شهاده حق ج٢ منى السيد

لمحة نيوز

الزمن ودعاء مبيقفش. كنت ببص لمنار وأنا حاسة بالخجل يقطعني، بس في نفس الوقت كان قلبي خفيف، الذنب مابقاش خنقة في زوري، بقى وجع بتمنى أصلحه بأي تمن.
وصلنا المستشفى، ريحة المطهرات وصوت التروليات وأجهزة الإنذار زادت الرعب في قلوبنا. جرينا في الطرقة الطويلة لحد ما لمحنا تامر قاعد على كراسي الانتظار برا أوضة العمليات الصغيرة، هدومه كان عليها بقع دم خفيفة وإيديه بين راسو.
أول ما شافنا قام مفزوع منار! سمر! جيتوا إزاي؟ منار جريت عليه ومسكت دراعه بلهفة عصام حصله إيه يا تامر؟! انطق بالله عليك، الراجل حصله إيه؟! تامر اتنهد تنهيدة طويلة ومسح وشه بتعب الحمد لله… لطف ربنا كان كبير. راسه اتفتحت وأخد تمنتاشر غرزة، وكان عنده اشتباه في ارتجاج خفيف، بس الدكتور لسه خارج وقايل إنه فاق ونقلوه أوضة عادية، الضربة كانت جامدة بس عدت على خير.
منار سجدت على بلاط المستشفى البارد من غير ما تفكر، سجدت شكر لله وفضلت تبكي وتشهق بصوت مسموع. تامر بصلي باستغراب وهو شايفني بمسح دموعي، فقرب مني وسألني بهمس في إيه يا سمر؟ أمي عاملة إيه تحت؟ والعيال فين؟ العيال عند أم مريم يا تامر… وأمك عرفت كل حاجة. بصلي بتوجس كل حاجة إزاي؟ يعني إيه؟
حكيت لتامر كل كلمة باختصار، حكيتله عن القطة وعن كدبتي وعن اعترافي قدام الحتة كلها. تامر فضل باصصلي، ملامحه كانت بتتنقل بين الصدمة والعتاب، وزعل كبير لمع في عينيه للدرجادي يا سمر؟ للدرجادي الجبن كان هيضيع أخويا وبيته؟ نزلت راسي في الأرض حقك تدوس عليا يا تامر… أنا غلطت، وأنا مستعدة لأي عقاب تقوله، بس المهم نصلح اللي بين عصام ومنار، الراجل لازم يعرف الحقيقة منه هو كمان.
تامر اتنهد بوجع وربت على كتفي بخفة حسابنا بعدين في بيتنا يا سمر… بس أحمد ربنا إنك نطقتي في الآخر ومسبتيش الولية تروح في الرجلين. تعالي ندخلهم.
دخلنا الأوضة بهدوء. عصام كان نايم على السرير، راسه مربوطة بشاش أبيض كبير، وشه شاحب وعينيه مجهدة جداً. أول ما الباب اتفتح، لف وشه ببطء، ولما شاف منار، ملامحه اتشنجت، وبص الناحية التانية كأن كبريائه المكسور بيمنعه يبص في وشها.
منار مشيت بخطوات بطيئة ناحية السرير، وقفت جنبه وعينيها مغرقة وشها. مسكت إيده الباردة اللي كانت محطوطة على الملاية، وقالت بصوت يقطع القلب ألف سلامة عليك يا أبو يوسف… فداك الدنيا كلها يا أخويا، المهم إنك بخير ووسط ولادك.
عصام حاول يسحب إيده بضعف، وصوته طلع مبحوح ومكسور جاية ليه يا منار؟ جاية تشمتي فيا بعد ما اتفضحت في القهوة والشارع كله اتكلم على قلة أصلنا؟ جاية لواحد ضربك وطلقك؟ مش شمتانة يا عصام… أنا عمري ما أشمت فيك ده أنت سندي وأبو عيالي بكت بحرقة وهي بتضغط على إيده بس أنت ظلمتني، والظلم وحش، والنبي يا عصام أنت ظلمتني وصدقت فيا كلام ميرضيش ربنا.
