٦ شهور بحوش ج٣ منى السيد

الجزء الرابع والأخير
اليوم التالي، الساعة تسعة الصبح.
الشمس كانت طالعة صافية فوق القاهرة، بس جوه مبنى الشركة الاستثمارية الكبيرة في التجمع الخامس، الجو كان أشبه بعاصفة ثلجية بتضرب المكان.
أحمد كان قاعد على مكتبه، يحاول يركز في شاشة الكمبيوتر قدامه، بس عينيه كانت مجهدة زايغة، وجفونه منتفخة من قلة النوم. طول الليل وهو قاضيها لف في الشقة الفاضية زي المجنون، ينط من أوضة لأوضة، يدور على أي هدوم صالحة للبس ملقاش غير شورتات بحر وقمصان صيفية قديمة من أربع سنين. اضطر يلبس قميص كستور قديم كان معلقه ورا الباب، وياخد بعضه وينزل عشان ميفوتش الميعاد.
بس مشكلته مكنتش في الهدوم بس.. مشكلته كانت في الهدوء المريب اللي سببه محامي مريم.
فجأة، الباب الخشب التقيل بتاع قسم الموارد البشرية (HR) اتفتح، وخرجت منه نهى شريف. وشها كان جايب ألوان، وشفايفها بملامح مشدودة وهي شايلة شنطتها على كتفها وتلمح أحمد بعينين مليانين غل وقرف.
مشيت ناحيته بخطوات سريعة، وضربت بكعب جزمتها على الأرض بصوت يرن في الطرقات، وقفت قدام مكتبه وقالت بصوت واطي وبحيح مليان تهديد:
— إنت حسابك معايا مش هنا يا أحمد.. حسابك معايا بعدين. إنت فاكر لما تتدبس في مصيبة وتسحب اسمي معاك إنها هتعدي؟ الإيميل اللي بعته محامي هانم هانمك للـ HR النهاردة الصبح حطني في موقف زبالة قدام الإدارة!
أحمد اتنفض من كرسيه وبص حواليه برعب، يوشوشها:
— وطي صوتك يا نهى يخرب بيتك! إيميل إيه اللي راح للـ HR؟!
— الإيميل اللي فيه صور الحجز بتاع العين السخنة!
نهى قربت منه أكتر وقالت بفحيح:
— المحامي بعت إخطار رسمي للشركة بيبلغهم إنك بتستغل ميزانية الانتداب والسفريات الخارجية وتستعمل الفيزا المحاسبية بتاعة العمليات في حجز رحلات شخصية واستجمام تحت بند “سفريات عمل”! إنت متخيل إنت عملت إيه؟! إنت مش بس فصحتنا وفضحت نفسك.. إنت دخلت الشركة في حيطة سد بسبب نمرة الغباء اللي عملتها!
أحمد حك جبهته بإيده وهو بيحس إن دماغه بتتفرتك:
— فيزا العمليات؟! أنا محجزتش بفيزا العمليات! أنا حجزت بفيزتي أنا!
— لأ يا فالح!
نهى هزت رأسها بسخرية قاسية:
— إنت من كتر لغبطتك وغباءك وأنت بتعمل الحجز الشهر اللي فات، استعملت كارت الفيزا المربوط بالحساب البنكي المزدوج اللي الشركة عملتهولك عشان مصاريف المبيعات والعملاء! ومريم لما فتحت اللابتوب بتاعك وطبعت كشف الحساب، طبعت رقم الكارت المربوط بالشركة! المحامي بتاعها ذكي.. ذكي أوي للدرجة اللي تخلي الإدارة تراجع كل السحبيات اللي عملتها من الحساب ده خلال الست شهور اللي فاتوا!
أحمد اتسمر مكانه. ركبه خارت وقعد على الكرسي تاني زي الشوال.
أحمد كان فعلاً بياخد مبالغ صغيرة من كارت مصاريف الشغل تحت بند “ضيافة عملاء” و”انتقالات ميدانية”، ويحولها لحسابه الشخصي بالتدريج عشان يقفل مبلغ الـ 134 ألف بتوع الرحلة، وهو متأكد إن الحسابات مش هتدقق في الفراقات الصغيرة دي طالما البيزنس شغال. كان فاكر إن محدش هياخد باله.. بس مريم لما جمعت الدفتر وبصت في صور الشاشة، سلقت البيانات كلها وأدتها للمحامي اللي قدر بنظرة واحدة يفهم إن الأرقام مش راكبة مع مرتب أحمد الفعلي!
قبل ما أحمد ينطق أو يفتح بوقه، صوت التليفون الداخلي (الإنتركوم) على مكتبه رن.
صوت سكرتيرة المدير العام جاء جاف وصارم:
— أستاذ أحمد.. الباشمهندس طارق طالبك في مكتبه فوراً.. ومعاك أستاذة نهى.
أحمد بص لنهى، ونهى بصت له بقرف، ومشيوا الاتنين ناحية مكتب المدير العام زي اللي رايحين حبل الإعدام.
في نفس الوقت، في شقة المقطم..
مريم كانت قاعد على ترابيزة المطبخ، قدامها طبق فول دافي وفنجان شاي بالنعناع. أمها كانت رايحة جاية في المطبخ، تبص لها بشفقة وحيرة، ومش قادرة تستوعب الهدوء الصادم اللي مريم فيه.
— يا بنتي فهميني.. إنتِ بجد مش زعلانة؟ مش حاسة بحسرة على السنين اللي ضاعت؟ الست شهور دول إنتِ كنتِ بتموتي نفسك فيهم من الجوع والتوفير!
مريم أخدت رشفة شاي بالراحة، حطت الفنجان على الطبق وقالت بابتسامة هادية:
— الزعل يا أمي بيبقى على حد يستاهل. على راجل كان بيبني معاكي بجد واتهدم البيت بظروف غصب عنه. بس أحمد؟ أحمد مكنش بيبني معايا.. أحمد كان بيسرقني. كان بياكل من عرق حيرتي وتوفيلي عشان يروح ينبسط. عارفة يا أمي؟ الـ 96 ألف جنيه دول كانوا ثمن غشاوة نزلت من على عيني. أنا دفعتهم عشان أشتري حريتي وأعرف حقيقة البني آدم اللي كنت مأمنة له.
الموبايل على الترابيزة رن. كان الأستاذ أشرف المحامي.
مريم فتحت السبيكر:
— أيوة يا متر، خير؟
— صباح الفل يا مدام مريم. حبيت أطمنك.. الإنذارات وصلت للشركة ولبيت أمه، والمحضر بتاع تبديد المنقولات اتسجل برقم رسمي في قسم الشرطة التابع لشقتكم.
— وموضوع الشركة يا متر؟
الأستاذ أشرف ضحك بصوت مرتفع:
— موضوع الشركة ده بقى القاضية! الإيميل اللي بعثناه لقسم المراجعة المالية والشؤون القانونية عندهم عمل حريقة. المدير المالي راجع الحسابات بنفسه ولقى إن أحمد كان بيلعب في فواتير الانتقالات وضيافة العملاء من ست شهور، والمبلغ المتبدد من حساب الشركة غير الفلوس اللي خدها منك طالع حوالي 85 ألف جنيه كمان!
مريم سكتت ثانية، وبعدين سألت:
— وإيه اللي هيحصل دلوقتي؟
— الشؤون القانونية في الشركة استدعوه فوراً للتحقيق. قدامه خيارين لا ثالث لهما: يا إما يدفع المبالغ دي كلها كاش خلال 48 ساعة، يا إما الشركة هترفع عليه قضية اختلاس وخيانة أمانة وتفصله فصل تعسفي بدون أي مستحقات!
أم مريم شهقت وحطت إيدها على صدرها:
— يا ساتر يا رب! يفضحه في شغله ومستقبله يضيع؟!
مريم بصت لأمها بثبات وقالت للمحامي:
— خليه يدوق من نفس الكأس يا متر. هو مفرمتش قلبي ولا حرحش كرامتي لما حط اسم أمه في حجز مشبوه عشان يغطى على قذارته. خليه يتحمل نتيجة أفعاله.
— مضبوط يا مدام مريم. وبكرة الصبح هنعمل طلب تمكين واسترداد للمنقولات بالقوة الجبرية لو مفرغش الشقة وسلمك حاجتك بنفسه.
نرجع لمكتب المدير العام في التجمع الخامس..
الجو جوة كان أحر من النار. الباشمهندس طارق، راجل في الخمسينات، شعره أبيض وجاد جداً، كان قاعد ورا مكتبه الفخم، وقدامه الملفات المالية الخاصة بأحمد وكشوف الحسابات.
جنبه كان قاعد المدير المالي ومدير الموارد البشرية.
أحمد كان واقف وركبه بتخبط في بعضها، الترينج المبهوق والقميص الكستور مخلين شكله زي الشحاتين وسط المكتب الفخم، ونهى واقفة جنبه مربع إيديها وبتبص في الأرض بعيد عنه.
الباشمهندس طارق رمى القلم على المكتب بصوت عالي:
— أنا مش قارد أصدق! إنت بجد يا أحمد بتستغل ثقتنا فيك والفيزا المفتوحة بتاعة الانتقالات عشان تحجز رحلات استجمام شخصية للعين السخنة؟! وعامل الحجز باسم والدتك ومقضيها مع زميلتك في الشركة؟!
أحمد اتكلم بصوت مرعوب وبيقطع:
— يا فندم والله العظيم سوء فهم! الفلوس دي أنا كنت هردها للحساب تاني.. أنا بس كان عندي زنقة مالية و…
المدير المالي قاطعه بحزم:
— رد الفلوس ده لما تكون واخد سلفة بعلم الإدارة! مش لما تزور فواتير ضيافة عملاء وتكتب إنك كنت مع وفد أجنبي وأنت كنت بتحول المبالغ دي لحسابك الشخصي عشان تقفل حجز الـ 134 ألف! حركة المحامي بتاعة مدام مريم كشفت التلاعب كله، وبناءً عليه الشركة مش هترحمك!
الباشمهندس طارق بص لأحمد بصرامة:
— قدامك خيارين يا أحمد.. ومافيش خيار تالت.
المبلغ الإجمالي اللي اتسحب من فيزا الشركة بدون وجه حق 85 ألف و400 جنيه. تدفعهم بالكامل في خزانة الشركة قبل الساعة واحدة ظهر بكرة.. وتقدم استقالتك فوراً وبدون أي مكافأة نهاية خدمة.
أحمد اتصدم وصرخ:
— استقالة؟! يا باشمهندس أنا بقالي خمس سنين في الشركة!
— ولو مادفعتش واستقلت بنفسك..
الباشمهندس طارق كمل وهو بيشاور للمدير القانوني:
— البلاغ بتهمة الاختلاس وخيانة الأمانة هيتقدم للنيابة العامة الساعة واحدة والدقيقة خمسة. إنت ونهى!
نهى أول ما سمعت اسمها اتنفضت وقالت بانهيار ودموع:
— أنا ماليش دعوة يا باشمهندس! هو اللي حجز وهو اللي قال لي إن دي رحلة مكافأة من الشركة للموظفين المتميزين! أنا مكنتش اعرف إنه ساحب الفلوس دي من حساب العمليات! والله العظيم أنا اتخدعت فيه زي مراته بالضبط!
أحمد بص لنهى بذهول، مش مصدق إنها بتبيعه في ثانية عشان تنقذ نفسها:
— نهى؟! إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ كنتِ معايا في كل خطوة وعارفة إن الفلوس دي…
نهى صرخت فيه بغضب:
— أخرس يا نصاب! إنت ضيعت مستقبلي ودمرت سمعتي في الشركة! أنا أصلًا مش عايزة أعرفك تاني، ويا باشمهندس أنا مستعدة أقدم استقالتي فوراً وأشهد ضد أحمد في النيابة لو التحقيق اتفتح!
الباشمهندس طارق هز رأسه بقرف وقال:
— اتفضلوا برة المكتب أنتم الاتنين. قدامك لليوم بكرة يا أحمد.. الفلوس تسترد والاستقالة تتقدم.. يا إما هتبات في القسم بكرة بالليل.
خرج أحمد من المكتب ومشي في الطرقات زي الميت. زمايله في القسم كانوا بيبصوا له بفضول وتهامس، الأخبار انتشرت في الشركة زي النار في الحطب. نهى سابته وجريت على مكتبها تلم حاجتها وتعيط، وأحمد مشي لحد أسانسير العمارة وهو حاسس إن السقف بيقع عليه.
85 ألف جنيه للشركة..
و96 ألف جنيه لمريم..
وقائمة المنقولات اللي بتتقدر بـ 250 ألف جنيه..
غير قضايا المؤخر والنفقة!
منين؟ أحمد مكنش حيلته غير الـ 134 ألف اللي محجوزين في المنتجع الصحي في العين السخنة.. والرحلة نفسها “غير قابلة للاسترداد”!
الساعة أربعة العصر، أحمد كان واقف قدام شقة أمه في شارع الميرغني.
فتح الباب بالمفتاح ودخل. الشقة كانت ظالمة ورائحة البخور فيها تقيلة.
في الصالة، كانت الكراتين الأربعة بتوع هدومه مرميين في النص زي الزبالة. الحاجة نوال أمه كانت قاعدة على الكنبة ولابسة طرطة سودا، وجنبها هبة أخته اللي كانت باصة له بنظرات مليانة قرف واشمئزاز.
أول ما أمه شافته بالترينج القديم والقميص الكستور ووشه الأصفر، رميت المسبحة من إيدها وقالت بصوت مكسور ومليان غضب:
— أهلاً بالبيه.. أهلاً بالبار بأمه! أهلاً باللي استغل اسم أمه المريضة عشان يغطي على الخياسة بتاعته!
أحمد قرب من أمه وحاول يمسك إيدها:
— يا أمي اسمعيني بس والله العظيم…
أمه ضربت إيده بقوة وبعدت عنه:
— إياك تلمسني! إياك تتكلم! أنا الحاجة نوال عبد الحميد اللي طول عمري ماشية بين الناس بالحق ومربياكم بالحلال.. تيجي إنت في آخر زمني تحط اسمي في حجز مشبوه مع واحدة زبالة من الشارع عشان تغفل مراتك الأصيلة؟! مراتك اللي كانت شايلالك بيتك وموفرة لك قرشك وشايلة عنك الهم؟!
هبة أخته وقفت وقالت بقسوة:
— مريم بعتت لنا صور الحجز والإيميل يا أحمد. بعتت لنا كل حاجة بالدليل! مريم اللي كنت بتستقل بيها وتعمل عليها راجل وهي بتدفع إيجار بيتك ومصاريف أكلك وشربك! إنت أزاي قادر تبص في وشنا كده؟
أحمد قعد على الأرض عند رجلين أمه، وصوته بدأ يتخنق بالدموع لأول مرة:
— يا أمي الحقيني.. أنا هضيع! الشركة طالبين مني 85 ألف جنيه بكرة الصبح وإلا هيرفعوا عليا قضية اختلاس ويسجونني! ومريم رفعت قضايا تبديد وخيانة أمانة ورامياني بالإنذارات! أنا هروح في داهية يا أمي!
الحاجة نوال بصت له بجفاء شديد، عينها مكنش فيها أي نقطة شفقة:
— تروح في داهية؟ وإنت فاكر إن ربنا هيسيبك بعد اللي عملته في البنت دي؟ البنت دي حرمت نفسها من الكريم اللي بتحطه على وشها عشان توفر لك الفلوس اللي إنت رايح تدلع بيها السنيورة بتاعتك!
— يا أمي سلفيني الفلوس دي من شهاداتك في البنك وأنا هردها لك! والله هردها لك!
أمه ضحكت بسخرية مفرطة:
— أسلفك من شهاداتي؟ الشهادات دي هي اللي حيلتي اللي هعيش بيها اللي فاضل من عمري! أديها لك عشان تطلعك من مصيبة وسفالة عملتها بكامل إرادتك؟ لا يا أحمد.. مش هأخد جنيه واحد من فلوس حلال أصرفها على طيشك وخيانتك.
— يا أمي هنسجن!
— اتسجن!
أمه زقت كرسيه وقامت وقفت بال بالعافية وهي مستندة على عصايتها:
— يمكن السجن ينضفك ويرجع لك عقلك! الهدوم دي تاخدها وتغور بيها من بيتي. أنا ماليش ابن بالاسم ده لحد ما ترجع لمراتك حقها بالمليم وتطلب منها الس/لاح والمسامحة!
هبة مسكت دراع أحمد وزقته ناحية الباب:
— اطلع برة يا أحمد.. أمي ضغطها عالي ومش متحملة نشوف وشك. روح للست نهى بتاعتك تخليك تتصرف لك في الفلوس!
أحمد اتطرد من بيت أمه زي الكلاب، وهو شايل كرتونة واحدة من هدومه بالعافية، ونزل على السلم وصوت الباب بيرزع وراه.
النهارده التاني، الساعة اتناشر الضهر..
في المحكمة البحرية بالحي العاشر..
مريم كانت قاعدة مع الأستاذ أشرف المحامي في القاعة، مستنيين دورهم قدام القاضي في جلسة نظر طلب التمكين والاسترداد العاجل.
مريم كانت لابسة فستان أسود أنيق، وحاطة ميك أب هادي أوي، وشعرها متظبط، وبشكل يفيض بالثقة والراحة. أمها كانت قاعدة جنبها تمسك إيدها وبتدعيلها.
فجأة، أحمد دخل القاعة.
شكله كان يرحم ويرعب في نفس الوقت. كان لابس نفس الترينج القديم بس كان مبهدل أكتر، وشه دبلان، وعينيه أحمر زي الدم، وشعره منكوش. مكنش قادر يرفع عينيه في مريم.
قرب من كرسيه المحامي بتاعه وهو بيمشي ببطء شديد.
المحامي بتاع أحمد قرب من الأستاذ أشرف وتكلم معاه بصوت واطي:
— يا أستاذ أشرف.. الموكل بتاعي جاهز للتسوية الودية. مش عايزين القضايا تكبر أكتر من كده.
الأستاذ أشرف بص لمريم، ومريم هزت رأسها بالرفض القاطع وابتسمت للمحامي:
— التسوية شروطها واضحة يا متر. مافيش تنازل عن أي قضية ولا محضر قبل ما الشروط تتنفذ بالمليم.
المحامي بتاع أحمد تنهد وقال لأحمد:
— زي ما قلت لك يا أحمد.. موقفنا القانوني زبالة، والشركة باعتك خلاص. لازم تدفع.
أحمد قرب خطوة من مريم، وصوته كان بيرتعش زي الطفل الصغير:
— مريم.. أنا بعت عربيتي النهاردة الصبح. بعتها بأقل من سعرها عشان أجمع الفلوس.
مريم بصت له بكل هدوء واستخفاف:
— بعت العربية؟ كويس.. أديت الشركة الـ 85 ألف بتوعها؟
أحمد هز رأسه بكسرة:
— أيوة.. أديتهم الفلوس وقدمت استقالتي.. أنا اتفصلت خلاص يا مريم.. ومبقاش حيلتي حاجة. والـ 134 ألف بتوع المنتجع ضاعوا عليا لأن الحجز اتلغى بدون استرداد بناءً على طلب الشؤون القانونية للشركة.
مريم هزت رأسها بالراحة:
— زعلتني عليك يا أحمد.. بس ده حظك. وين الفلوس بتوعي؟ الـ 96 ألف و840 جنيه مصاريف البيت خلال الست شهور؟
أحمد حط إيده في جيبه وطلع شيك بنكي من باقي فلوس بيع العربية:
— الشيك ده بـ 100 ألف جنيه.. الـ 96 ألف بتوعك وباقي الفلوس تعتبريها مؤخرك. والمنقولات بتاعتك محطوطة في العربيات النقل قدام المحكمة دلوقتي، جاهزة للتسليم تحت إشراف المحضرين.
مريم أخدت الشيك من إيد المحامي بتاعها، وبصت فيه كويس، وقارنت الرقم بالدفتر اللي كان في شنطتها.
— مظبوط يا متر.. الحساب كده يتقفل بالنسبة للمصاريف والمنقولات.
أحمد بص لمريم بكسرة وأمل أخير:
— مريم.. إحنا كده خلصنا كل حاجة مالية.. أرجوكي تنازلي عن القضايا وخلينا نتطلق بالهدوء.. أنا اتدمرت خلاص، شغل وضاع، وسمعتي اتفضحت، وأمي مش عايزة تبص في وشي.. حرام عليكِ اللي عملتيه فيا ده!
مريم وقفت، قربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه بثبات يقطع النفس:
— حرام عليا أنا يا أحمد؟
إنت اللي عملت كده في نفسك. إنت اللي فاكر إن الست لما بتحب وتضحي وتوفر من لحم حيها عشان تبني معاك، تبقى عبيطة ومستغفلة! إنت فاكر إن القوامة إنك تاكل شقايا وتصرفه على نزواتك وتحط اسم أمك كسبوبة تغطي بيها وساختك!
أنا معملتش فيك حاجة.. أنا بس سبتك تقع في الحفرة اللي حفرتها بإيدك.
سكتت مريم لحظة، وطلبت من المحامي ورقة التنازل عن المحاضر بعد ما استلمت المنقولات والشيك.
مريم توقّع على الورقة وادتها للمحامي وقالت بصوت واضح سمع القاعة كلها:
— تنازلت عن القضايا يا أحمد.. مش عشان خاطرك، عشان أنا مش عايزة أي حاجة تفكرني بيك أو تخليني أشوف وشك تاني في محكمة. إنت بالنسبة لي بقيت صفحة اتطوت وترمت في الزبالة.
أحمد فضلت واقف مكانه مش قادر ينطق، والدموع بتنزل من عينيه بالبطيء وهو بيشوف مريم بتمشي بثقة، ماسكة إيد أمها، وخارجة من باب المحكمة بكل كبرياء وشموخ.
بعد شهرين..
في أحد الكافيهات الهادية في المعادي..
مريم كانت قاعد مع صاحبتها سارة.
مريم كانت شكلها متغيّر تماماً. رجعت لجمالها، أنيقة، وحاطة الكريم اللي بتحبه، وابتسامتها مالية وشها. مريم استغلت جزء من فلوسها وقدمت على كورس متقدم في إدارة المكتبات والمعلومات، وجاء لها عرض شغل جديد في مكتبة مدرسة دولية كبيرة في التجمع الخامس بمرتب محترم أوي.
سارة كانت بتشرب القهوة وبتبص لها بإعجاب:
— والله يا مريم إنتِ بقيتي أسطورة! البنات في الجروبات كلها بيتكلموا عن اللي عملتيه مع أحمد! بس قوليلي.. ما عرفتيش أخباره إيه دلوقتي؟
مريم ابتسمت ببرود ورشفت من عصير البرتقال:
— أخته هبة كلمتني من أسبوع تتطمن عليا ولقيتها بتبكي وتقولي أخباره.
— وقال لك إيه؟
— أحمد بايع كل حاجة حيلته، وقاعد في أوضة مفروشة بالإيجار في شبرا. شغال مندوب مبيعات بعقد مؤقت في شركة صغيرة بمرتب ميكفيش أكله وشربه. ونهى شريف طبعاً سابته ورفعت عليه قضية عشان كان متداين منها بفلوس، وأمه لحد النهاردة رافضة تدخله بيتها أو تسامحه.
سارة هزت رأسها بقناعة:
— كما تدين تدان.. كان فاكر نفسه ناصح وهياكل حقك، طلع هو اللي اتأكل في الآخر.
مريم بصت للسما الصافية من شباك الكافيه، وتنهدت نفس طويل مليان راحة ونقاء:
— عارفة يا سارة؟ أنا مدمدمتش على أي جنيه صرفته أو أي يوم ضاع. الدرس كان غالي، بس نتيجته إني عرفت قيمتي. عرفت إن الست لما تقرر تتنازل وتوفر وتستحمل، ده بيكون حب وجدعنة مش ضعف ولا هبل.. ولما تقرر تاخد حقها.. بتقدر تاخده بالقانون وبكل شياكة.
مريم مسكت موبايلها، وفتحت أكونت الإنستجرام بتاعها.
نزلت صورة للبحر في شرم الشيخ.. الصورة اللي كانت معلقاها زمان على التلاجة وهي بتحلم بفسحة مع راجل مبيصونهاش.
وكتبت تحت الصورة كابشن صغير:
“الرحلة مكنتش لشرك الشقاء.. الرحلة كانت لنفسي.. وأخيرًا وصلت.”
وقد كان. مريم أخدت الشنطة بتاعتها، وحجزت رحلة أسبوع كامل لوحدها في أفخم فندق في شرم الشيخ، من فلوسها اللي رجعت لها، ومن عرقها الصافي.
وقفت على شاطئ البحر، الميه الزرقا بتلمس رجليها، والهوا الطاير بيلعب في شعرها، وهي بتضحك من قلبها لأول مرة من سنين.. ضحكة ست عرفت إن أجدع اتفاق في الدنيا.. هو الاتفاق اللي بتعمله مع نفسك عشان تصون كرامتك وما تسمحش لأي حد في الدنيا يستغفلها تاني!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *