الساعه كانت ٢ الفجر حكايات بسمه

الساعة كانت اتنين الفجر، لما صاحب البيت رجع فجأة ولقى بنت صغيرة عندها ست سنين بتنضف مكتبه الخاص، وهي شايلة طفلة رضيعة على ضهرها.
لكن اللي خلّاه يتجمد مكانه مش منظر إيديها الصغيرة وهي بتحاول تحرك مكنسة كهربائية أكبر منها تقريبًا
اللي خلّاه يخاف فعلًا هو لما بصت على المكتبة وقالت بهدوء
يا أستاذ دوكا هو ليه في حد بيخبط من ورا الحيطة؟
كان قضي طول الليلة في اجتماعات مع رجال أعمال أقوياء، وكل واحد فيهم بيحاول يفرض رأيه عليه.
ولما الساعة وصلت ل بعد نص الليل، كان كل اللي نفسه فيه إنه يرجع بيته وينام في هدوء.
لكن أول ما دخل قصره في بيكون هيل، سمع صوت مكنسة كهربائية جاية من الدور اللي فوق.
اتجمد مكانه.
الساعة اتنين تقريبًا.
وده مش وقت شغل.
والأغرب إن الصوت جاي من مكتبه الخاص.
طلع على السلم الخلفي المخصص للخدم، وكل ما قرب، الصوت كان واضح أكتر.
تشغيل
توقف
تشغيل تاني.
لحد ما وصل قدام باب مكتبه.
النور كان مفتوح.
دخل خطوة واحدة
واتصدم.
طفلة صغيرة واقفة على أطراف صوابعها جنب مكتبه، وبتنضف سطح المكتب بقطعة قماش مبلولة.
إيديها الصغيرين كانوا حمرا من المية الساقعة.
وعلى ضهرها، كانت مربوطة بقطعة قماش زرقا قديمة طفلة رضيعة نايمة بعمق.
فضل واقف يبصلها ثواني قبل ما يعرف هي مين.
ميا هاربر.
عندها ست سنين.
أمها، جريس، كانت شغالة في البيت ده بقالها تمن سنين.
تمن سنين كاملة
وهو فجأة اكتشف حاجة ضايقته جدًا.
إنه تقريبًا ما كانش يعرف عنها أي حاجة.
ميا مسكت المكنسة بإيديها الاتنين وحاولت تحركها.
المكنسة كانت تقيلة عليها.
شدت.
ما اتحركتش.
حطت رجلها الصغيرة على الأرض وضغطت بكل قوتها.
اتحركت سنتيمترات بسيطة.
وقفت لحظة، ومدت إيدها ورا ضهرها تتأكد إن الطفلة لسه نايمة.
وبعدين همست
خلاص يا ليلي نامي ومتصحيش.
كان دوكا واقف في الضلمة، بيراقبها من غير ما تحس.
ميا رجعت تكمل التنضيف.
وبعدين قالت لنفسها بصوت واطي
لازم نخلص قبل ما أستاذ دوكا يرجع.
اتضايق.
لكن قبل ما يتكلم، وقعت قطعة القماش من إيدها.
انحنت بسرعة ورفعتها.
وبصوت مكسور قالت
لو ماما خسرت الشغل مش هيبقى عندنا مكان نروح له.
الجملة وقعت عليه تقيلة.
دخل للنور.
ميا لفت بسرعة.
أول ما شافته، وشها فقد لونه.
الخوف ظهر في عينيها.
لكنها فجأة فردت ضهرها ووقفت قدام الطفلة اللي على ضهرها، كأن جسمها الصغير يقدر يحميها منه.
دوكا قال بصرامة
أمك فين؟
شدت ميا قطعة القماش في إيدها.
ماما تعبانة.
وإنتِ اللي بتعملي شغلها؟
بلعت ريقها.
وبصت له برجاء
أرجوك ما تطردهاش.
اتغيرت ملامحه.
غضبه ما كانش منها.
كان من فكرة إن طفلة عندها ست سنين شايلة مسؤولية أكبر منها.
وقبل ما يلحق يسألها أي حاجة تانية
ميا بصت ناحية المكتبة.
مش ليه.
للحيطة.
وشها اتغير فجأة.
همست
أستاذ دوكا؟
نعم؟
ترددت شوية.
ممكن أسألك سؤال؟
اسألي.
رفعت إيدها الصغيرة وأشارت ناحية المكتبة.
هو ليه في حد بيخبط ورا الحيطة دي كل ليلة؟
دوكا فضل ساكت.
وبعدين قال
إنتِ قلتي إيه؟
ميا قربت منه خطوة، وخفضت صوتها
أوقات بسمع صوت حك وأوقات تلات خبطات.
وسكتت لحظة.
ماما بتقول إني بتخيل.
حس بدقات قلبه بتبطأ.
هو مالك البيت ده من سنين.
عدّى قدام المكتبة دي آلاف المرات.
ولا مرة سمع حاجة.
ولا مرة شك إن في أي شيء ورا الحيطة.
لكن ميا فجأة فتحت عينيها على آخرها.
رفعت صباعها قدام شفايفها.
استنى
دوكا بص لها.
إيه؟
قالت
اسمع.
سكت الاتنين.
البيت كله بقى هادي.
لا صوت عربيات.
لا صوت تكييف.
ولا حتى حركة من الخدم.
ثواني عدت
وبعدين
دق.
دوكا رفع عينه للمكتبة.
ميا قربت منه.
دق.
المرة التانية كانت أوضح.
وبعدها
دق.
تلات خبطات.
بالظبط زي ما قالت.
دوكا ما اتحركش.
لكن ميا مسكت في طرف بدلته وهمست
شايف؟ أنا مش بكذب.
قرب دوكا من المكتبة.
حط إيده على أول رف.
مافيش حاجة.
حرك الكتب.
ولا حاجة.
وبعدين لاحظ كتاب قديم جدًا، موضوع لوحده في آخر الرف.
مد إيده يسحبه.
لكن قبل ما يلمسه
جاله صوت مكتوم من ورا الحيطة.
صوت شخص.
مش خبط.
ولا حك.
صوت إنسان.
مساعدة
اتجمد الدم في عروقه.
ميا شهقت.
والرضيعة على ضهرها بدأت تتحرك.
دوكا بص للمكتبة، وبعدين للطفلة.
وقال بصوت منخفض
ميا أمك قالتلك إيه عن الحيطة دي؟
لكن ميا ما ردتش.
كانت بتبص للكتاب القديم.
وبصوت مرتعش قالت
ماما قالتلي لو سمعت الصوت ده تاني، ما أقربش من المكتبة أبدًا.
سكتت.
ثم رفعت عينيها له وقالت
وقالتلي كمان إن آخر واحدة حاولت تعرف اللي وراها اختفت.
حكايات بسمه
استقرت كلمات الطفلة الصغار في أرجاء المكتب كأنها صاعقة ثلجية تجمدت معها الدماء في عروق أستاذ دوكا.
اختفت؟!
كرر دوكا الكلمة في سرّه وهو يرمق الجدار الخشبي العتيق المغطى بأرفف المكتبة الضخمة. القصر ده، قصر عائلة آل دوكا في حارة بيكون هيل الفاخرة، ورثه عن أبوه ورجال عائلته من عشرات السنين. طول عمره يعتقد إنه عارف كل شبر فيه، كل ممر سرّي، وكل خزانة مخفية.. لكن الكلام اللي قالته ميا بصوتها المرتعش ونظرة الخوف اللي في عيونها وهي مسكت في طرف بدلته الفاخرة، خليت كل يقين عنده يتهز في ثانية!
ركع دوكا على ركبته قدام ميا عشان يكون في مستوى طولها. مسك كفها الصغير المبلول والمثلج من مية التنظيف، وبص في عينيها بنبرة حاول يخليها دافية وتهدي روعها
ميا.. اسمعيني كويس يا حبيبتي. أمك جريس قالت لك الكلام ده إمتى؟ ومين الست اللي اختفت؟
ميا بلعت ريقها بالعافية، وضغطت على القماش الأزرق اللي مربوطة بيه أختها الرضيعة ليلي على ضهرها، وقالت بصوت خافت كأنه همس
ماما قالت لي كده من أسبوعين.. لما دخلت لقيتني واقفة قدام الخشب وبحط ودني على الحيطة. ماما ساعتها وشها أصفر، ومسكتني من إيدي بقوة

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *