رجعت البيت قبل ميعادي
كملت
وفيه حاجات في جسم نوح مش متوافقة مع التشخيص القديم.
قلت
إنتِ مش من حقك تقرري.
قالت
لو فضل على الكرسي من غير محاولة علاج حقيقية، عضلاته هتضعف أكتر.
قربت منها.
وقلت
لمّي حاجتك.
وشها اتغير.
يعني إيه؟
إنتِ مرفودة.
لكن نوح صرخ
بابا استنى!
بصيت له.
كان ماسك العكازين.
وركبته بتترعش.
قال
هي مش بتوجعني.
وسكت لحظة.
وبعدين ابتسم.
أنا مشيت تسع خطوات النهارده.
مقدرتش أتكلم.
نوح رفع عينه لي.
وبعدين
حط أول خطوة ناحيتي.
وبعدها التانية.
كنت واقف مش قادر أتحرك.
وفي اللحظة اللي كان هياخد فيها الخطوة التالتة، قال
بابا لما أقدر أمشي كويس، هتحب تقعد معايا أخيرًا؟
الجملة خبطتني في صدري.
لأن ابني كان فاكر إن مشكلته مش المرض.
كان فاكر إن كرسيه هو السبب إني بعيد عنه.
دخلت مكتبي وأنا مش شايف قدامي.
وقفت عند المكتب.
كنت محتاج أقعد.
لكن وأنا بحاول أهدى
لمحت ظرف قديم في درج مكتبي.
مكتوب عليه بخط مراتي
إلى أحمد لو في يوم بدأت تشك.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الظرف.
جواه رسالة.
ورسالة تانية.
وبعدين مجموعة أوراق.
وفي آخرها ملف بعنوان
تحويلات علاج نوح.
فتحت أول كشف.
ثم التاني.
ثم التالت.
وكل شهر
كان فيه مبلغ ضخم بيتحول لحساب واحد.
اسم المستفيد
وفاء عبد الرحمن.
وتحت التحويلات كانت فيه ملاحظات مكتوبة بخط مراتي.
آخر ملاحظة كانت
أحمد، لو أنت بتقرأ الورق ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة ومحدش قالك الحقيقة
عن نوح.
ساعتها قلبي وقف.
لأن مراتي كانت بتتكلم عن ابني
لكن آخر سطر في الرسالة كان أخطر
ابننا مش مريض زي ما قالوا لك واسأل وفاء ليه كانت بتدفع للدكتور كل شهر؟
رفعت عيني عن الورق.
وفي نفس اللحظة
سمعت صوت وفاء برا المكتب.
كانت بتتكلم في التليفون.
وقالت
متقلقش أحمد لسه مصدق إن ابنه عمره ما هيقدر يمشي.
اتجمدت.
وبصيت للملف قدامي.
لأول مرة من سبع سنين
بدأت أفهم إن كرسي نوح يمكن ماكانش علاجه.
يمكن كان هو السجن اللي حد حبسه فيه علشان يفضل السر مستخبي.
أنفاسي اتجمعت في زوري، والدم اتسحب من جسمي وأنا باصص لورقة مراتي الله يرحمها مريم، والملف اللي بين إيديا. صدمة السنين كلها اتجمعت في اللحظة دي؛ سبع سنين وأنا فاكر ابني مريض بمرض ملوش علاج، وسايب وفاء المربية والدكتور شريف يستنزفوا فلوسي، ويكذبوا عليّ، ويرموا ابني في سجن الكرسي المتحرك!
مسكت الموبايل فوراً، وبصوت هادي يقطع زي التلج، كلمت صديقي مدير مباحث الأموال العامة وطلبت منه حراسة مشددة وقوة توصل الفيلا فوراً.
خرجت من المكتب ببطء، وفي إيدي الملف ورسالة مريم.
وفاء كانت واقفة على التراس ومعاها الممرضة، بيشربوا القهوة وبيبتسموا براحة بعد ما افتكروا إنهم مشوا سلمى وأن السر لسه مستخبي.
أول ما وفاء لفت وشافتني واقف قدامها والأوراق في إيدي، الابتسامة اختفت من وشها، ولونها خطف بقى زي الجثة.
قربت منها خطوة، وقلت بصوت حاد كالصلب
لو الواد ده خف وبطل يقعد على الكرسي… إحنا هنقبض منين؟… الجملة دي كانت حلوة أوي يا وفاء وأنتِ بتقوليها للممرضة من شوية.
وفاء اتلخبطت وارتعشت
أحمد بيه! أنت… أنت بتتكلم عن إيه؟! أنا برعي نوح زي ابني!
رميت الملف والأوراق على الترابيزة قدامها، وصرخت بصوت هز أركان الفيلا
بترعيه زي ابنك يا خاينة؟! التحويلات البنكية دي إيه؟! الأسرار اللي مريم كشفتها في رسالتها قبل ما تموت عن تواطؤك أنتِ والدكتور شريف عشان تشخصوا ابني غلط، وتدوه أدوية مرخية للعضلات تثبط حركته طوال سبع سنين، عشان تضمنوا إن الفلوس والتحويلات الشهريّة تفضل شغالّة في حساباتكم إيه؟!
وفاء وشركيتها الممرضة سقطوا على ركبهم برعب وبكاء، والشرطة اقتحمت الفيلا في نفس اللحظة بناءً على البلاغ العاجل والتحريات.
الشرطة كلبشت وفاء والممرضة، وفي نفس التوقيت، قوة ثانية قبضت على الدكتور شريف في عيادته متلبساً بأدلة التزوير والجريمة البشعة اللي ارتكبوها في حق طفل بريء طوال سبع سنين.
طلعت بيجري للجنينة…
سلمى كانت واقفة عند البوابة الخارجية، شايلة شنطتها ومستنية عربية أوجر توصلها، ونوح قاعد على الكرسي وماسك عكازه وبيعيط.
جِريت على سلمى، ونزلت على ركبتي قدامها، ومسكت إيدها بدموع وندم صادق
سلمى… أنا آسف. أنا كنت أعمى ومغفل… أنتِ أنقذتي ابني، أنتِ اللي رجعتيلي أمل حياتي، ورجعتيلي الحقيقة اللي اندفنت من سبع سنين.
سلمى بصتلي براحة وابتسمت بدفء
نوح يستاهل يعيش ويقف على رجليه يا أحمد بيه… هو مش محتاج غير حد يحبه بجد ويقعد معاه.
مشيت ناحية نوح، ونزلت على ركبتي قدامه، وشيلته في حضني بكل قوتي… شيلته وأنا ببكي من أعماق قلبي، وببوس رأسه وإيديه
سامحني يا نوح… سامحيني يا حبيبي. بابا عمره ما هيمشي ويسيبك تاني، وبابا من النهارده هيقعد معاك كل يوم ويتعشى معاك ويشجعك.
نوح حضن رقبتي بإيديه الصغيرة، وابتسم بدموع الفرحة
بجد يا بابا؟ يعنى مش هتمشي تاني؟
مش همشي أبداً يا نور عيني.
بعد مرور ستة أشهر…
في حديقة الفيلا الكبيرة، الشمس كانت دافية والسما صافية.
نوح كان واقف على رجليه… من غير عكاز!
كان بيمشي خطوات ثابتة وجميلة، وبيضحك بصوت عالي وهو بيلعب بالكرة. سلمى كانت واقفة جنبه بتشجعه وبتبتسم، وأنا قاعد على السفرة برجع أوراق شركتي اللي نظمت وقتها تماماً عشان أكون متفرغ لابني.
سلمى تم تعيينها رسمياً ك الأخصائية الأولى والمسؤولة الكاملة عن مركز العلاج الطبيعي والتأهيل اللي افتتحته باسم ابني مؤسسة نوح للأطفال، والتحقيقات أخذت مجراها وتم الحكم على وفاء والدكتور شريف بأحكام مشددة في السجن بتهم التزوير والإيذاء العمدي لطفل.
نوح جِري عليّ وركب في أحضاني وهو بيضحك
بابا! أنا مشيت 50 خطوة النهاردة!
ضمت ابني لصدري وأنا حاسس بقمة السعادة والرضا، وبصيت لسلمى وابتسمت من قلبي… وعرفت إن الحقيقة ومهما استخبت، ربنا بيسخر لها ناس طيبين يظهروها، وأن الحب والحضن الصادق هما أعظم علاج في الدنيا.
تمت