في اللحظة دي، تامر قرب من السرير، وحط إيده على كتف أخوه، وقال بصوت حاسم ورزين اسمع مني يا عصام، وركز في كلامي كويس عشان تقفل الصفحة السودة دي. مراتك مظلومة، ومنار أشرف من الشرف، ومخدتش مليم ولا سمكاية واحدة من ورا ضهرك.
عصام اتعدل بصعوبة وهو بيغمض عينيه من الصداع يعني إيه يا تامر؟ وأمي… والسمك اللي كان ناقص؟ تامر شاور عليا وقال بنبرة هادية بس فيها حزم سمر هي اللي غلطت… والسمك القطة أكلته فوق السطوح وهي خافت من أمك ورمته في الزبالة وسكتت. وسمر اعترفت قدام أمي وقدام الجيران كلهم في مدخل العمارة وغسلت شرف منار ووقفت الكل عند حده، وأمي لسانها انخرس وملهاش عين تنطق بحرف تاني.
عصام اتصدم. عينيه وسعت وهو بيبص بيني وبين تامر وبين منار، فضل باصص لفراغ الأوضة لثواني طويلة كأن عقله بيعيد شريط اليوم كله القلم اللي ضربه لمنار… صريخ العيال… كلام أمه المسموم… المعايرة اللي اتقالتله في القهوة من راجل غلس وخناقته اللي كانت هتضيع عمره… كل ده، عشان قطة وسكوت غبي!
نزلت دموع نادرة من عين الراجل القاسي ده، بص لمنار اللي كانت واقفة تبكي جنبه، ومد إيده التانية ومسك كفوفها بقوة، وقال بصوت مخنوق بالندم حقك عليا يا أم يوسف… حقك عليا يا بت الناس، الشيطان كان شاطر والعمى ركبني، مديت إيدي على لحمي وعرضي وظلمتك.
منار مسحت دموعه بطرف طرحتها وابتسمت وسط البكا مسامحاك يا عصام… مسامحاك عشان خاطر العيال وعشان خاطر العشرة، بس عهد بيني وبينك قدام أخوك ومراته، كرامتي متهنش تاني في البيت ده، والكلمة متطلعش من بؤنا إلا بالحق. عصام هز راسه بتعب ورضا عهد الله يا منار… واليمين اللي قولته ده كان غضب باطل، وبكرة الصبح هجيب شيخ يفتي ونرد بعض رسمي قدام الكل.
أنا وقفت في زاوية الأوضة، دموعي بتنزل بصمت. كنت حاسة بجرح عميق من كل اللي حصل، بس في نفس الوقت اتعلمت الدرس اللي هيكفيني لآخر يوم في عمري. الخوف من الناس بيصنع مصايب أكبر بكتير من الغلطة نفسها. والسكوت على الظلم مش حكمة ولا أدب، ده خيانة بتخرب بيوت وتدمر أرواح.
قربت من السرير وبصيت لعصام ومنار، وقولت بصوت واطي ومخلص سامحوني… والله العظيم اتعلمت، وعمري ما هسكت على حق تاني لو كان على رقبتي. منار بصتلي وهزت راسها بنظرة فيها تسامح مخلوط بذكريات اليوم الصعب، وقالت المسامح كريم يا سمر… المهم إننا اتعلمنا إن البيت اللي مبيتبناش على الصراحة والوضوح، شوية هوا يطيروه… وشوية سمك يهدوا أركانه.
خرجنا من المستشفى مع خيوط الفجر الأولى، كانت شمس يوم جديد بتطلع على الحارة، شمس نورت العمارة من أول وجديد، بس المرة دي كل واحد فينا كان عارف مقامه، والحق رجع لأصحابه بعد ليلة كانت هتكون الأطول والأقسى في حياتنا كلنا.
النهاية

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *