مين هيقبل واحده ارمله ج١ انجي الخطيب
بصيت له وأنا مش مستوعب.
وقلت:
“أيوه.”
مد إيده بسرعة ومسكني من دراعي، وكان وشه مليان خوف وقال:
“الشنطة… هل وجدتها؟”
وقتها بس فهمت إن الراجل ده هو صاحب الشنطة.
لكن قبل ما أمد إيدي وأطلعها له…
بص في عيني وقال كلام خلاني أتجمد مكاني، لأن الخمسة آلاف دولار اللي أنا كنت فاكرهم أهم حاجة في الحكاية…
طلعوا مش أهم حاجة خالص!
وقف الراجل قدامي وأنفاسه متقطعة، وعينيه رايحة جاية بيني وبين التوك توك كأنه بيدور على طوق نجاة وسط غرق كامل. مسك دراعي بجمود وقالي بنبرة ترتجف:
“الشنطة… أرجوك قول إن الشنطة معاك! الفلوس والموبايل مش مهمين… العينة! الأوراق والعينة اللي في القاع!”
أنا وقتها اتسمرت مكاني. كلمة “عينة” نزلت عليا زي الصاعقة. مديت إيدي ببطء لداخل التوك توك وطلعت الشنطة. أول ما شافها، الراجل ركبته خارت ووقع على الأرض في وسط الشارع، حضن الشنطة لصدره وبكى بصوت مسموع، بكاء راجل عجوز غلبان مكسور، مش بكاء سائح خايف على شوية دولار ولا موبايل حديث. الناس بدأت تتجمع وتتفرج علينا، وأنا واقف مش فاهم حاجة، بس في لحظتها أدركت إن الشنطة دي فيها سر أكبر بكتير من إني أستوعبه.
مسكته من إيده وقومته، ودخلته تقعد جوه التوك توك عشان نداري عن عيون الناس. طلع منديل مسح دموعه، وبصلي ونطق بعربية مكسرة جداً متقطعة مع إنجليزي، وبدأ يحكيلي السر اللي خلاني أندم إني فتحت الشنطة دي من الأساس.
الراجل طلع اسمه “دكتور ديفيد”، طبيب وباحث أورام ألماني. ديفيد قالي إنه مش جاي يتفسح ولا يتفرج على الآثار زي بقية السياح. ديفيد جاي في رحلة حياة أو موت لبنته الوحيدة “إيما” اللي عندها تسع سنين. إيما مصابة بنوع نادر جداً وخبيث من السرطان، والطب في أوروبا أقر بصعوبة حالتها، لكن فيه بروتوكول علاجي تجريبي شغال عليه فريق أبحاث مستشفى جامعي هناك، وكان ناقصهم مستخلص نباتي نادر جداً مش بيطلع غير في جزر معينة وفي فترات نموه مجرد أيام في السنة.
ديفيد صرف كل تحويشة عمره، وأخد إجازة وباع جزء من ممتلكاته عشان يسافر بنفسه، وبمساعدة مرشد محلي قدر يوصل للنبات ده، وأخد منه عينة حية محفوظة في أنبوب اختبار طبي معالج وبسائل حافظ ومعاه كل التحاليل والوثائق الطبية الخاصة ببنته. الأنبوب ده كان محطوط في جيب مخفي تحت البطانة الداخلية للشنطة، جيب أنا أصلاً مخدتش بالي منه ولا شفته لما فتحت الشنطة أول مرة!