قسوه ام ج3 اماني السيد
مسكت التليفون وهو بيرن في إيدي، الشاشة كانت بتنوّر وتطفي باسم “أمي”. لثواني معدودة، رجع الصدى القديم يرن في ودني، صوت القلم، وصوت كتفي وهو بيتكتف عشان أتمكن مني.. بس المرة دي، شريط الأيام الأخيرة كلها مرّ قدام عيني في لحظة: وِش منير وهو متكلّب، العشيقة وهي بتترعش في الأوضة، وتقرير الطب الشرعي المختوم بختم النسور في شنطتي.
الخوف مات، والبديل عنه كان برود تام.
فتحت السكة وحطيت التليفون على ودني من غير ما أنطق بحرف.
يجيلي صوتها فوراً، مليان غضب وقسوة وهي بتزعق وتجيب آخره:
ـ “أنتِ فين يا مقصوفة الرقبة؟ إيه اللي هببتيه ده؟ منير محبوس وناس من طرفه جايينلي البيت يهددوا وفضحتينارفي البلد! أنتِ اتجننتي؟ ترجعي فوراً وتتنازلي عن المحضر وتترجي رجله يسامحك، وإلا قسم بالله لو رجعتيلي مكسورة الحرمة لأكون قاتلاكي بإيدي!”
سمعتها للآخر من غير ما أترعش، ولا دمعة واحدة تنزل من عيني. استنيت لما خلصت صريخها، ورفعت صوتي بتهدئة وشدة عمري ما عشتهم:
ـ “خلصتي؟.. اسمعيني كويس يا أمي، عشان دي آخر مرة هتسمعي فيها صوتي. عواطف اللي كنتِ بتضربيها وتكتفيها عشان جوزها يذلها.. ماتت. ق*تلتوها أنتوا الاتنين بسياطكم.”
صوتها اتخنق ثانية من الصدمة، وقبل ما تنطق، كملت بأعلى نبرة ثبات عندي:
ـ “منير محبوس بالقانون، وقضية الزنا والضرب هتوديه في داهية، وعريضة الطلاق اترفعت. وأنتِ.. لو فكرتي تقربي مني أو تضغطي عليا، التقرير الطبي اللي معايا فيه تثبيت لكل علامة في جسمي، وساعتها مش هتردد أدخلك معاه بنفس التهمة والمشاركة في الأذى. أنتِ ما بقيتيش أمي.. أنتِ بقيتي الماضي اللي نفضت ترابه عن رجلي.”
قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة ثانية، وعملت للرقم بلوك نهائي، ومسحته من ذاكرة التليفون.
بصيت للشباك المفتوح في الأوضة المفروشة، كان هوا الليلة بارد ونظيف. مسكت قلم وورقة من الشنطة، وبدأت أخطط لبكره: هبدأ أدور على شغل، وهحضر جلسات النيابة والمحكمة بوش مرفوع.
لأول مرة في حياتي، أنام وأنا حاسة إن السقف اللي فوقي حاميني بجد، مش عشان فيه راجل أو أم.. بس لأن صاحبة البيت دي، أخيراً.. بقت ست نفسها.
عدّى الليل بطيئ، بس لأول مرة أنام نومة هادية من غير ما أصحى مرعوبة من صوت خطوة على السلم أو زعيق على الباب. صحيت على النور وهو طالع من الشباك، اتوضيت وصليت وطلبت من ربنا القوة، ولبست هدومي وطلعت فوراً على سرايا النيابة عشان الجلسة.
أول ما وصلت الممر القدامي لمكتب وكيل النيابة، لقيت زحمة.. أهل منير وبعض قرايبه كانوا واقفين. أول ما شافوني، علامات الغل والتهديد وضحت على وشوشهم، وقربت مني أخته بصوت حاد وهي بتحاول تخوفني:
ـ “جرى إيه يا عواطف؟ بقيتي جبروت ورامية ابن ناس في السجن؟ افتكري إنك لو ما تنازلتيش النهاردة مش هنسيبك، ولا نسيتي أصلك وفصلك؟”
وقفت في وشها بثبات ورفعت راسي، وبصيت في عينها بشرارة حادة خليتها تتراجع خطوة لورا:
ـ “أصلي أهو قدامك، ست بتاخد حقها بالقانون.. واللي عنده كلمة مضايقاه يروح يقولها لوكيل النيابة جوه!”
في اللحظة دي، العسكري طلع منير وعشيقته متكلبشين في بعض عشان يدخلوا المكتب. منير كان منظره يحزن، وشه مجهد، والغرور اللي كان بيتنفخ بيه اتبخر كأنه ما كانش. بصلي بنظرة كلها كسر وتوسل، شفافه شفايفه بتقول كلمة “سامحيني” من غير صوت. بس كل ما أفتكر إيده وهي نازلة على وشي وصوت ضحكهم، قلبي يتقفل زي الحديد.
دخلنا المكتب.. وكيل النيابة قعد ومرمى قدامه ملف القضية، حرز الموبايل، وتقارير الطب الشرعي. مسك الأوراق، وبص للمتهمين بنظرة صارمة، وبعدها وجّه كلامه ليا:
ـ “يا مدام عواطف.. أنتِ متمسكة بأقوالك والبلاغ المقدم منك؟”
قلت بصوت واثق هز جدران الأوضة:
ـ “متمسكة بأقوالي كلها يا فندم، ومتمسكة بحقي في كل نقطة دم نزلت مني، وبكل هتك لحرمة بيتي.”
وكيل النيابة استمع لأقوال منير اللي كان بيتأتأ ويحاول يخترع حجج واهية، بس الفيديو والتقرير الطبي والجيران اللي شهدوا في محضر الشرطة كانوا حبل المشنقة الملفوف حوالين رقبته.
بعد ساعة من التحقيق، ضرب وكيل النيابة بالختم على الأوراق، ونطق بالقرار:
ـ “تجديد حبس المتهمين 15 يوماً على ذمة التحقيق، وإحالة القضية للمحاكمة الجنائية العاجلة بتهمة الزنا والاعتداء والضرب العمد.”
الصدمة نزلت على منير وعشيقته زي الصاعقة.. الست صرخت ومنير أغمى عليه تقريباً وهو بيتسحب لبرة، وقرايبه بره بقوا يلطموا ويندبوا على الفضيحة والمصير اللي هيستناهم.
خرجت من سرايا النيابة وأنا حاطة إيدي في جيبي. شفتهم بياخدوهم في بكس الشرطة، وفي اللحظة دي حسيت إن كل القهر اللي شفته في حياتي انغسل.. العدل مش بس كلام في كتب، العدل بياخده صاحب الحق لما يقرر ما يخافش.
مشيت من قدام مبنى النيابة، وصوت صريخ أهله وسرينة البكس وهي ماشية بتتبخر في الهواء ورايا. خرجت للشارع وأنا حاسة بوزن جبل انزاح عن صدري. لأول مرة من سنين طويلة، أتنفس هواء نقي، هواء ما فيهوش ريحة خوف ولا انتظار لإهانة جديدة.
طلعت على مكتب المحامي عشان أسلمه صورة من قرار النيابة بتجديد حبسهم وإحالتهم للمحاكمة العاجلة. المحامي أخد الورق وهو بيضحك بانتصار، وقال:
ـ “كده القضية بقت في جيبنا يا مدام عواطف.. العريضة بتاعة الطلاق للضرر انترفت رسمياً، والقرار ده هيرفق بأول جلسة. منير كده محشور في زاوية مالهاش خروج، يا إما يطلق بالود ويتنازل عن كل حاجة، يا إما الحكم هيصدر بالطلاق للضرر مع حدمه بالسجن في قضية الآداب والضرب.”
قلتله ببرود وثبات:
ـ “أنا مش عايزة منه حاجة ودية يا أستاذ.. القانون ياخدلي حقي حاف من غير ما أقف أقايضه على كرامتي.”
سيبت المكتب، ونزلت أدور على الشق الثاني من حياتي الجديدة. كان معايا باقي الفلوس اللي خدتها من بيع الحلق، بس لازم أعتمد على نفسي عشان الأيام الجاية. لفيت في الشوارع القريبة من الأوضة اللي أوجرتها، وبدأت أسأل في المحلات والمشاغل عن أي شغلانة.
وبالفعل، ربنا فتحها في وشي، ولقيت شغلانة في مشغل ملابس حريمي قريب.. صاحب المشغل كان راجل كبير في السن ومحترم، أول ما شاف جديتي وافق إني أبدأ من ثاني يوم في قسم التوضيب والتغليف بمرتب يعيشني مستورة.
مرت الأيام وسير القضية ماشي زي السيف.. جلسة الطلاق قربت، ومنير جوه السجن بياكل في نفسه من الفضيحة والعجز. أمه جابت واساط وبعتتلي ناس للبيت عشان يترجوني أتنازل أو أقبل بالطلاق الودي عشان تطلعه بعفو أو كفالة، بس كل المحاولات كانت بتتكسر على جدار السكوت والرفض اللي بنيته.
وفي يوم جلسة الطلاق للضرر.. وقفت قدام القاضي في محكمة الأسرة.
منير حضر من السجن واقف في القفص، وشه دبلان، عينيه مطفية، وهيبته المزيفة بقت تراب. القاضي استعرض محضر النيابة، وفيديو المتلبس، وتقرير الطب الشرعي، وبصلمحامي منير اللي ما كانش عنده أي دفع يقدر يقدمه.
القاضي رفع نظارته، ونطق بحكمه اللي نزل عليا زي المطر الصافي:
ـ “حكمت المحكمة بتطليق المدعية عواطف… طلقة بائنة للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها الشرعية من مؤخر وصداق ومتعة، وإلزامه بالمصاريف.”
خبط القاضي بالمطرقة.. وفي اللحظة دي، بصيت لمنير جوه القفص. المرة دي ما كانش فيه أي غل جوايا ناحيته، كان فيه مجرد شفقة على بني آدم افتكر إن القسوة والظلم قوة، وما عرفش إن حوبة المظلوم بتدك العروش.
خرجت من باب المحكمة وأنا حاطة إيدي في جيبي، مرفوعة الراس، وحرة.. حرة من أم فاكرة الأمومة امتلاك، وحرة من زوج فاكر الرجولة استقواء. عواطف الجديدة كانت خلاص اتولدت، ومشيت في طريقها من غير ما تبص وراها أبداً.
خرجت من باب المحكمة، والنور كان غامر الشارع بشكل مختلف.. كأن الشمس طالعة مخصوص عشان تباركلي على نسختي الجديدة.
الورقة اللي في إيدي، وثيقة الطلاق، ما كانتش مجرد ورقة رسمية؛ دي كانت شهادة ميلادي الحقيقية. مشيت بثبات لحد المحطة، وركبت المواصلات ورايحة على شغلي في المشغل.
أيام المشغل كانت شاقة، بس كل نقطة عرق كانت بتنزل مني كانت بتغسل بقايا عواطف القديمة. كنت بشتغل بضمير وبتركيز، وصاحب المشغل لاحظ جديتي ونظافتي في الشغل، فبدأ يعتمد عليا في حاجات أكبر، ومع كل زيادة صغيرة في المرتب، كنت بحس بالاستقلال والحرية اللي انحرمت منهم عمري كله.
بعد كام أسبوع، وأنا قاعدة على المكنة بوضب الشغل، حست الحركة بره المشغل مش طبيعية. طلعت أشوف فيه إيه، ولقيت واحدة واقفة عند الباب وشها مدفون في الشال وبتسأل عليا بصوت بيترعش.
أول ما قربت منها ورفعت الشال عن وشها.. اتسمرت مكانتي.
كانت أمي.
كابوس الماضي واقف قدامي، بس المرة دي ما كانش فيه القسوة ولا الوش الجامد اللي كان بيكسرني زمان. كان وشها مجهد، ومكسور، والزمن حافر فيه علامات الضعف.
بصتلي بعينين مليانة دموع وقالت بصوت هادي، من غير زعيق ولا أوامر:
ـ “عواطف.. يا بنتي.”
وقفت قدامها بثبات، إيديا في جيبي، ووشي ما عليهوش أي تعبير:
ـ “نعم يا أمي.. خير؟”
حاولت تقرب تمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوة لورا بالراحة من غير ما أترعب. الدمعة نزلت من عينها وقالت:
ـ “منير اتحكم عليه بالسجن.. وأهله أكلوا وشي في المنطقة، والناس كلها بقت تشاور عليا وبتقول دي اللي بنتها فضحت جوزها. أنا جيت أقولك تعالي ارجعي البيت معايا.. السكة دي مش سكتك يا عواطف، البنت مالهاش غير بيت أهلها.”
ابتسمت الابتسامة الهادية اللي اتعلمتها في أيامي الأخيرة، وقلت بصوت واثق ومسموم بالحق:
ـ “بيت أهلي؟ البيت اللي كنتِ بتكتفيني فيه عشان أضرب وأتهان؟ البيت اللي كل ما أستنجد بيكي تدوس عليا أكتر؟ لا يا أمي.. عواطف اللي كانت بتترعب من كلمة ‘حاضر’ ماتت في الليلة اللي اتكتفت فيها قدام جوزها.”
مسحت دموعها وهي بتتكلم بسرعة:
ـ “أنا كنت بربيكي! كنت عايزاكي تعيشي وتستحملي عشان بيتك ما يتخربش!”
ـ “التربية مش ذل يا أمي.. والستر مش إهانة. أنتِ ما ربيتنيش، أنتِ كسرتيني وحطيتيني تحت جزمة راجل ما يصونش. والنهاردة أنا طالعة من تحت الركام ده بفضلي أنا، مش بفضل حد.”
سكتت أمي ومش عارفة ترد، الذهول كان واكل وشها من الشجاعة والنطق اللي بقيت فيه.
كملت كلامي وأنا ببص في عينها مباشرة:
ـ “أنا مش زعلانة منك، ولا شايلة في قلبي غل.. بس أنا اخترت حياتي خلاص. شغلي بيسترني، وأوضتي المفروشة أحسن عندي من ألف قصر أتذل فيه. لو عايزه تطمني عليا كأم، أهلاً بيكي تسألي عليا بالتليفون من وقت للتاني.. لكن تحكمات وإني أرجع أكون خيالة ضل عندك، ده زمن وانتهى.”
لفت أمي وشها ومشت بخطوات تقيلة ومكسورة، وأنا وقفت أتابعها وهي بتبعد.. لأول مرة بحس إن الظل الكبير اللي كان مرعبني طول حياتي، طلع مجرد وهم وانتهى بمجرد ما قررت أقف على رجلي.
رجعت لترابيزتي في المشغل، مسكت القماش كملت شغلي، وأنا حاطة خطة للمستقبل: هكبر في شغلي، وهأجر شقة صغيرة ملكي، وهبني حياة كاملة بصنعة إيدي وبكرامتي.. من غير ما أجبر أقول “حاضر” لشيء يكسرني تاني.