل. وكانوا عيالها بيساعدوها. نور تختار الأقمشة. وزياد يعمل القواعد الخشب الصغيرة. وريم تألف أسامي للعرايس. وعمر يصورهم.
اتملت ترابيزة السفيرة بالفرش، والخيوط، والورق، والأدوات. يهزر زياد ويقول يا ماما، أنا مش عارف إحنا عايشين في بيت ولا في ورشة تحت السلم!
ترد مريم طالما ما لقيتش چثث جوة الدولاب، إحنا ماشيين صح! ويرد الكل بضحك.. كان بقالهم كتير ما ضحكوش كده.
بدأت مريم يجيلها أوردرات وشغل. مدرسة عايزة عروسة شبه جدتها. وعيلة من الإسكندرية طلبت عروسة مستوحاة من صورة قديمة سنة 1948. وواحد من الصعيد طلب ست بلدي بلبس العشرينيات.
ما كانتش مريم بتنقل الوشوش وبس. كانت بتسأل عن أصحاب العرايس بتحب إيه؟ بتتكلم إزاي؟ إيه الحاجة اللي كانت ماسكاها دايماً؟ إيه الذكرى اللي بتفكركم بيها؟
وده خلي العرايس بتوعها حاجة مختلفة خالص.. كأن كل عروسة شايلة سر.
وبعد سنتين، قدرت تسيب المشتل وتأجر محل صغير. سمته الروح الثانية. لأن ده بالظبط اللي حست إنها خدته.. روح ثانية وحياة ثانية.
ولما عملت معاها قناة تلفزيونية لقاء، سألها المذيع إمتى عرفتي إن حياتك اتغيرت؟
ابتسمت مريم وقالت لما فتحت دولاب قديم وافتكرت إنه مليان چثث وميتين!
اندهش المذيع واستغرب.. فضحكت مريم وحكت الحكاية. وانتشرت المقابلة دي أوي على النت.
ورجعت الحاجة فاطمة تظهر تاني.. المرة دي جاتلها المحل. كان عدى يجي ثلاث سنين على مۏت طارق. كانت مريم بتفنش عروسة لما سمعت صوت حماتها. قالت فاطمة شايفاكي بقيتي في خير ونعمة..
رفعت مريم عينها. كانت فاطمة لابسة هدوم غالية وشايلة شنطة جديدة، بس يبان عليها الكبر والسن. سألتها مريم محتاجة حاجة؟
ردت فاطمة دي طريقة تقابلي بيها أم جوزك المرحوم؟
جوزي ماټ.. وأنتِ وضحتي أوي بعد مۏته إنني ما بقتش من عيلتك.
بصت فاطمة حولين المحل. صور المعارض، الشهادات، والعرايس المتستفة. وقالت بكسرة أنا جيت لأنني في زنقة ومشاكل كبيرة.
سابت مريم الفرشة. ولأول مرة، كانت حماتها باين عليها الإحراج. كان البيت اللي عاشت فيه مريم مع طارق محتاج تصليحات بمبالغ كبيرة، وكانت فاطمة أخدت قروض واستلفت فلوس، ودلوقتي مھددة إن البيت يروح منها.
اعترفت وقالت محتاجة فلوس.. مش بطلب منك تديهالي لله، سلفيهاني.
سألتها مريم كام؟
ولما قالت فاطمة الرقم، حست مريم بتقل في صدرها. كان مبلغ كبير.. بس كانت تقدر تدفعه.
من سنين، كانت مريم مستعدة تدفع أخر جنيه عشان تاخد رضا الست دي. بس دلوقتي الوضع اتغير.
قالت مريم لأ.
برقت فاطمة وقالت قلتي إيه؟!
قلت لأ.
زعقت فاطمة البيت ده كان بتاع طارق كمان!
ردت مريم لأ.. أنتِ اللي فكرتيني مية مرة إنه بيتك أنتِ.
بس دول عيال ابني وعاشوا فيه!
بصتلها مريم بثبات وقالت لحد ما أنتِ رميتيهم برة.
اشتد وش فاطمة وقالت كنت مکسورة! ابني كان يادوبك مېت!
ردت مريم وأنا كمان كان جوزي يادوبك مېت.
ده كان ابني الوحيد!
وكان أب لأربع عيال!
اترجت نبرة مريم لأول مرة وقالت عارفة إيه أصعب حاجة في الليلة