الخوف من الوحدة كان دايمًا القيد اللي كاسر عيني ومخليني أبلع الإهانة تلو التانية. كنت أقول لنفسي "معلش بكرة يكبر ويفهم إن مالناش غير بعض"، لكن الحقيقة المرة إنه كان بيستمتع بكسرتي، خاصة وسط عيلته ولمتهم اللي كنت بحسدهم عليها. كان يتعمد يقل مني ويقولي ببرود: «شايفة عيلتي كبيرة إزاي؟ إنما إنتي مكنش ليكي غير أمك وأبوكي وماتوا.. تفتكري لو جرالك حاجة هتلاقي مين غيري؟». كانت حماتي قبل أي عزومة تطلبني أروحلها قبلها بيوم؛ أنضف، وأروق، وأحضر الأكل، وأفضل شغالة لحد تاني يوم أخدم الصغير قبل الكبير، وجوزي واقف مراقب.. لو حس بس إني متضايقة يزعقلي ويحرجني قدامهم ويحلف عليا بالطلاق. ويوم عيد ميلاد بنت خالته، حماتي قررت إن الحفلة تتعمل في شقتها عشان "تفرح البنت وتلم شمل العيلة وصحابها". اتصلت بيا حماتي عشان أجي من بدري، وبدل ما يجيبوا أطباق بلاستيك للتوفير، أصرت نستخدم أطقم الصيني بتاعتها، وقالتلي بلهجة أمر: «اغسلي ده وجهزي ده، البنت مشغولة بتجهز نفسها وتستقبل صحابها، إنتي وراكي إيه يعني؟». بصيت لجوزي أستنجد بيه، لقيته بيبصلي بغضب وشرار في عينه كأنه بيأمرني أسمع الكلام وأخرس. يوم العيد ميلاد بليل كان الموقف الموقف اللي حرق قلبي بجد كان لما شفته مقدم لبنت خالته هدية عيد ميلادها: سلسلة دهب محفور عليها أول حرف من اسمه وأول حرف من اسمها، وهو بيضحك معاها ومع صحابها بنظرات واهتمام عمري ما شفتهم منه ليا. ولبسها السلسله وباس اديها وبيقولها انتى ست البنات كلهم وجه الليل، والبيت اتملى بصحاب بنت خالته، وبقيت أنا الشغالة الرسمية للحفلة: شيلي، هاتي، اغسلي، ونضفي اللي بيقع. وأنا بشيل صينية العصير والحاجة الساقعة، اتهزت إيدي وطرطشت نقطتين على جزمة بنت خالته. وفجأة، وقدام كل صحابها والمعازيم، وقفت بنت خالته وزعقت في وشي: «مش تفتحي وتاخدي بالك؟! اتفضلي هاتي قماشة ونضفي المهزلة دي!». جبت قماشة ونزلت على الأرض أمسح العصير وأنا ببلع غصتي وبقول أعدي اليوم، لقيتها مدت رجلها في وشي وقالت بتعالي قدام صحابها: «امسحي الجزمة اللي وسختيها دي كمان!». بصتلها بذهول: «أنتي بتقولي إيه؟». ردت بصلف: «زي ما سمعتي، نضفي جزميتي مش إنتي اللي دلقتي عليها العصير ؟». دموعي نزلت ووقفت وقولتلها بكرامة مجروحة: «أنا بساعد هنا عشان بنت أصول، لكن أنا مش خدامة لحد.. أنا ماشية». حماتي وقفت في طريقي فورًا وصوتها علي: «رايحة فين يا رجاء؟ عايزة تصغرينا قدام صحابها وتعملي نمرة؟ مش وسختي جزمة البنت؟ وطي امسحيها وخلصينا!». بصيت لجوزي، السند المفترض، لقيته واقف بيبصلي بمنتهى القسوة والبرود، وقالي: «وطي نضفي جزمة بنت خالتي بدل ما أمسحها في هدومك ووقتها هقل منك بجد». اتراجعت لورا من الصدمة: «لا.. مستحيل أعمل كدة، أنا ماشية». شدني من دراعي بعنف وقالي بنبرة تخلو من أي رجولة أو رحمة: «عليّ الطلاق لو ما وطيتي على رجلها ومسحتي الجزمة من العصير لتبقي طالق بالتلاتة، ولو طولتي هخليكي تمسحي جزم صحابها كمان.. إنتي فاكرة نفسك هتصغريني قدام الناس ولا إيه؟». وقتها حسيت باليتم والوحده فعلا وحسيت يعنى ايه ابقى وحيده والكل جاى عليه بدون رحمه وقفت مكاني متيبسة، عيني رايحة جاية بين وشوشهم بذهول تام مش قادرة استوعبه، والدموع اللي في عيني جمدت من هول الصدمة. الصوت كله اتكتم في الصالة، وبقى الكل باصص مستني يشوفني وأنا بنكسر أكتر، مستنيين اللحظة اللي هنزل فيها على ركبي. بصيت لحماتي اللي كانت واقفة تبصلي بانتصار وشماتة، وبصيت لجوزي اللي عينه كانت مليانة جبروت وقسوة، ونطقت بصوت كان بيترعش في الأول بس فجأة اتحول لصرخة مقهورة طالعة من روحي: «إزاي؟! إزاي ترضولي الإهانة دي بعد كل اللي عملته؟! إزاي يا حماتي ترضيها عليا وإنتي عارفة إني شايلاكي في عيني؟ أنا اللي بقف على رجلي بالساعات عشان أريحك، أنا اللي بخدمك وبخدم بيتك وبشيل عنك التعب كله من غير ما أنطق بكلمة! عمري ما قولت لأ على طلب، وعمري ما استخسرت فيكم صحتي ولا راحتي! هو ده جزاتي؟ تكسروني وتذلوني قدام الغريب عشان نقطتين عصير نزلوا غصب عني؟!». التفتّ لجوزي وعيني في عينه، وشوفت لمعة السلسلة الدهب اللي ملبّسها لبنت خالته بتلمع في النور، قولتله بحرقة: «وإنت.. إنت اللي المفروض سندي وضهري في الدنيا؟ بتهددني بالطلاق وبتحلف عليا عشان أنزل تحت رجلين بنت خالتك؟! للدرجة دي هانت عليك كرامتي؟ للدرجة دي شايفني رخيصة وما أسواش؟ نسيت إني مراتك وشايلة اسمك؟!». حماتي لوحت بإيدها باستهزاء وقالت بصوت عالي: «جرى إيه يا بت إنتي؟! هتعملي علينا ست الشيخة وتفضحينا قدام المعازيم؟ ما إنتي طول عمرك عايشة في خيرنا، هو حد كان لمك غير ابني؟ اخلصي ونفذي اللي اتقالك بدل ما ترمي بلاكي علينا هو احنا بنقولك بوسى رجلها إحنا بنقولك امسحى الجزمه مطرح العصير اللى دلقتيه عليها !». وجوزي قرب مني خطوة وعينيه بتطق شرار، وضغط على دراعي أكتر وهو بيجز على سنانه: «صوتك ميعلاش هنا! والكلمة اللي قولتها تتنفذ، ياما تخرجي من الباب ده بهدومك اللي عليكي وملكيش رجعة تانية، والشارع واسع يلمك!». في اللحظة دي، وفوق كل الخوف والوجع، حسيت بحاجة كانت ميتة جوايا بتصحى.. حسيت إن كابوس الوحدة اللي كنت بخاف منه، أرحم مليون مرة من عيشة وسط ناس مستكترين عليا أكون بني آدمة، وعرفت إن اللي اتكسر الليلة دي مش مجرد فنجان ولا نقط عصير، دي آخر نقطة صبر واحترام كانت باقية لهم في قلبي. سحبت دراعي من إيده بقوة ما كنتش أعرف إني أملكها، ورفعت راسي وسط دموعي وقولت بجمود: «الشارع أرحم من بيتكم.. أنا ماشية، والطلاق اللي بتهدد بيه أنا اللي بطلبه منك دلوقتي». أول ما لَفّيت ضهري عشان أتحرك ناحية الباب، اتهز كيانه من فكرة إن كلمته اتكسرت قدام المعازيم، واتحول غيظه لجنون أعمى. في ثانية واحدة، مد إيده وقبض على كتفي بكل غل، وشدني لورا بعنف رهيب خلى توازني يختل، ورزعني على الأرض بقسوة تحت رجلين بنت خالته. الأرض دارت بيا من شدة الوقعة، وقبل ما أستوعب الصدمة وأحاول أقوم، نزل على ركبه فوق مني، وضغط على كتافي وهو بيزعق بهستيريا وصوته مالي الصالة: «طالما مش هتنفذي برضاكي، هتنفذي غصب عنك ومناخيرك في الأرض! أنا محدش يكسرلي كلمة قصاد الناس دي يا روح أمك!». بنت خالته كانت واقفة تبصلي بابتسامة خبيثة ومستمتعة بالمهزلة، وحماتي واقفة تفرك إيديها كأنها بتتفرج على مشهد مستنياه من زمان، وصحابها عيونهم متبتة فينا بذهول . حاولت أقاومه وأزق إيده، بس كان بيتحرك بجبروت مسعور؛ مسك معصم إيدي بعنف ولواه ورا ضهري لدرجة حسيت إن عضمي هيتكسر، وشَد كف إيدي بالقوة ورزعه فوق جزمة بنت خالته، وحرّك إيدي بالعافية يمسح بيها العصير اللي على الجلد. قرب وشه من وشي وهو بينهج وعينيه طالع منها شرار الغل، وهمس بفحيح سمعه كل اللي واقفين: «عجبك كده؟! عجبك العيد ميلاد اللي باظ بسببك وبسبب قلة أدبك؟! ها.. ارتحتي لما خليتينا فرجة؟!». في اللحظة دي، وأنا وشي قريب من تراب الأرض وإيدي بتتحرك غصب عني تحت جزمة إنسانة تافهة، وجوزي دايس على كرامتي بكل قسوة.. الوجع في جسمي اتمحى، والخوف من الوحدة اتبخر تمامًا، وما فضلش غير رماد أسود لقلب ماتت فيه كل ذرة حب أو أمل كانت باقية ليهم.