ايناس ج٣ انجي الخطيب
في المستشفى، الأوضة كانت هادية، نور الشمس داخل من الشباك بيغطي السرير اللي نايمة عليه نادية. إيناس وقفت عند الباب، رجليها كانت بترجف، والذكريات بتعصر قلبها؛ 18 سنة من طشت الغسيل، والحكايات اللي كانت بتصبر بيها نفسها، والوعد اللي قطعته لها نادية قبل ما تهرب.
عاصم كان واقف وراها، حط إيده على كتفها بلمسة طمأنة، وقال بصوت واطي: “ادخلي يا إيناس.. هي مستنياكي.”
إيناس خدت نفس عميق، وخطت خطوة، وبعدين التانية، لحد ما وقفت جنب السرير. نادية كانت باهتة، وشها مليان تجاعيد السنين، ولما فتحت عينيها وشافت إيناس، ابتسامة عريضة اترسمت على وشها، والدموع بدأت تغطي عيونها. “إيناس؟.. دي إنتِ؟”
إيناس مقدرتش تتحمل، رمت نفسها في حضن نادية، حضن كان الملجأ الوحيد ليها في عالم مليان قسوة. “خالتي نادية.. كنتِ عارفة؟ كنتِ عارفة إن الشمس هتطلع؟”
نادية ضمتها بحب ووجع، إيديها كانت بتلمس شعر إيناس اللي بقى ناعم ومغسول: “كنت بكلمك عن الشمس عشان ترفضي الضلمة يا بنتي. كنت بحكي لك عن الشجر عشان تعرفي إن الدنيا لسه فيها حياة مهما طال الحبس. إنتِ اللي كنتِ بتنوريني، مش أنا.”
عاصم انسحب بهدوء وسابهم، خرج للممر، سند بضهره على الحيطة وطلع تنهيدة طويلة. لقى نفسه بيفتكر اللحظة اللي شافها فيها لأول مرة، وهي بتشد النجيلة من الأرض وبتاكلها، وافتكر إزاي كان فاكر إنها فقدت عقلها، بس الحقيقة كانت إنها كانت بتحاول “تاكل” الحياة عشان تعيش.
بعد ساعة، إيناس خرجت من الأوضة، وشها كان ممسوح من الحزن، وعينيها فيها ثبات غريب. عاصم بص لها وقال: “نادية طلبت مني حاجة.”
”إيه هي؟” سألت إيناس بفضول.
”قالتلي إنها سابت لي ورقة تانية، كانت مخبياها تحت أرضية المخزن. ورقة فيها اسم الست اللي خطفتك من 18 سنة، وأسماء ناس تانية لسه ما اتحاسبوش، ناس في أماكن عالية، كانوا بيغطوا على العصابة دي. نادية قالت إن دي ‘الوصية’ بتاعتها، وإنها بتسلمك الملف ده عشان تكملي الطريق.”
إيناس بصت لإيدها، وبصت للشارع اللي بره المستشفى، للمرة الأولى مكنتش بتبص له بخوف، كانت بتبص له كأنه ميدان معركتها الجاية.
”هات الملف يا عاصم.” قالتها بنبرة قوية، نبرة مش نبرة البنت اللي كانت مربوطة بجنزير، دي نبرة واحدة قررت إنها مش بس هتعيش، دي هتاخد حق الـ 18 سنة من اللي سلبوها عمرها.
عاصم ابتسم، وطلع الملف من شنطته: “أنا كنت عارف إنك هتقولي كدة. من اللحظة دي يا إيناس، مفيش محامي وموكلة.. من اللحظة دي، إحنا شركاء في رحلة استرداد الروح.”
إيناس خدت الملف، وفتحت أول صفحة، وبدأت تقرأ بتركيز. الشمس كانت بتغرب، بس الضي اللي في عينيها كان بيزيد. لأول مرة، إيناس مكنتش بتدور على الشمس، إيناس بقت هي الشمس اللي هتحرق كل الظلم اللي حواليها.
مشيت إيناس في ممر المستشفى، خطواتها كانت ثابتة، مفيش جنزير بيخبط في الأرض، مفيش خوف من بكرة. نادية كانت بتتفرج عليها من إزاز الأوضة، ومطمئنة إن البنت اللي ربتها على الأمل، طلعت في الآخر هي اللي هتعلم العالم معنى العدل.
…….
إيناس خرجت من باب المستشفى، ولأول مرة وقفت في نص الرصيف من غير ما تستخبى ورا عاصم، ولا تترعش لما عربية تعدي جنبها بسرعة. الشارع كان زحمة، ناس ماشية بتجري ورا أكل عيشها، وعربيات بتزمر، وحياة صاخبة كانت بالنسبة لها مجرد حكايات في مخزن. بصت للسما، الشمس مكنتش لسه غابت تماماً، كان فيه خيوط دهبي سايحة في الغيوم، ابتسمت لنفسها وقالت بصوت مسموع: “أنا هنا.. أنا موجودة.”
عاصم كان بيبص عليها من بعيد، واقف ساند على عربيته، بيراقب تحولها. كان عارف إن الوجع لسه موجود، والذكريات لسه هتصحيها من النوم مفيزوعة سنين قدام، بس اللي شافه في عين إيناس دلوقتي كان “إرادة” أقوى من أي محامي وأمضى من أي قانون.
قرب منها عاصم وفتح لها باب العربية: “جاهزة للمشوار الجاي؟ القض*ية دي أبعادها أكبر بكتير مما كنا نتخيل، والناس اللي في الورق ده مش هيسيبونا في حالنا لما يعرفوا إننا بدأنا نتحرك.”
إيناس ركبت العربية، وحطت الملف في حضنها زي ما تكون بتحضن قطعة من روحها اللي استردتها. بصت لعاصم وقالت بجدية خلت ملامحها تبان أكبر من سنها الحقيقي: “أنا مش بس جاهزة، أنا بقالي 18 سنة بجهز للحظة دي يا عاصم. كل يوم كنت بمسح فيه المخزن، وكل ليلة كنت بسمع فيها أصواتهم، كنت بحفظ تفاصيلهم. أنا مش محتاجة أدلة أكتر من اللي في دماغي، الورق ده مجرد بداية.”
عاصم داس على الموتور، والعربية اتحركت في شوارع القاهرة اللي مابتنامش. طول الطريق، إيناس كانت بتقلب في الملف، بتشوف أسماء كانت بتسمعها في المخزن وهما بيحكوا على “الست الكبيرة”، الست اللي كانت بتدفع لهم عشان يدفنوا الحقيقة وهي حية.
”عاصم،” قالت إيناس فجأة وهي بتبص على اسم معين في الملف. “الاسم ده.. الست دي هي اللي كانت بتيجي مرة كل سنة، بتلبس برقع أسود، وما حدش فيهم كان بيجرؤ يبص في وشها. كانت بتدخل المخزن، تقعد جنبي، وتمسك إيدي.. كانت بتبص لي كأني شيء تافه، شيء بتمتلكه.”
عاصم ضيق عينيه ومركز في الطريق: “الاسم ده وراه إمبراطورية تجارة، لو وصلنا لها، هنوصل لرأس الأفعى. بس يا إيناس، الخطوة الجاية مش في النيابة، الخطوة الجاية هتكون في ‘العلن’. لازم نكشفهم قدام الناس، لأن في الضلمة بيق*تلوا، بس تحت النور بيخافوا.”
إيناس سكتت للحظة، وبعدين بصت للملف تاني: “أنا هطلع في التلفزيون.”
عاصم فرمل فجأة لدرجة إن العربية وقفت في نص الطريق، بص لها بذهول: “إيناس! أنتي عارفة أنتي بتقولي إيه؟ لو عملتي كدة، أنتي بتقدمي نفسك هدف ليهم، وبتحرقي كل أوراقنا قبل ما نلعبها في المحكمة!”
إيناس بصتله بثبات، نظرة خلت عاصم يحس إنه هو اللي قدام قاضي، مش العكس: “القانون يا عاصم بيحتاج ورق، والورق بيحتاج وقت، والوقت ده هما بيستخدموه عشان يهربوا. أنا مش عايزة أتحاكم، أنا عايزة ‘أُشهد’. عايزة الناس كلها تشوف وشي، وتسمع صوتي، وتعرف إن فيه بنت عاشت 18 سنة في قبر وهي حية. لما أطلع وأحكي، محدش هيقدر يلمسني تاني، لأنهم لو لمسوني، هيبقوا بيثبتوا للعالم كله إنهم مجرمين.”
عاصم سكت، الكلام اللي قالته كان جنان، بس كان فيه “منطق” يوجع القلب. هو كمحامي عمره ما فكر بالطريقة دي، دايماً بيفكر في الثغرات واللوائح، بس إيناس.. إيناس كانت بتفكر في “الحقيقة” الخام، اللي مفيش محامي يقدر يغطي عليها.
”هتطلعي،” قال عاصم بعد صمت طويل، صوته كان مليان عزم. “وهخليكي تطلعي في أكبر برنامج توك شو في البلد، وهكون جنبك، وورانا كل الصحفيين الشرفاء اللي أعرفهم. هنجيب ‘الشمس’ اللي نادية كانت بتحكيلك عنها، ونخليها تضوي في كل بيت.”
إيناس ابتسمت، ابتسامة تانية غير اللي ضحكتها قبل كدة.. كانت ابتسامة “محاربة”. حطت إيدها على إزاز العربية، شافت انعكاس وشها في الضلمة اللي بدأت تغطي الشارع، وشافت فيه بنت مش محتاجة حد ينقذها، بنت هي اللي هتنقذ نفسها.. وهتنقذ نادية، وكل اللي لسه مدفونين في مخازن الظلم.
مشوار طويل بدأ، بس لأول مرة، مكنش فيه حد بيجري وراها.. كانت هي اللي بتجري ورا الحقيقة.
……..
في استوديو القناة اللي كان مليان كشافات ضوء بتلسع العين، إيناس كانت قاعدة على كرسي جلد، قدامها ترابيزة عليها الملف اللي ريحته لسه فيها ريحة رطوبة المخزن. الكاميرات بتتحرك حواليها زي وحوش معدنية، والمذيع بيظبط سماعته، وبص لعاصم اللي كان واقف في زاوية الاستوديو، عيونه مش بتفارق إيناس، كان حاسس إنها بتقدم أغلى وأصعب مرافعة في تاريخه كله.
”يا جماعة، إحنا على الهوا في 3، 2، 1..”
المذيع بصلها، صوته كان هادي ومحترف بس فيه نبرة فضول ممزوجة بذهول: “ضيفنا النهاردة حالة استثنائية، ق/ضية هزت الرأي العام في الأسبوعين اللي فاتوا.. إيناس، اللي الكل بيسميها ‘بنت المخزن’، معانا النهاردة عشان تحكي لنا، ولأول مرة، اللي حصل ورا الجدران المقفولة.”
إيناس بصت للعدسة.. مكنتش بتبص للمذيع، كانت بتبص لكل بيت في مصر، لكل واحدة خايفة، لكل حد مظلوم. خدت نفس طويل، صوت تكييف الاستوديو كان مسموع، وفجأة، اتكلمت بصوت مش ميت زي ما كان أول يوم شافها عاصم، كان صوت قوي، واضح، ومترسخ: “أنا مش هنا عشان أحكي قصة حزينة.. أنا هنا عشان أقول إن فيه 18 سنة من عمري اتسرقوا مني، مش عشان أنا عملت حاجة غلط، بس عشان فيه ناس فوق، شايفة إن الناس اللي زيي مجرد ‘أرقام’ ممكن تتحبس في ضلمة عشان مصلحتهم الشخصية متتعطلش.”
بدأت إيناس تحكي.. ما سبتش تفصيلة، حكت عن الجنزير اللي كان بيقطع جلدها، عن الأكل اللي كان بياكله الدود، عن صوت نادية وهي بتهمس لها بالحكايات عشان عقلها ما يسيحش من الوحدة. الاستوديو كان صمت تام، حتى المصورين كانوا واقفين ونسيوا شغلهم، ومسمار تقع في الاستوديو كان هيسمع كأنه قنبلة.
”الست اللي كانت بتيجي تلبس البرقع،” كملت إيناس وهي بتفتح الملف وتطلع صورة قديمة ومطبوعة، “أنا معرفش اسمها الحقيقي، بس أنا فاكرة ريحة البرفان بتاعها، وفاكرة صوت خلخالها وهي ماشية، وفاكرة نظرتها وهي بتقول لي إن ‘مكاني هو ده’، وإن ‘العالم بره مش ليا’.”
رفعت الصورة قدام الكاميرا، والكونترول روم في القناة دخل في حالة هيستيرية، لأن الصورة دي كانت لـ “شخصية” معروفة جداً في الأوساط الاقتصادية والسياسية. عاصم شاف عيون المذيع بتوسع بذهول، وشاف المخرج بيشاور بإيده إنهم يفضلوا “زووم” على الصورة.
في اللحظة دي، تليفون عاصم في جيبه بدأ يهز.. رسالة مجهولة، مسج قصير: “اللي عملتيه ده مش بس هيحرقهم، ده هيحرقك إنتي قبلهم. اسحبي كلامك دلوقتي، والا اللي جاي مش هيكون سجن.. اللي جاي هيكون مقبرة.”
عاصم بص لإيناس، شافها بتبص للكاميرا وهي مش دارية بالتهديد اللي بيوصل، بتبص بسلام.. بطلة بتواجه جيش بحكاية. عاصم قفل التليفون ببرود، وبص لزميله المحامي اللي كان واقف جنبه وغمز له بابتسامة نصر: “اللعبة خلصت يا باشا.. هم اللي بدأوا، وإحنا اللي هننهي.”
إيناس كملت كلامها، صوتها بدأ يعلى ويملى الاستوديو: “أنا مكنتش خايفة من الضلمة.. كنت خايفة إن الشمس تطلع وأنا لسه جوه. النهاردة الشمس طلعت، وأنا مش خايفة من حد.. لأن اللي عاش في الجحيم 18 سنة، مابقاش فيه حاجة في الدنيا تخوفه.”
بره الاستوديو، في الشوارع، الناس بدأت تلتف حوالين الشاشات في القهاوي والمحلات، والكل مشدود للوش اللي ظهر على الشاشة، الوش اللي كان بيحكي حكاية “ألف ليلة وليلة” بس حكاية واقعية، بطلتها مش شهرزاد، بطلتها إيناس، اللي قررت إنها بدل ما تحكي عشان تعيش.. هتحكي عشان تموت الظلم.
………
الحلقة خلصت، والبلد كلها كانت بتغلي. التليفونات في القناة ما بطلتش رن، والسوشيال ميديا بقت كلها صورة إيناس، والهاشتاجات باسمها بقت “تريند” في دقايق. عاصم دخل الاستوديو بسرعة قبل ما الكاميرات تتقفل تماماً، إيناس كانت قاعدة، ملامحها هادية جداً، كأنها فرغت كل اللي جوه صدرها في الكاميرا دي. المذيع كان لسه في حالة صدمة، بيبص للملف اللي في إيدها، وبص لعاصم بذهول: “أستاذ عاصم، أنتم عارفين أنتوا عملتوا إيه؟ أنتم فتحتوا أبواب جهنم على نفسكم.”
عاصم قرب من إيناس، ومد إيده يطمن عليها، وبص للمذيع بابتسامة الواثق: “الناس اللي بتخاف من الحقيقة هي اللي بتبني أبواب جهنم، يا أستاذ. والنهاردة، إحنا رمينا مفتاح الأبواب دي في وش الرأي العام. لو حصل لنا حاجة، يبقى كل الناس اللي سمعت إيناس دلوقت هما الشاهد والخصم.”
خرجوا من القناة في حماية أمنية مشددة، عاصم كان مرتب كل حاجة؛ كان فيه قوة شرطة بتنتظرهم بره بأمر مباشر من “اللواء” اللي كلموه، عشان يأمنوا انتقال إيناس لمكان سري ومحمي. الطريق كان فاضي، والليل كان لسه في أوله، إيناس كانت باصة من إزاز العربية للنور بتاع القاهرة، اللي مكنش زي النور اللي كانت بتشوفه في أحلامها جوه المخزن، كان نور واقعي، ملموس، ومحروق بالحرية.
”خايفة؟” سأل عاصم وهو سايق، عينه على المراية بتراقب أي عربية تانية.
إيناس هزت راسها بالنفي، وابتسمت: “لا. أنا كنت خايفة وأنا جوه. دلوقت.. أنا حاسة إني ببتدي أتنفس. 18 سنة كنت بحلم باللحظة اللي حد يسمعني فيها.. النهاردة ملايين سمعوني.”
فجأة، عربية سوداء بفييميه تقيل ظهرت وراهم، بدأت تقرب بسرعة جنونية، وعاصم لاحظ إنها بتحاول تزنقهم في الرصيف. “تمسكي كويس يا إيناس!” صرخ عاصم وهو بيدوس بنزين، والعربية اتنطرت قدام في سباق مجنون في شوارع القاهرة. العربية السوداء حاولت تضربهم من الجنب، بس عاصم كان محترف، سحب دريكسيون العربية يمين وشمال، وخد ملف حاد في طريق جانبي ضيق، العربية التانية مكنتش متوقعة الحركة دي فخبطت في عمود نور، وصوت خبطة الحديد دوّى في الشارع.
عاصم وقف العربية على جنب وطلع مسدسه، إيناس مكنتش بتصرخ، كانت باصة لورا للمكان اللي العربية خبطت فيه، ببرود أعصاب غريب. “دول مش هيسيبونا يا عاصم.” قالتها بهدوء.
عاصم بص لها، ولقى في عينيها حاجة مكنتش موجودة من ساعة ما قبلها؛ مش بس قوة، كان فيها “تحدي”. “مش هيسيبونا، بس إحنا كمان مش هنسكت. الورق اللي معاكي ده يا إيناس مش ورق.. ده س/لاح. والحرب دلوقتي بدأت رسمي.”
في اللحظة دي، وصلت عربيات النجدة، وصوت الصفارات بدأ يملى المكان. عاصم نزل من العربية، ورفع إيده للظباط اللي وصلوا، وإيناس نزلت وراه، وقفت قدام الناس اللي كانت بتراقب المشهد من بلكونات البيوت، وقفت زي الملكة اللي استردت عرشها. الست اللي خطفوها 18 سنة، بقت النهاردة “صوت الحقيقة” اللي لا رصاصة ولا عربية مطاردة تقدر تسكته.
عاصم بص لها وقال: “بكرة الصبح، هيكون في قضايا مرفوعة ضد كل الأسماء اللي في الملف.. وانتي يا إيناس، مش هتكوني ‘بنت المخزن’ تاني.. أنتي هتكوني شاهدة الملك على أكبر فساد في تاريخ البلد.”
إيناس بصت للنجوم اللي كانت باينة من وسط دخان المدينة، وقالت بصوت واثق: “مش بس شاهدة، يا عاصم.. أنا بكرة هكون أول واحدة تقف في المحكمة وتواجههم وش لوش. الشمس طلعت، ومفيش حد يقدر يرجعنا للضلمة تاني.”
…….
المحكمة كانت بتغلي، القاعة مكانش فيها مكان لنفس واحد. إيناس واقفة في منصة الشهود، لابسة تايير بسيط ونضيف، ملامحها هادية، وبصوت ثابت بيتردد في كل ركن، بدأت تحكي التفاصيل اللي خلت القضاة نفسهم يمسحوا دموعهم. الأسماء اللي كانت مرعبة، واللي كانت بتتحكم في مصائر البشر من ورا ستائر من ذهب، كانوا قاعدين في قفص الاتهام، منكسرين، باصين للأرض، ومش قادرين يرفعوا عينهم في عين البنت اللي سرقوا عمرها.
عاصم كان واقف جنبها، محاميها وسندها، بيبص للقضاة بملف القض/ية اللي كان “مسمار نعش” لكل المتهمين. لما خلصت شهادتها، إيناس مخدتش طريقها للمقاعد ورا، لكن وقفت ثانية وبصت للست اللي كانت بتلبس البرقع، الست اللي خربت حياتها، وقالت بصوت مسموع: “أنا مش محتاجة انتقم منك.. لأنك دلوقتي بتعيشي في الضلمة اللي كنتِ بتسجنيني فيها، ضلمة الحقيقة اللي مفيش وراها مفر.”
بعد مداولات قصيرة، صدر الحكم: سجن مؤبد لكل المتهمين، ومصادرة كل ممتلكاتهم لصالح ضحايا الاتجار بالبشر. صوت الهتاف بره قاعة المحكمة كان بيزلزل الجدران.
بعد المحاكمة بساعات، إيناس وعاصم وقفوا على النيل. الهوا كان طري، والمية بتعكس نور المدينة اللي بقت ملكها تاني. إيناس قلعت السلسلة اللي كانت بتلبسها في رقبتها – سلسلة كانت نادية عاملاها لها من خيط صوف قديم – ورمتها في المية.
”خلاص؟” سأل عاصم بصوت حنون.
إيناس بصتله بابتسامة خفيفة، وشافت انعكاسها في المية، شافت واحدة تانية خالص.. واحدة مش خايفة من بكرة. “لا يا عاصم، ده مش النهاية.. ده أول يوم في حياتي. نادية بقت كويسة، وأنا دلوقتي معايا الشهادة اللي كنت بحلم بيها، وهبدأ أدرس قانون.. عشان ما فيش بنت تانية تعيش في مخزن تاني.”
مشيت إيناس خطوة لقدام، وبصت للشمس وهي بتغيب، المرة دي مش خايفة إنها تغيب، لأنها عرفت إن الشمس دايماً بتطلع تاني. عاصم فضل واقف وراها، بيراقب “الشمس” الخاصة بيه، وهي بتبدأ رحلتها اللي مفيش ضلمة هتقدر تكسرها تاني.
الحكاية خلصت، بس إيناس.. إيناس كانت لسه بتبدأ، والمرة دي، هي اللي بتكتب الحروف، وهي اللي بترسم الطريق.. طريق مفيش فيه قيد، ولا جنزير، ولا ضلمة. وبصوت واثق، همست للرياح: “حكايتي ما انتهتش.. حكايتي لسه في أول سطر.”
تمت
حكايات انجى الخطيب