حكايات صابرين محمد
في اليوم الذي وقفت فيه أمام ماكينة الصراف الآلي وأنا أمسك البطاقة بيدٍ مرتجفة ، شعرت بإحراج لم أشعر بمثله منذ سنوات طويلة. كانت الشاشة مضاءة أمامي والناس يقفون خلفي في انتظار دورهم ، بينما كنت أحدق في الأزرار كأنها مكتوبة بلغة لا أفهمها. حاولت أن أبدو هادئة وضغطت زرًا ثم آخر ، لكن شيئًا لم يحدث ، فازداد ارتباكي أكثر.
التفتُّ سريعًا إلى الرجل الذي كان يقف خلفي في الطابور ، ثم عدت بنظري إلى الشاشة وفي تلك اللحظة لم يكن خوفي من الماكينة هو ما يؤلمني ولا نظرات الغرباء ، بل فكرة واحدة فقط استقرت في رأسي فجأة وأوجعتني أكثر مما توقعت.. وهي أنني بعد تسعة وثلاثين عامًا من الزواج لا أعرف كيف أعيش يومًا كاملًا من دون زوجي.
اسمي نادية وعمري واحد وستون عامًا وقد فقدت زوجي قبل ثمانية أشهر.
حتى الآن ما زالت هناك صباحات أستيقظ فيها قبل شروق الشمس بدقائق ، فأمد يدي إلى الجهة الأخرى من السرير كما اعتدت طوال عقود ، ثم أتوقف عندما لا أجد أحدًا. أحيانًا أبقى مستلقية لثوانٍ أحدق في السقف وأنتظر أن أسمع صوته وهو يسألني إن كنت أريد قهوة أم شايًا ، ثم أتذكر أنه لن يسأل مرة أخرى.
عشت مع زوجي تسعة وثلاثين عامًا كاملة وهي مدة طويلة تكفي لأن تتحول تفاصيل صغيرة جدًا إلى جزء من حياتك دون أن تشعر. كان يعرف أين يحتفظ بكل ورقة مهمة في المنزل وكان يتولى دفع الفواتير ومراجعة البنك وتجديد الأوراق الرسمية والاتصال بأي جهة إذا ظهرت مشكلة تحتاج إلى حل ، بينما كنت أنا منشغلة بأمور أخرى.. كنت أعرف احتياجات البيت كلها وأحفظ مواعيد الجميع وأتذكر المناسبات التي ينساها الآخرون وأعرف كيف أجعل المنزل يسير بهدوء حتى في أصعب الأيام.
لم نفكر يومًا في تقسيم الأدوار ولم نجلس يومًا لنناقش من يفعل ماذا ، فالأمر حدث وحده مع مرور السنوات حتى صار طبيعيًا لدرجة أننا لم نعد نلاحظه.
بعد أسبوعين من وفاته وجدت فاتورة تحت باب المنزل.
أتذكر ذلك اليوم جيدًا.
أحضرت كوبًا من الشاي وجلست إلى طاولة المطبخ ، ثم فتحت الظرف وقرأت الورقة مرة ، ثم مرة ثانية ، ثم ثالثة. كنت أبحث عن شيء بسيط جدًا: ماذا أفعل الآن؟
بقيت الفاتورة أمامي قرابة نصف ساعة.
ثم أمسكت الهاتف واتصلت بابني.
شرح لي الأمر في دقائق قليلة وحاول أن يجعل الموضوع يبدو سهلًا ، لكنني بعد انتهاء المكالمة لم أشعر بالراحة ، بل شعرت بحزن غريب ، لأنني أدركت أن هناك عالمًا كاملًا كان زوجي يديره بصمت طوال هذه السنوات دون أن أشعر بحجمه الحقيقي.
ومنذ ذلك اليوم بدأت أكتشف أشياء كثيرة لم أكن أعرفها.
مرة احتجت إلى تحديث بيانات حساب مصرفي.
ومرة احتجت إلى تجديد مستند رسمي.
ومرة أخرى نسيت كلمة مرور حساب مهم ولم أعرف من أين أبدأ.
كانت أمورًا عادية بالنسبة لمعظم الناس ، لكنها بالنسبة لي كانت تشبه الوقوف أمام باب مغلق لا أملك مفتاحه.
وفي أحد الأيام عدت من دائرة حكومية بعد ساعات طويلة من الانتظار.
دخلت المنزل.
وضعت حقيبتي فوق الطاولة.
خلعت حذائي.
ثم جلست على أحد كراسي المطبخ وبكيت.
لم أبكِ لأن المعاملة لم تنجح.
بل لأنني شعرت للمرة الأولى أنني فقدت أكثر مما كنت أتصور.
فقدت الرجل الذي كنت ألجأ إليه عندما أعجز عن فهم شيء.
وفقدت الطمأنينة التي كانت ترافق وجوده.
وفقدت ذلك الإحساس البسيط بأن هناك شخصًا سيقول في النهاية: لا تقلقي ، سأهتم بالأمر.
في تلك الليلة لم أشعل التلفاز.
ولم أتناول العشاء.
جلست في الصالة المظلمة أتأمل صورته المعلقة على الجدار.
كانت الصورة ملتقطة في حفل زفاف حفيدتنا الكبرى وكان يبتسم فيها بالطريقة نفسها التي اعتاد أن يبتسم بها عندما ينجح في إصلاح مشكلة كنت أعتقد أنها مستحيلة.
لا أعرف كم من الوقت بقيت أحدق فيها.
لكنني أتذكر أنني قلت بصوت مرتفع:
لماذا لم تعلمني هذه الأشياء؟
وبمجرد أن خرج السؤال من فمي شعرت بالندم.
لأنني كنت أعرف أنه لم يتعمد ذلك.
ولأنني كنت أعرف أيضًا أنني لم أطلب يومًا أن أتعلم.
لقد عشنا بهذه الطريقة ببساطة.
كان يحمل أشياء.
وأحمل أشياء أخرى.
وكان كل واحد منا يظن أن الآخر سيبقى موجودًا دائمًا.
بعد أسابيع قليلة قررت أن أذهب إلى البنك وحدي.
استيقظت مبكرًا.
اخترت ملابسي بعناية.
وضعت المستندات داخل ملف بلاستيكي جديد اشتريته خصيصًا لهذا الغرض.
كنت أشعر بتوتر يشبه توتر الطالب قبل أول امتحان مهم في حياته.
وعندما وصلت وقفت في الطابور أكثر من ساعة كاملة.
كنت أراجع الأوراق كل بضع دقائق خوفًا من أن أكون نسيت شيئًا.
وحين جاء دوري أخيرًا شعرت بشيء من الارتياح.
لكن الموظف لم يحتج سوى ثوانٍ قليلة حتى يعيد الملف نحوي قائلًا بهدوء:
ينقصك هذا المستند.
حدقت إليه في صمت.
ثم سألته:
وهل يمكنني إتمام المعاملة بدونه؟
هز رأسه نافيًا.
خرجت من البنك وأنا أحمل الملف تحت ذراعي كما لو أنه حمل ثقيل.
كانت السيارات تمر أمامي.
والناس يواصلون حياتهم كالمعتاد.
أما أنا فكنت أشعر بأنني فشلت في شيء أكبر بكثير من معاملة مصرفية.
وعندما عدت إلى المنزل وقفت أمام الباب للحظات طويلة قبل أن أدخل.
كنت أعرف ما الذي ينتظرني خلفه.
الصمت.
ذلك الصمت الذي أصبح أثقل من أي شيء آخر بعد رحيله.
مرت أسابيع أخرى.
وفي صباح أحد الأيام نظرت إلى سيارة زوجي المركونة أمام المنزل.
كانت مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار.
لم تتحرك منذ أشهر.
فتحت الباب وجلست خلف المقود.
شعرت برائحة عطره القديمة ما زالت عالقة في المكان.
وضعت يدي على المقود وبقيت صامتة للحظات.
ثم أدرت المحرك.
في البداية سارت الأمور جيدًا.
قدت السيارة عدة شوارع.
ثم وصلت إلى طريق مزدحم.
وفجأة بدأ الخوف يتسلل إلى داخلي.
ازدادت ضربات قلبي.
وتعرقت يداي.
وشعرت بأنني عاجزة عن اتخاذ أبسط قرار.
ركنت السيارة على جانب الطريق.
وأخفضت رأسي فوق المقود.
وبكيت.
لم أبكِ بسبب القيادة.
بل لأنني أدركت في تلك اللحظة أنني كنت أعتمد عليه في أشياء أكثر مما كنت أتصور.
وبقيت على تلك الحال حتى طرقت سيدة مسنة زجاج السيارة وسألتني إن كنت بخير.
مسحت دموعي بسرعة وابتسمت لها ابتسامة متعبة.
قلت إنني بخير.
لكنني لم أكن بخير.
كنت أحاول فقط أن أتعلم كيف أعيش حياة لم أخطط لها يومًا.
وفي إحدى الأمسيات جاءت ابنتي لزيارتي.
كانت تساعدني في ترتيب بعض الأوراق التي تركها والدها.
وعندما رأت الإحباط على وجهي أغلقت الملف فجأة وقالت:
أمي ، هل تعلمين ما المشكلة الحقيقية؟
نظرت إليها باستغراب.
فقالت:
أنتِ تنظرين إلى كل شيء لا تعرفينه وتنسين كل شيء تعرفينه.
لم أفهم ما تقصده.
لكنها تابعت حديثها.
قالت إن والدها كان يعرف أمورًا كثيرة فعلًا.
لكنه لم يكن يعرف كيف يدير المنزل كما كنت أفعل.
ولم يكن يعرف كيف يتذكر تفاصيل العائلة كلها.
ولم يكن يعرف كيف يجلس ساعات مع حفيد يبكي حتى يهدأ.
ثم ابتسمت وأضافت:
أنتِ ترين ما كان يفعله أبي لأنه كان ظاهرًا ، أما نحن فكنا نرى ما تفعلينه أنتِ كل يوم.
لا أعرف لماذا أثرت فيّ تلك الجملة بهذا الشكل.
ربما لأنها كانت المرة الأولى التي ينظر فيها أحد إلى حياتي من زاوية مختلفة.
في تلك الليلة لم أستطع النوم.
ظللت أتذكر سنوات طويلة مضت.
أتذكر الليالي التي سهرت فيها بجوار أبنائي عندما كانوا مرضى.
وأتذكر الأيام التي كنا نعاني فيها من ضائقة مالية وكيف كنت أدير المنزل حتى تمر الأزمة.
وأتذكر المرات التي كان الجميع ينهار فيها بينما أحاول أنا أن أبقى قوية.
وفجأة أدركت شيئًا بسيطًا.
لم أكن عاجزة.
كنت فقط أتعلم شيئًا جديدًا.
وفي الصباح التالي اشتريت دفترًا صغيرًا.
وبدأت أكتب فيه كل شيء.
خطوات دفع الفواتير.
أرقام الحسابات.
أماكن المستندات.
كلمات المرور.
وكل معلومة أتعلمها.
ومع مرور الوقت بدأت الأمور تصبح أسهل.
ليس لأنها أصبحت سهلة فعلًا.
بل لأن خوفي منها بدأ يتراجع.
ثم جاء اليوم الذي دخلت فيه البنك وحدي مرة أخرى.
كانت الأوراق كاملة هذه المرة.
وكانت يداي أكثر ثباتًا.
أنهيت المعاملة.
استلمت الإيصال.
وخرجت من المبنى.
وعندما وصلت إلى الباب توقفت للحظة.
لم يكن هناك أحد يهنئني.
ولم يكن ما فعلته إنجازًا عظيمًا بالنسبة لأي شخص آخر.
لكنه كان بالنسبة لي انتصارًا صغيرًا على خوف عاش داخلي أشهرًا طويلة.
بعدها بأيام قليلة قدت السيارة وحدي إلى منزل ابنتي.
وعندما عدت مساءً وأوقفت السيارة أمام المنزل بقيت جالسة خلف المقود دقائق طويلة.
كنت أبتسم.
وأبكي في الوقت نفسه.
لأنني تمنيت لو كان موجودًا ليراني.
كنت أعرف أنه سيضحك ويقول إنني أقللت من نفسي طوال الوقت.
واليوم ، بعد ثمانية أشهر من رحيله ، ما زلت أفتقده بالطبع.
أفتقد صوته.
وأفتقد خطواته في الممر.
وأفتقد وجوده إلى جواري في أبسط تفاصيل الحياة.
لكنني لم أعد أنظر إلى نفسي بالطريقة نفسها التي كنت أنظر بها يوم وقفت مرتبكة أمام ماكينة الصراف الآلي.
ففي ذلك اليوم كنت أظن أنني امرأة ضائعة لا تعرف كيف تكمل الطريق وحدها.
أما الآن فقد فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل.
لقد أمضيت شهورًا أعتقد أن زوجي كان يحملني طوال تلك السنوات ، بينما الحقيقة أن كل واحد منا كان يحمل الآخر بطريقته الخاصة.
هو كان يحميني من أشياء كثيرة.
وأنا كنت أفعل الشيء نفسه دون أن أشعر.
ولهذا فإن أكثر ما تعلمته بعد رحيله ليس طريقة دفع الفواتير ولا إنهاء المعاملات ولا قيادة السيارة وحدي.
بل أن الحب الحقيقي لا يجعل الإنسان ضعيفًا كما يظن البعض.
الحب الحقيقي يمنحه من القوة ما يكفي ليقف من جديد عندما يضطر إلى ذلك.
وربما لهذا السبب أبكي أحيانًا وأنا أبتسم. لأنني كنت أظن أن زوجي حين رحل تركني وحدي، ثم اكتشفت أنه لم يتركني أبدًا. لقد أمضى تسعة وثلاثين عامًا يبني داخلي،دون أن أشعر امرأة قوية تعرف اليوم أنها قادرة على مواصلة الطريق حتى وإن كان عليها أن تسير بقية العمر وحدها
الكاتبة #صابرين_محمد
تمت
إذا وصلت إلى النهاية اترك بصمتك بالصلاه على النبي