حكايات صابرين محمد

لم أشعر بالخوف عندما خسر زوجي خمسةً وثلاثين كيلوغرامًا من وزنه بل شعرت بالفخر ، حتى جاء ذلك المساء الذي نظر إليّ من أعلى إلى أسفل أمام الجميع ثم اقترب وهمس في أذني بكلماتٍ جعلتني أتمنى لو أنني بقيت المرأة التي أحبها وهو بدين
زوجي منذ عرفته كان رجلًا ممتلئ الجسد عريض المنكبين ويحمل في وجهه طيبةً جعلتني أحبّه قبل أن أحب ملامحه. لم يكن يومًا من الرجال الذين يشغلهم مظهرهم أمام الناس ، بل كان يضحك كلما عاتبته على إهمال نفسه ويقول ضاحكًا إن الراحة أهم من الأناقة وإن الإنسان يحترم بأخلاقه لا بقياس ثيابه.
وطوال سنوات زواجنا لم يكن يخفي رغبته في إنقاص وزنه. كم مرة بدأ حمية غذائية ثم أنهى يومه بطبق كبير من الطعام وهو يعتذر لنفسه قبل أن يعتذر لي وكم مرة عاد من النادي الرياضي بعد أيام قليلة وهو يقسم أنه سيبحث عن طريقة أسهل. كان يدفع الاشتراك ثم يهجر المكان ويشتري الملابس الرياضية ثم يتركها معلقة في الخزانة حتى يغطيها الغبار.
وكان يقول لي كلما شعر بالضيق سيأتي يوم وستتفاجئين عندما ترينني كما كنت في شبابي.
فأبتسم وأجيبه دائمًا أنا لم أتزوج وزنك أنا تزوجتك أنت.
ولم تكن تلك الكلمات مجاملةً أقولها لإرضائه ، بل كانت الحقيقة التي عشتها معه. لم أنظر يومًا إلى جسده ، بل إلى الرجل الذي وقف إلى جواري في أصعب أيام حياتي والرجل الذي كان يعود من عمله مرهقًا ثم يحمل عني هموم البيت قبل أن أطلب منه ذلك.
لكن ذلك اليوم الذي طالما تحدث عنه جاء أخيرًا. استيقظ ذات صباح وكأن قرارًا حاسمًا قد وُلد داخله في ليلة واحدة.
منذ الفجر صار يخرج للمشي ثم تحولت خطواته الهادئة إلى ساعات من الرياضة اليومية واستبدل كل ما اعتاده من طعام بوجبات بسيطة محسوبة بدقة. اختفت الحلويات من بيتنا وغابت المشروبات الغازية عن مائدتنا وأصبح يقرأ مكونات كل شيء قبل أن يتناوله.
وفي كل أسبوع كان الميزان يعلن انتصارًا جديدًا وكنت أنا أول من يحتفل به.
كنت أصفق له كلما رأيت السعادة في عينيه وأفرح أكثر منه عندما ألاحظ أن قميصًا كان يضيق عليه أصبح فضفاضًا ، أو أن حزامه احتاج إلى ثقب جديد.
وحين أصبحت سراويله القديمة تتدلى من خصره ، أمسكت بيده وقلت له ضاحكة لم يعد يليق بك أن تظل ترتدي هذه الملابس هيا نشتري ما يناسب الرجل الجديد.
خرجنا معًا إلى السوق ورأيته يقف أمام المرآة وهو يجرب ثيابًا لم يكن يجرؤ على ارتدائها من قبل. كان يبتسم لنفسه بابتسامة طفل استعاد لعبته المفضلة بعد سنوات طويلة ولم أشعر في تلك اللحظة إلا بالفخر.
كنت أراه ينتصر على نفسه وكنت أشعر أن انتصاره هو انتصاري أيضًا.لكن الأشهر التالية حملت معها تغيرات لم أفهمها في البداية.تغيرات لم يكن لها علاقة بالوزن بل بشخصيته.
في الماضي ، إذا قلت له بعد صلاة المغرب هيا نخرج لنحتسي كوبًا من الشاي أو نشتري بعض الحلوى.
كان يخرج كما هو ، بثوبه المنزلي أو بقميص قديم ولا يشغله إن كان شعره مرتبًا أو إن كانت ثيابه منسقة.
أما الآن فقد أصبح يقف أمام المرآة وقتًا طويلًا.يغيّر قميصه أكثر من مرة.يختار حذاءه بعناية.يرش عطره قبل أن يغادر.
ويتأكد من مظهره وكأنه ذاهب إلى مناسبة مهمة ، حتى لو كان سيشتري شيئًا من البقالة القريبة.
بل إنه اشترى نظارة شمسية أنيقة ، مع أنه كان يسخر ممن يرتدونها قديمًا ويقول إنهم يقلدون الناس بلا حاجة.
ابتسمت في البداية وقلت في نفسي إن الرجل يستعيد ثقته بنفسه بعد سنوات طويلة من عدم الرضا عن مظهره وإن من حقي أن أفرح له بدل أن أبحث عن أسباب تقلقني.
لكن مع مرور الوقت بدأت أشعر بأن الأمر تجاوز حدود الاهتمام بالمظهر.
اشترك في نادٍ رياضي جديد ولم يطلب مني مرة واحدة أن أراه أو أتعرف إلى المكان.
وحين كنت أقول له بلطف ما رأيك أن أذهب معك يومًا؟ أجلس في المقهى حتى تنتهي من تمرينك ، ثم نعود معًا.
كان يبتسم ابتسامة قصيرة ويجيب أفضل أن أتمرن وحدي هكذا أكون أكثر تركيزًا.
كنت أقتنع بكلامه أو أحاول أن أقنع نفسي به. ثم بدأ كل يوم سبت يعود متأخرًا.
يقول إن بعض زملائه في النادي يجلسون بعد انتهاء التمارين في مقهى قريب ، يحتسون القهوة ويتبادلون الحديث وإنه لا يريد أن يعتذر لهم في كل مرة.
ولأنني كنت أثق به لم أعترض. لكن التأخير أصبح عادة وساعات الغياب صارت تطول أكثر مما ينبغي وكلما نظرت إلى الساعة ، شعرت أن قلبي يسبق عقاربها.
ترى هل تغيّرت حياته فقط؟ أم تغيّر مكاني فيها؟
وللمرة الأولى منذ تزوجته وجدت نفسي أتصرف بطريقة لم أعتدها.
إذا أخبرني أنه يجلس مع بعض زملائه في مقهى بعد التمرين ، كنت أجد نفسي ، بعد تردد طويل ، أركب سيارتي وأمر من أمام المكان ، لا لأراقبه ولا لأفتش خلفه وإنما لأطمئن إلى أنني ما زلت أعرف تفاصيل حياته كما كنت أعرفها دائمًا.
وإذا قال إنه خرج لاحتساء القهوة مع أحد أصدقائه ، راودتني رغبة عارمة في المرور بالمقهى بحجة أن لدي حاجة في تلك المنطقة.
كنت أقاوم هذه الرغبة كثيرًا وألوم نفسي بعدها.لأنني لم أكن امرأةً غيورة بطبعي ولم أعرف يومًا معنى التجسس على زوجي.
لكن الخوف حين يسكن القلب يجعل الإنسان يفعل أشياء لم يكن يتصور أنه سيفعلها يومًا.
لم أكن أبحث عن خيانة ولم أكن أبحث عن فضيحة.
كنت أبحث عن نفسي عن المرأة التي كنت أشعر أنها تسكن قلبه ، ثم بدأت أخشى أنها لم تعد هناك.
حتى جاء ذلك السبت السبت الذي غيّر شيئًا في داخلي ولا أظن أنه سيعود كما كان بعده.
اتصل بنا بعض الأصدقاء واتفقوا على أن يجتمعوا بعد صلاة العشاء في أحد المقاهي العائلية التي اعتدنا ارتيادها منذ سنوات.
خرج زوجي قبل الموعد بنحو ساعة وقال إنه سيساعدهم في حجز الطاولة وترتيب الجلسة ، ثم طلب مني أن ألحق بهم بعد أن أنتهي من أعمال المنزل.
لم يخطر ببالي أن في الأمر ما يدعو إلى القلق.
أنهيت إعداد العشاء للأولاد ورتبت المطبخ وغسلت الأطباق ، ثم نظرت إلى الساعة ، فوجدت أن الوقت قد تأخر.
ولأنني كنت أظن أننا ذاهبون إلى جلسة عادية مع أناس يعرفوننا منذ سنوات ، لم أجد داعيًا لأن أبدل ثيابي.
ارتديت حذاءً مريحًا وبنطالًا واسعًا وقميصًا بسيطًا كنت أرتديه داخل المنزل وربطت شعري على عجل ، ثم خرجت.
ولم أكن أعلم أن تلك الملابس البسيطة ستكون بداية الجرح الذي ظل يؤلمني طويلًا.
ما إن دخلت المقهى حتى وقع بصر زوجي عليّ. كان يقف مع أصدقائه عند المدخل ، يضحك ويتبادل الحديث معهم. وما إن اقتربت منهم حتى انفصل عنهم بخطوات سريعة وجاء نحوي وهو يبتسم ابتسامة متكلفة ، ثم انحنى قليلًا وهمس في أذني بصوت خافت
أهكذا خرجتِ من المنزل؟
نظرت إليه متعجبة وقلت بهدوء نعم لماذا؟
تردد لحظة ، ثم قال كان يمكنك أن ترتدي شيئًا أجمل قليلًا.
شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق صدري حجرًا ثقيلًا.
لم يكن صوته مرتفعًا ولم يسمعه أحد غيري ، لكنه كان كافيًا ليكسر شيئًا في داخلي.
طوال اثني عشر عامًا من زواجنا ، لم يسبق له أن انتقد ملابسي ولم أشعر يومًا أنه يخجل من الوقوف إلى جواري.
ابتسمت ابتسامة باهتة حتى لا يلاحظ أحد ما أشعر به ، ثم قلت
ظننت أننا سنلتقي بأصدقاء يعرفوننا منذ سنوات ولم أتصور أن الأمر يحتاج إلى كل هذا.
هز رأسه وهو ينظر إلى ملابسي مرة أخرى ، ثم قال
لا تغضبي أردت فقط أن تهتمي بنفسك أكثر.
وانصرف. أما أنا ، فجلست في مكاني وأنا أشعر أن كل من في المقهى يحدق بي ، مع أن أحدًا لم ينظر إليّ أصلًا.
كانت المشكلة في داخلي لا في عيون الناس.
تحدث الجميع وضحكوا وتبادلوا الأخبار ، أما أنا فلم أكن أسمع شيئًا.
كنت أسمع جملة واحدة فقط كان يمكنك أن ترتدي شيئًا أجمل.
وحين عدنا إلى المنزل تلك الليلة ، لم نتبادل سوى كلمات قليلة.
ادعيت التعب ودخلت غرفتي وما إن أغلقت الباب حتى انهرت.جلست على طرف السرير ونظرت إلى صور زفافنا المعلقة على الجدار.
تذكرت الفتاة التي كنتها يومها كانت أكثر رشاقة وأكثر اهتمامًا بنفسها.ثم تذكرت سنوات الحمل والولادة والسهر مع الأطفال والانشغال بالبيت والمرض والمسؤوليات التي جعلتني أؤجل نفسي مرة بعد أخرى ، حتى نسيت آخر مرة اشتريت فيها ثوبًا لأنني أحببته ، لا لأنه كان الأرخص أو الأكثر عملية.
بكيت بصمت ليس لأن زوجي قال كلمة.بل لأن تلك الكلمة أيقظت داخلي خوفًا كنت أخفيه عن نفسي منذ سنوات.
وفي صباح اليوم التالي استيقظت مبكرًا.أعددت له فطوره كما أفعل كل يوم وضعت كوب الشاي أمامه وجلست قبالته.
وللمرة الأولى منذ زواجنا ، قلت له أريد أن أتحدث معك.
رفع رأسه وأدرك من ملامحي أن الأمر ليس عابرًا.
قلت وأنا أحاول أن أمنع دموعي هل تعرف ما الذي يؤلمني؟
ظل صامتًا.
فأكملت أنا لا أخاف أن تحب امرأة أخرى.
بدت الدهشة واضحة على وجهه.
قلت ولا أخاف من النساء اللواتي يمدحن شكلك كل يوم.
ثم انخفض صوتي.أنا أخاف أن تكون قد أصبحت تخجل مني.
ساد الصمت ولم أستطع أن أمنع دمعة سقطت على الطاولة أمامي.
قلت منذ خسرت وزنك وأنت تتغير شيئًا فشيئًا. أصبحت تهتم بملابسك أكثر وتقضي وقتًا أطول خارج البيت ولم تعد تطلب مني أن أرافقك كما كنت تفعل من قبل. وحين قلت لي بالأمس إن ملابسي لا تليق بالمكان شعرت أنني لم أعد المرأة التي تفتخر بالوقوف إلى جوارها.
ظل ينظر إليّ طويلًا ثم أمسك رأسه بين كفيه وكأنه اكتشف فجأة حجم الخطأ الذي ارتكبه.
قال بصوت منخفض أقسم بالله لم يخطر ببالي أنك فهمت الأمر بهذه الطريقة.
لم أتكلم.
فواصل حديثه أتعرفين ماذا كنت أرى كلما نظرت إلى نفسي في المرآة؟ كنت أرى الرجل الذي منحته زوجته ثقتها حين كان الجميع يسخر من وزنه.
رفع عينيه نحوي وقال أنتِ أول من صدق أنني أستطيع التغيير.
ثم ابتسم بحزن.وحين بدأت أستعيد ثقتي بنفسي ، تمنيت أن تستعيدي أنتِ أيضًا ثقتك بنفسك.
تنهد طويلًا ، ثم أردف لكنني كنت غبيًا ظننت أن تشجيعك سيكون بهذه الطريقة ولم أفهم أن كلماتي كانت تجرحك.
اقترب مني وأمسك يدي لأول مرة منذ أيام.
وقال صدقيني لو كان في الدنيا امرأة أجمل منك ، فلن تكون أحنّ منك ولن تكون أوفى منك ولن تكون هي التي وقفت إلى جواري وأنا عاجز حتى عن صعود الدرج من ثقل وزني.
ثم ابتسم ابتسامة خجولة وأخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
ناولنيه وقال كنت أنوي أن أعطيك إياه الأسبوع المقبل.
فتحته ببطء فوجدت اشتراكًا في نادٍ رياضي مخصص للنساء.رفعت رأسي إليه بسرعة.
فقال قبل أن أسيء فهمه لم أشتره لأنني أريد أن أغير شكلك.
ثم ضغط على يدي برفق.اشتريته لأنني أريد أن أعيد إليك الشعور الذي عشته أنا شعور الإنسان حين ينظر إلى المرآة فيبتسم.
هززت رأسي وأنا أمسح دموعي وقلت لا أريد أن أتغير من أجل الناس.
ابتسم وقال ولا أنا أريد ذلك.
ثم أضاف لكنني أريد أن نعيش ما بقي من عمرنا ونحن نهتم بأنفسنا لأنفسنا.
في اليوم التالي خرجنا معًا قبل شروق الشمس. سرنا في الشارع نفسه الذي كان يمشي فيه وحده طوال الأشهر الماضية.
وفي البداية لم أستطع أن أكمل سوى دقائق قليلة. فضحك وأبطأ خطواته حتى يسير بجانبي وقال حين كنت أتعب في أول أسبوع ، كنتِ أنتِ من تشجعينني.
ثم مد يده نحوي.واليوم جاء دوري.
مرت الشهور ولم يكن أجمل ما فيها أنني فقدت بعض الوزن.
بل أنني وجدت نفسي من جديد.
عدنا نتحدث كما كنا.نضحك على الأشياء الصغيرة ونشرب الشاي معًا بعد الفجر وصار إذا خرج إلى أي مكان ، يسألني تلقائيًا هل ترافقينني؟وذات مساء اقترح أن نذهب إلى المقهى نفسه.
ابتسمت ووافقت.
وقفت أمام خزانتي واخترت ثوبًا أعجبني أنا ، لا ثوبًا أرتديه خوفًا من كلام الناس.
وحين دخلنا المقهى ، أمسك بيدي كما كان يفعل في سنوات زواجنا الأولى.
ثم نظر إليّ أمام الجميع وقال بصوت هادئ ، لكنه كان كافيًا لأسمعه وحدي أتذكرين تلك الليلة؟
ابتسمت.
فقال يومها أخطأت في اختيار كلماتي أما اليوم فأريد أن أصححها.
ثم ابتسم ابتسامته التي أحببتها منذ أول يوم.
وقال حين تزوجتك لم يكن أجمل ما فيك مظهرك بل قلبك. وبعد كل هذه السنوات ما زلتِ المرأة التي أختارها كل صباح ولو عاد بي العمر ألف مرة ، لاخترتك أنتِ في كل مرة.
في تلك اللحظة أدركت أن الجمال قد يلفت الأنظار ، لكنه وحده لا يصنع بيتًا ولا يحفظ عهدًا ولا يبني عمرًا كاملًا.
أما الحب الصادق فهو أن يجد الإنسان بعد كل ما تغير فيه قلبًا ما زال يختاره كما كان في أول يوم.
تمت.
الكاتبة #صابرين_محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *