شقه ضرتي ج١ زهره

قال بثقة وثبات: “الدهب بتاعك.. هبيعه أكمل بيه تشطيب الشقة وابقى أجيب لك بداله لما ربنا يفرجها.”
أنا اتسمرت مكاني. في اللحظة دي طلعت حماتي الحاجة حكمت من المطبخ وهي بتلوح بإيديها وتقول بصوت عالٍ: “أنت بتشاورها ليه يا محمود؟! ده حقك! إحنا اللي جبنالها الدهب ده من الأول؟!”
​أنا بصلته بدهشة وذهول ودمي فار: “عايز دهبي عشان تكمل شقتك للمحروسة؟!”
شيرين خطيبته بصت لي بشماتة وضحكة مستفزة على وشها. محمود كان نافش ريشه، عضلاته مشدودة ومستني العاصفة، كان مستني أصرخ وأعيط وأعمل مشكلة عشان يعيش دور الراجل المرغوب اللي الستات بتموت وتقطع بعضها عليه، وعايز يبان قدام خطيبته الجديدة إني غيرانه عليه.
​قربت مني شيرين وقالت لي بصوت ناعم بيقطر سم: “اهدي يا روحي بس، أنا أكيد مش هاخده منك يعني.. ما تقلقيش، هو هيجي يزورك عادي ويشوف البنات، مفيش داعي تبقي غيورة كده ومكبرة الموضوع!”
​محمود كان مبسوط ومستني يشوفني بتخانق عليه ،بس انا ابتسمت ابتسامة هادية جداً، بصيت له في عينيه وقلت له بكل برود: “من عينيا.. ميغلاش عليكم أبداً، ثواني هجيب العلبة.”
​محمود اتصدم، عينيه اتفتحت على آخرهم. وشيرين استغربت وبصت للحاجة حكمت باستغراب.
طلعت أوضتي بهدوء تام، وجبت العلبه وقربت منه، ومديت إيدي بيها.. مسكها بلهفة وابتسامة نصر على وشه، وفتحها قدام خطيبته وأمه عشان يتباها.
​أول ما فتح العلبة.. وش محمود اسودّ، ألوانه اتخطفت، والابتسامة اختفت من على وشه
العلبه مكانش فيها ولا حتت دهب واحد كانت فبها حاجه تانيه خالص خلته اتجمد مكانه وبص لشيرين ونطق بالعافيه وقال….أنا.. أنا خلاص مش عايز اتجوز.. الجوازة اتلغت.”
نطق محمود الجملة دي وهو حاسس إن السقف بيقع فوق دماغه. العلبة ما كانش فيها غويشة ولا خاتم، كان فيها تقرير طبي أصفر ومطوي، من مستشفى شركة الكهرباء اللي بيشتغل فيها، وتاريخه يرجع لأكتر من سنتين.

​أول ما فتح التقرير وقرأ السطور الأولى، العرق بدأ ينزل من جبهته بغزارة. التقرير كان فيه تفاصيل الحادثة الشديدة اللي تعرض لها في الشركة لما وقع من ارتفاع عالي على لوحة مفاتيح ضغط عالي، والحوض عنده اتكسر وخضع لعمليات جراحية معقدة. وتحت خالص، كانت مكتوبة النتيجة الطبية الحاسمة بخط عريض وواضح: “تلف كامل ونهائي في القنوات المنوية مع ضمور أدى إلى عقم كلي ونهائي.. يستحيل معه الإنجاب مستقبلاً بصفة قاطعة، سواء ذكور أو إناث”.
​محمود عينيه اتسعت ورجليه ما بقتش شايلاه. التاريخ اللي على التقرير كان بعد خلفة بنته الصغيرة تاليا بشهرين اتنين بس. التاريخ ده خلاه يفهم كل حاجة في ثانية واحدة! افتكر اليوم ده كويس، لما صحي في المستشفى ولقى هبة قاعدة جنبه بتعيط وتمسح على رأسه، ولما الدكتور دخل، هبة استأذنته تطلع تتكلم معاه برة الأوضة بحجة إنها بتستفسر عن الأدوية. هبة ساعتها رجعت وقالت له: “الحمد لله يا حبيبي، الدكتور بيقول كدمات وسلوك وأعصاب بس محتاجة وقت وستاتين، ورجعت بيك على البيت”.
​الزوجة الكريمة كانت شايلة السر ده في قلبها سنتين كاملين! عرفت إن جوزها مش هيخلف تاني أبداً، ولا ولد ولا بنت، وعرفت إن الخبر ده ممكن يكسر راجل ويعقده في عيشته. قررت تخبي التقرير في صندوق دهبها، وتكتفي بالبنات الثلاثة، وتتحمل حماتها ورخامتها وزنتها على “الولد”، وتستحمل كلام الناس وإهانتها، كل ده عشان تحمي مشاعره وكبرياءه كراجل! وتتحمل إنها تتطاول عليها وتتقال عنها “بطنها مابتشلش غير البنات”، وهي عارفة وساكتة وصايانة سره، لولا إنه كشف نقابه بنفسه، وورّاه البجاحة اللي خلتها تطلع له السر اللي دفنته عشان يحميه!
​شيرين خطيبته اتفاجئت وبصت له بذهول وقالت بصوت عالي ومستفز: “يعني إيه الجوازة اتلغت؟! أنت بتهزر يا محمود؟! أومال الشقة والتشطيب والناس اللي عزمنادهم؟! إيه التخاريف دي؟!”
​الحاجة حكمت برضه اتكهربت وصرخت: “جرى لك إيه يا محمود؟! أنت اتجننت يا ابني؟! ماسك ورقة إيه في إيدك عاملك زي العفريت كده؟! هاتها أما أشوف إيه دي!”
​شيرين قربت بلهفة وشر، ومطت إيدها تحاول تشد الورقة من إيد محمود اللي كان واقف زي الصنم، عينيه متبتة في هبة ومش شايف غيرها. شيرين زعقت: “هات الورقة دي أقرأها! إيه اللي جوة العلبة خليك تتهبل في عقلك وتلغي الجوازة في ثانية?!”

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *