٦ شهور بحوش ج٢ منى السيد

الجزء الثالث
مريم ما ضيعتش دقيقة واحدة.
الهدوء اللي نزل عليها فجأة كان يرعب، هدوء الست اللي أدركت إنها كانت عايشة في كذبة كبيرة، وقررت إنها مش هتبكي على اللي فات، لكن هتهد المعبد على دماغ اللي حاول يستغفلها.
نزلت لشقة الحاجة سعاد، وساعدت سواق العربية النقل إنه يشيل الكراتين الأربعة اللي فيهم هدوم أحمد بالكامل، وبدل ما تبعتهم لبيت أمه زي ما قالت للحاجة سعاد في الأول، غيرت خطتها في آخر لحظة.
مريم بصت للسواق وقالت له بنبرة قاطعة:
— العمارة رقم 12 شارع الميرغني، الدور التالت، شقة الحاجة نوال عبد الحميد. تسلمهم لها إيد بإيد، وتقول لها “مريم بتبعتلك هدوم ابنك عشان يرتاح عندك الفترة الجاية”.
السواق هز راسه وأخد الفلوس، ومريم طلعت شقتها تاني.
أول ما دخلت، فتحت الدولاب الكبير بتاعها. جابت شنطتين سفر كبار، وبدأت تلم هدومها هي، حاجتها الشخصية، دهبها، ورقها الرسمي، وشهادة ميلادها، وعقد الجواز. كل حاجة تخصها جمعتها في نص ساعة.
لكن قبل ما تقفل الشنط، راحت على النيش. فتحت الباب الزجاجي وأخدت طقم الفضة اللي كانت جابته بفلوسها من شغلها قبل الجواز، وأخدت الأجهزة الكهربائية الصغار اللي كانت شارياها من جيبها الشخصي وهي متجوزة وكانت مسجلاها في قائمة المنقولات.
قفلت الشنط، وحطتهم جنب الباب.
وبعدين قعدت على ترابيزة السفرة، مسكت موبايلها، وطلبت رقم الأستاذ أشرف.. المحامي اللي كان مسك قضية قبل كده لخالها.
— أيوة يا أستاذ أشرف.. أنا مريم.
— أهلاً يا مدام مريم، خير يا بنتي؟
— أنا محتاجة أرفع دعوى تبديد منقولات، ودعوى خلع أو طلاق للضرر، ومحتاجة أعمل محضرات إثبات حالة فوراً.
— إيه ده؟! خير يا مريم؟ فيه إيه بينك وبين أحمد؟
— أحمد أخد شقايا وفلوسي عشان يصرفها على واحدة تانية، وعايز يسبني على الحديدة. أنا معايا الأدلة الكاملة بالصوت والصورة والأوراق.. ومحتاجة حضرتك تبدأ الإجراءات من النهاردة قبل بكرة.
المحامي سكت ثانية، وبعدين رد بجدية:
— تمام.. هات لي الأوراق والصور وتعالي لي المكتب الساعة أربعة العصر، وهنعمل كل حاجة بالقانون.
ساعتها الموبايل في إيد مريم بدأ يرن.
اسم “أحمد” كان منور الشاشة. مريم سابت الموبايل يرن ويفرك على الترابيزة لحد ما فصل لوحده.
رن تاني.. وتالت.. ورابع.
في المرة الخامسة، فتحت الخط، وحطت الموبايل على ودنها من غير ما تتكلم ولا كلمة.
صوت أحمد جاء لها من الناحية التانية زي المجنون، صوته كان هسيستيري وجايب آخره:
— إنتِ اتجننتي يا مريم؟! إنتِ بعتي هدومي لأمي في كراتين مع سواق نقل؟! أختي هبة بتكلمني بتصرخ وتقول لي أمك أغمى عليها لما شافت الهدوم وسمعت كلام السواق! إنتِ بتعملي إيه بالضبط؟!
مريم ردت عليه ببرود أبرد من التلج:
— أصلك نزلت من غير هدوم يا أحمد.. فقلت أريحك وأبعتهالك على هناك، بدل ما ترجع البيت وماتلاقهاش. وبعدين.. مش أمك برضه أولى بالراحة؟ أهي هدومك عندها عشان لما تطلعوا رحلة السخنة سوا.. إنت وهي.. ونهى.
السكوت ينزل على الخط زي الصاعقة.
أحمد اتسمر مكانها. صوته المجهد والعالي اختفى فجأة، وبقت أنفاسه العالية هي بس اللي مسموعة في السماعة.
مريم كملت وهي بتهز رجلها بالراحة:
— إيه؟ السكوت ده معناه إيه؟ هو الاسم غريب عليك؟ نهى شريف صلاح.. النزيل الإضافي في الغرفة المزدوجة ذات التراس البانورامي بـ 134 ألف و600 جنيه.. اللي مدفوعة بكارت الفيزا بتاعك، ومن مرتبك اللي كنت بتتحرم عليه وتقول لي “بنحوش للرحلة سوا يا مريم”.
أحمد لسانه اتقطع. حاول يتكلم، حاول يرتجل أي كذبة:
— مريم.. إنتِ.. إنتِ فهمتي غلط.. دي.. دي زميلتي في الشغل وكان فيه مؤتمر..
— مؤتمر؟
مريم ضحكت بصوت عالي، ضحكة مليانة قرف وسخرية.
— مؤتمر مساج وسبا وحمام سباحة في منتجع فاخر في العين السخنة لمدة 12 يوم؟ والمؤتمر ده طالع باسم “الحاجة نوال عبد الحميد” عشان لو أنا قفشت الإيميل بالصدفة تقول لي دي أمي وضهرها تعبان وأكل وشي بالقوامة والدين؟
— مريم اسمعيني بس.. والله الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.. أنا هفهمك كل حاجة.. افتحي الباب أنا جاي في السكة!
— مفيش حاجة تتفهم يا أحمد. الباب مقفول بالترباس، وشنطي جنب الباب.. وأنا نازلة بعد شوية. بس مش هروح بيتنا.. أنا رايحة للمحامي.
أحمد صرخ في التليفون بدعر:
— محامي إيه؟! إنتِ هتخربي بيتك عشان حتة سوء فهم؟!
— بيتي اتخرب من ست شهور يا أحمد.. من أول يوم حطيت إيدك في جيبي وأنا فاكرة إنك بتصونني، وأنت كنت بتستغفلني وتصرف على زبالتك. 96 ألف و840 جنيه بتوع مصاريف البيت هيرجعوا بالقانون.. وقائمة المنقولات هتتدفع بالمليم، وإما تدفع يا إما البوكس هيعدي عليك في الشركة ياخدك بالترينج المقطوع اللي إنت لابسه ده!
قفلت مريم السكة في وشه، وعملت للرقم بتاعه بلوك.
في نفس اللحظة، الموبايل رن برقم تاني.. كان رقم أخته هبة.
مريم فتحت الخط:
— أيوة يا هبة.
هبة كانت بتتكلم وصوتها بيرتعش من الذهول والصدمة:
— مريم.. هو الكلام اللي أمي بتقوله ده صح؟! هو أحمد عامل حجز للسخنة مع واحدة اسمها نهى؟! هو بجد كان بيضحك عليكي وبياخد فلوسك يصرفها عليها؟!
مريم تنهدت وقالت بكل ثبات:
— الإيميل معايا يا هبة، بالاسم والتاريخ ورقم الحجز. وأنا مش هظلم حد.. أنا تبعت لك صور الشاشة حالا على الواتساب عشان تشوفي أخوكي “البار بوالديه” كان بيستغل اسم أمه إزاي عشان يغطي على قذارته.
بعتت مريم الصور لهبة. بعد دقيقة واحدة، جاءت مسج صوتية من هبة وهي بتعيط وبتقول:
— حسبي الله ونعم الوكيل فيه! والله يا مريم إحنا ما نعرف حاجة عن القرف ده، أمي قاعدة بتعيط ومقهورة وبتقول لي أنا مربيتش ابني على كده.. حقك علينا يا مريم، حقك على راسي!
مريم ردت بصوت هادي:
— إنتِ وأمك مالكوش ذنب يا هبة.. ذنبه هو لوحده، وهو اللي يشيل شيلته.
الساعة جاب أربعة إلا ربع.
مريم نزلت الشنط بمساعدة حارس العمارة، وأخدت تاكسي وطلعت على مكتب المحامي.
في المكتب، المحامي قعد قرا الأوراق، شاف صور الحجز، وشاف دفتر المصاريف اللي مريم كانت كاتباه باليوم والساعة والمبلغ.
الأستاذ أشرف هز راسه بإعجاب وقال:
— شغلك مظبوط أوي يا مدام مريم. الدفتر ده مع الفواتير اللي معاكي للكهربا والإيجار والإنترنت باسمك أو من حسابك البنكي، مع إيميل الحجز اللي بياكد إن مرتبه كان رايح في اتجاه تاني كلياً.. كل ده بيثبت الضرر والتعسف وسوء النية.
— والقائمة يا متر؟
— القائمة هنعمل بيها محضراً تبديد منقولات زوجية فوراً. والشقة؟ الشقة طبعاً من حقك لو فيه أطفال، بس طالما مفيش أطفال، إحنا هنطالب بتمكين من الشقة أو استرداد كامل للمؤخر والمحتويات.
مريم بصت للمحامي وقالت بكل إصرار:
— أنا مش عايزة الشقة يا متر.. الشقة دي ريحتها كلها كذب وغدر. أنا عايزة حقي بالمليم. الـ 96 ألف بتوع مصاريف البيت، ودهبي، وقائمة المنقولات، ومؤخري. مش هسيب له جنيه واحد يفرح بيه مع السنيورة بتاعته.
المحامي ابتسم:
— اعتبريه حصل. بكرة الصبح هيكون الصال هوأول إنذار على يد محضر واصل له على الشركة وعلى بيت أمه.
خرجت مريم من مكتب المحامي الساعة ستة بالليل. الشمس كانت بتبدأ تغرب، والهوا كان براد شوية. لأول مرة من ست شهور، مريم حسيت إنها قادرة تتنفس. التعب والحرمان والضغط اللي كانت عايشة فيه عشان “توفّر للرحلة” اختفى، واستبدل بمتعة الحرية والاسترداد.
راحت على بيت أهلها في المقطم. أول ما فتحت لها أمها الباب وشافت الشنط، اتخضت:
— مريم؟! خير يا بنتي فيه إيه؟! فين أحمد؟
مريم دخلت، حطت الشنط في الصالة، وقعدت على الكنبة، وبصت لأمها وابتسمت ابتسامة صافية:
— مفيش حاجة يا أمي.. أنا بس رجعت بيتي. الحساب اتقفل، وأحمد طلع يدفع الفاتورة.
أما على الناحية التانية.. في شركة أحمد في التجمع الخامس..
أحمد كان قاعد في مكتبه، وشه أصفر زي الليمونة، ولابس الترينج القديم المبهوق وسط زمايله اللي كانوا بيبصوا له باستغراب وتهامس.
الموبايل في إيده ما كانش بيبطل رن.
أمه بتمسح بكرامته الأرض في التليفون وتصرخ فيه وتقول له “يا خايب يا فضيحتنا وسط الناس!”..
وأخته هبة بعتت له رسالة بتهدده إنها مش هتدخل بيته تاني..
ونهى شريف.. الزميلة اللي كان طالع معاها.. دخلت عليه المكتب فجأة وهي ماسكة موبايلها وشها أحمر من الغضب، وقالت بصوت واطي بس يرعب:
— أحمد! هو إيه الإيميل اللي جاي لي على ميل الشركة ده من محامي مراتك؟! هو إنت مجنون؟! إنت مدخل اسمي في قضايا ومحاضر تبديد بسبتك؟!
أحمد بص لنهى، وبعدين بص لموبايله اللي جاية له عليه رسالة إنذار قضائي على إيميله الشخصي..
حس إن الدنيا كلها بتلف بيه، وإن السحر انقلب على الساحر بسرعة ما كانش يتوقعها أبداً.
مريم ما اكتفتش بتدمير خطته.. مريم بدأت الحرب الحقيقية، وأحمد ما كانش حاسب إن الست اللي كانت بتحسب كل جنيه عشان تريح جيبه.. ممكن تحسب كل ثانية عشان تاخد حقه منه بالمثل!
لكن اللي أحمد ما كانش يعرفه.. إن مريم كانت شايلة له مفاجأة تالتة.. مفاجأة في الشغل بتاعه نفسه، هتخلي رحلة العين السخنة دي.. هي آخر رحلة يقدر يفكر فيها في حياته!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *