بنت صغيره عندها ٧ سنين

انجي الخطيب

لمحة نيوز

كام شهر.. هو مش بيخليه يطلع الشارع كتير، بس ياسين شافني امبارح وسرق الصورة دي واداهالي من ورا الشباك الحديد المكسور، وقالي لو شفتي راجل طويل ولابس جاكيت كحلي وبيعيط، اديله الصورة دي وقوليله ياسين مستنيك.
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. ابني اللي قضيت سنة كاملة فاكر إن أمه خطفته وسافرت بيه، كان مقفول عليه في مكان مهجور على بعد خطوات مني، ومستني فرج ربنا.
ماضيعتش ثانية واحدة. شيلت ملك بين إيديا وركضت بيها ناحية العربية اللي كانت واقفة على أول الشارع. السواق، العريف محمود اللي شغال معايا من سنين، أول ما شافني بالمنظر ده نزل جري وفتح الباب وهو مرعوب.
يا فندم! خير؟ فيه حاجة حصلت؟
قلتله بصوت حاسم رجع فيه اللواء سامح اللي مايعرفش الخوف ولا التردد دور العربية يا محمود فكراً.. افتح التكييف الدافي وهات أي أكل عندك للبنت دي، واطلع بينا على منطقة السكة الحديد القديمة.. ملك هتسوقنا.
العربية طلعت تقطع المطر والضباب. ملك كانت بتلتهم السندوتش اللي جابهولها محمود بعيون مليانة طيبة وحرمان، وجسمها بدأ يدفى بالجاكيت بتاعي.
قعدت جنبها وسألتها ونبرتي مكسورة ومامتك يا ملك؟ أم ياسين فين؟ شفتيها هناك؟
هزت رأسها بأسى وقالت بصوت واطي طنط كانت تعبانة أوي وتعبها زاد من ست أشهر.. عمو حتاتة أخدها المستشفى وما رجعتش.. وياسين قالي إنها راحت عند ربنا.. ومن ساعتها وعمو حتاتة ماسك ياسين وبيخليه يقعد في البيت وبيستغله.
الحقيقة كانت مريرة وبتوجع القلب.. مراتي ماتت وسابت ابني في جحيم الشارع وبين إيدين بلطجي. طلعت موبايلي بسرعة وفتحت الشبكة، كان ممكن أطلب قوة كاملة تمشط المنطقة، لكن عقلية الظابط جوايا حذرتني؛ المكان ده ضيق وأي حركة شرطة كبار ممكن تخلي البلطجي ده يحس بالخطر ويعمل حاجة في الولد.
وصلنا الشارع الضيق ورا السكة الحديد. الدنيا كانت ضلمة كحل، ومفيش غير صوت المطر بيهبد على أسطح الصاج والبيوت الآيلة للسقوط.
ملك شاورت بإيدها الصغيرة من شباك العربية هو البيت أبو باب خشب مكسور ده.. اللي نوره مطفي.
نزلت من العربية وطلبت من محمود يفضل جنب ملك ويقفل الأبواب من جوة، وقلتله بصرامة لو أبطأت أكتر من عشر دقائق، اطلب حراسة القطاع فوراً.
سحبت سلاحي الميري من الجراب بضهري، ومشي خطوات ثابتة وحذرة وسط الطين. الجندي جوايا صحي بكل شراسة وقوة، بس الأب اللي جوايا كان قلبه بيلعلع ويدق بلمس جنوني.
قربت من الباب الخشب، وزقيته بهدوء برجلي.. الصوت كان بيأن تحت أقدامي. المكان كان ريحته رطوبة وعفن، وأصوات أنفاس أطفال صغار نازلين في النوم على الأرض وسط البرد.
في صالة البيت المهدودة، كان فيه راجل ضخم قاعد على كرسي خيزران قديم وبيدخن، وجنبه حصيلة الفلوس اللي بيجمعها من الأطفال.
أول ما شافني وقف بسرعة ويده راحت على مطواة في وسطه وهو بيزعق إنت مين يا جدع إنت؟ وداخل كدا إزاي؟
ما اديتوش فرصة يكمل الكلمة. بلمحة عين وبخبرة سنين الخدمة الميدانية، كنت قاطم ذراعه ورميه على الأرض، وضارب سلاحي الميري في دماغه بثبات.
كلمة زيادة وهأنهي حياتك هنا.. ابني ياسين فين؟
الراجل اتخرع ووشه أصفر لما شاف الموت في عيني، وقال وهو بيلعثم في.. في الأوضة الجوانية جوة والله ما عملتله حاجة!
سبته مربوط وفتحت باب الأوضة المكسور برجلي.. الأوضة كانت ضلمة، بس مع ضوء عمود النور اللي برة، شفت جسم صغير ملفوف في بطانية متبهدلة في الزاوية.
ياسين؟
الصوت خرج مني مخنوق، مش صوت ظابط ولا لواء، صوت أب مكسور بينادي روحه اللي غايبة عنه بقالها سنة.
الولد تحرك بسرعة، قام وقعد، عينيه لمعت في الضلمة.. نفس العينين الصافية اللي حافظها عن ظهر قلب.
بابا؟
جريت عليه وضمنته لصدري بقوة هزت كياني كله. الدموع نزلت مغرقة وشه وشعره، وهو كان ماسك في رقبتي بكل قوته وبيصرخ ويدفن وشه في صدري عارف إنك هتيجي يا بابا.. عارف إنك مش هتسيبني!
شيلته وما فارقتوش لحظة، وطلعت بيه لبرة. محمود كان جه ورانا ومعاه قوة الشرطة اللي بلغها، والقبض تم على المكان بالكامل.
في العربية، ياسين كان ماسك في إيدي ومبتسم وهو مش مصدق، وملك قاعد جنبنا بتتفرج علينا بابتسامة خجولة ودموع في عينيها.
بصيت لملك، ومديت إيدي الثانية وشديتها مع ياسين، وقلت بصوت حاسم ودفيء من النهاردة يا ملك.. إنتي وياسين إخوات.. وعمر ما حد فيكم هيجوع أو ينام في المطر تاني.
عدت الأيام بسرعة كأنها حلم. بيتي اللي كان فاضي ومظلم طول السنة اللي فاتت، رجعت فيه الروح من جديد. ضحكة ياسين وهي بتملى الممرات، وصوت ملك وهي بتتحرك بخجل في الأول، لحد ما بدأت تحس إن المكان ده بيتها فعلاً.
أخدت إجازة مفتوحة من الخدمة، وكرست كل وقتي عشان أعوضهم عن كل لحظة خوف ووجع عاشوها. أول حاجة عملتها إني بدأت إجراءات كفالة ملك رسمياً، وبقت بنتي قدام القانون والدنيا كلها. ياسين وملك بقوا أقرب لبعض من أي إخوات، هي تهتم بيه وتفكر بوعي الطفلة اللي شافتها القسوة، وهو يعلمها اللعب ويرجع لها طفولتها اللي اتسرقت منها.
وفي يوم دافي من أيام الربيع، كنا قاعدين في جنينة البيت. الشمس كانت طالعة ومغطية المكان بالنور، وياسين وملك بيلعبوا وبيجروا ورا الكورة. كنت قاعد بتابعهم من بعيد وبشرب القهوة، وحاسس بسلام عمري ما حسيت بيه قبل كده.
فجأة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *