انا وعيلتي حكايات بسمه
لتبني حياتكِ من جديد. وأنا مستعدّة لما يستحقه فعلتي.
القاضي أصدر حكمه في نهاية الجلسة أوليفيا بنيت أدينكِ پتهمة القټل الخطأ تحت تأثير الكحول، والهرب من مكان الحاډث، وانتحال هوية الغير، وتزوير وثائق رسمية، والاحتيال. مجموع العقوبات سجن لمدة خمسة وعشرين عامًا. وأما بخصوص أفراد العائلة فقد تقرّر توجيه تهم التواطؤ والتستر على الچريمة لكل من الأب والأم والأخ. ويتمّ إحالتهم للتحقيق لتحديد مسؤولية كل واحد منهم.
نظرت لي أوليفيا مرة أخيرة قبل أن يأخذوها بعيدًا نظرة كان فيها ندم حقيقي وإنكسار. وما قدرتش أكرهها في تلك اللحظة. شفتها كإنسانة ضاعت في خيارها، واختارت الطريق الخطأ خطوة ورا التانية لحد ما ما عادش فيه رجوع.
وبقيت أنا واقفة في مكاني حرة. حرة من عبودية السنين. حرة من أوامرهم ونظراتهم ومطالبهم. حرة لأبني حياتي بالطريقة اللي أنا عايزاها.
خرجت من المحكمة وشمس النهار دافئة على وجهي. الهواء كان نقيًّا ومختلفًا. فتحت جواب القبول اللي كان معي وقرأت الكلمات مرة تانية نحن سعداء جدًا بقبولكِ في كلية الحقوق
ابتسمت. أربع سنين تأخرت بس وصلت. والطريق قدامي طويل ومشرق. وبدأت أمشي ومشيت بكل ثقة. لأن كل خطوة من هنا ورا خطاي أنا. وحياتي أخيرًا بقت ملكي.
الفصل الثالث البداية بعد النهاية
مرّت سنة كاملة. سنة مليئة بالتغييرات فيّ، وفيهم، وفي كل حاجة حواليا.
بدأت دراستي في الجامعة. المكان اللي كان مفروض أكون فيه من زمان. يوم أول محاضرة، وقفت قدام باب القاعة وقلبي كان بيدق بسرعة. حسّيت بشعور غريب كأنني داخلة مكاني، مكان سُرق مني، ورجع لي أخيرًا. لما دخلت وقفت بين الطلاب، شفت بنات وشباب في سني، كلهم عندهم أهداف وأحلام وقلت لنفسي أنا هنا. وأنا أستاهل أكون هنا.
كان صعب في البداية. الفرق في السنين بيني وبين زملائي خلاني أحسّ إنني كبيرة شويّة، بس خبرات الحياة اللي مررت بيها خلاني أقدر أستوعب وأفهم أسرع. كنت أجتهد بكل قوتي. كل محاضرة أحضرها، كل كتاب أقراه، كل ورقة أكتبها كنت حاسّة إنني بسترجع جزء من حياتي اتسرق. كنت أدرس وأكتب وأنا حاسّة بسعادة ما تُوصف لأن ده اختياري أنا. ده حقي أنا.
أهلي حالهم تغير كتير. العقوبات صدرت بحقهم أمي وأبويا حُكم عليهما بالسجن لمدة عامين مع وقف التنفيذ، وغرامات مالية كبيرة، وسجّل في سجلهما المدني تقصيرًا في الرقابة والتستر على الچريمة. إيثان حُكم عليه بغرامة ومراقبة لمدة سنة. تأثّروا كتير. خسروا احترام الناس والكثير من معارفهم. وبدأت حياتهم ټنهار شيئًا فشيئًا.
كانوا يطلبون مقابلتي دايماً. وأنا كنت أروح لهم من فترة للتانية مش عشان سامحت بسهولة، بس عشان أعرفهم إنني لسه بنتهم، وإن المغفرة ممكن تجي بعد وقت، بس الثمن كان غالي جدًا.
في أحد الأيام، قابلت أمي في مقر المتابعة. كانت تبدو أصغر سنًا بكثير، شعرها بدأ يشيب، وملامحها اتغيّرت بفعل الندم. قالت لي وهي تمسك إيدي بيدها المرتعشتين كلارا ما في يوم حبيتكِ أقل منها. كنتِ مختلفة قوية وواعية من وأنا صغيرة. فكنت أتكلّم عليكِ وأعتمد عليكِ وأطلب منكِ تضحّي لأنني كنتِ أقدر أطلبها منكِ وأنتِ بتعطي بلا تردد. وكنت فاكرة إن ده حبّ لحد ما خسرتكِ وعرفت إن الحبّ مش تضحية الطرف الواحد.
دمعت عيناي وأنا أسمعها. قلت لها أنا كنت مستعدّة أضحّي لكم كل حاجة بس ما كانش ينقصوني حقي وكرامتي. الحبّ الحقيقي يا ماما ما يطلبش من إنسان يتنازل عن نفسه عشان يبقى محبوبًا.
أبويا قال لي في لقائنا التالي
بصوت خفيف مليء بالخزي كنا نعاملكِ كأنكِ البنت الكبيرة اللي تتحمّل المسؤولية ونسينا إنكِ لسه بنتنا اللي محتاجة حماية ورعاية زيها. ولما كبرتي حبسناكي في دور الخادمة عشان نخدمها. وما شفناش إنكِ تستاهلي الحياة اللي كنّا ندلّلها عليها.
إيثان بدأ عمله في شركة صغيرة بعيدًا عن الأصدقاء والمعارف القدامى. حاول يبني نفسه من جديد. كل فترة بيجي يسألني إذا كنت محتاجة حاجة، وبيساعدني في كل ما يقدر. قال لي مرة أنا مش عايز أطلب منكِ تسامحيني بس اسمحي لي أعوّضكِ شويّة من اللي خسرتيه.
أوليفيا زرتها في السچن مرة واحدة. لما شفتها ورا القضبان، كانت هادية ومتغيّرة كتير. ملامحها فقدت بريقها، بس عينها كانت صافية. قالت لي كل ما أتذكر حياتي اللي عشتها باسمكِ أتألم أضعافًا. لأنني عرفت قيمتها وثمنها بعد ما خسرتها. وأعرف إنني ما أقدر أردّ لكِ شيء بس وعدًا مني راح أكون إنسانة تانية لما أخرج. وراح أعوّضكِ بكل ما أقدر ولو بقي لي حياة.
قلت لها بهدوء أنا مش عايزة تعوّضيني حاجة. اللي أريده إنكِ تعيشي حياتكِ الحقيقية بضمير حي. وتعرفي إن كل إنسان له حياته ومستقبله مش ياخده من غيره. وربما اللي حصل ده كان لازم يحصل عشان نتعلّم جميعًا.
خرجت من السچن ورجعت لبيتي. جلست على الشرفة وشفت الغروب. وفكّرت في كل اللي مرّ بيا السنين الأربعة المظلمة، الصمت المرير، الخۏف من المستقبل، ثم الانفجار في قاعة المحكمة، وما بعده من آلام وآمال.
كان صعبًا جدًا. خسړت أهلي بمعنى، وربحتهم بمعنى تاني. خسړت الأوهام اللي كنت أعيشها، وربحت الحقيقة مهما كانت مؤلمة. خسړت أختي اللي كنت أظنها تحبني، وربحت نفسي.
والآن وأنا في طريقي لتحقيق حلمي عرفت إن العدالة تتأخر بس ما بتضيع. وإن الحق لو سكتّ عنه سنين بيرجع أقوى وأكثر إشراقًا. وإن الټضحية بلا حدود مش حبّ بل ضعف. وإن قيمتي ما كانتش في تنازلي وصبري بل في صوتي لما قررت أقول ده حقي. وأنا مش هتنازل عنه.
رفعت راسي عالية، وشفت النجوم بدأت تظهر في السماء الواسعة. ابتسمت. لأن قدامي طريق طويل وأخيرًا بدأت أمشي فيه لوحدي بكل ثقة، بكل أمل، وبكل حرية.
والمشوار لسه في أوله