حماتي طردتني قدام الكل
يرد، قفلت الخط.
بعدها بيومين، وصلت لها رسالة من رقم غريب.
الصورة نفسها.
جلال مع البنت الشقراء.
لكن المرة دي كان معاها عشر صور تانيين.
وفي آخر الرسالة مكتوب
أنا مش عاوزة منك حاجة، بس حقك تعرفي الحقيقة. أنا كنت فاكرة إنه مطلق.
وقعت ورده على الكرسي.
البنت نفسها كانت ضحية.
اسمها سارة، وعرفت إن جلال مقدم نفسه ليها على إنه رجل أعمال أرمل، وواعدها بالجواز.
الأصعب من كده إن العلاقة بينهم بقالها أكتر من سنة.
سنة كاملة.
سنة كاملة وهو بيكذب عليها وعلى مراته.
في نفس الأسبوع، حصلت المفاجأة اللي محدش كان متوقعها.
ميار مرات رامي دخلت المستشفى قبل الولادة بأيام.
والدكاترة اكتشفوا إن الجنين عنده مشكلة خطيرة محتاجة عملية بعد الولادة مباشرة.
الكل اتقلب حاله.
الحاجة فوزية كانت بتجري بين المستشفيات وتعيط.
ورامي بقى مشتت.
وجلال كان بيحاول يدبر فلوس العملية.
ساعتها اكتشفوا الكارثة الحقيقية.
مفيش فلوس.
الحسابات فاضية.
البطاقات متعسرة.
والديون متراكمة.
لأن جلال خلال السنتين اللي فاتوا كان بيصرف ببذخ على حياته السرية وعلى الشقة اللي مأجرها لسارة.
بعد أسبوع، اتصل رامي بوردة لأول مرة من شهور طويلة.
صوته كان مكسور.
ممكن أشوفك؟
استغربت.
لكن وافقت.
لما قعد قدامها في الكافيه، كان شكله مختلف.
أكبر.
أهدى.
وأول ما شافته، قال
أنا جاي أعتذر.
رفعت حاجبها.
فكمل
كنت فاكر كلام جدتي صح. كنت فاكر إنك دخيلة علينا. لكن لما كل حاجة وقعت… عرفت مين اللي كان شايل البيت فعلاً.
وسحب من جيبه ظرف صغير.
كان فيه صورة قديمة.
صورة ليه وهو عنده عشر سنين واقف في تمرين الكورة.
وفي الخلفية ورده قاعدة على المدرجات مستنياه.
قال وهو بيبتسم بحزن
الصورة دي لقيتها عندك زمان. كنت محتفظة بيها أكتر من صورك الشخصية.
لأول مرة من سنين، دموع ورده نزلت.
لكن الصدمة الأكبر كانت بعدها بيوم.
سارة نفسها راحت لبيت الحاجة فوزية.
وقدام جلال وأمه ورامي، حطت ملف على الترابيزة.
وقالت
أنا مش جاية أطالب بحاجة. أنا جاية أقول الحقيقة بس.
وكان الملف مليان تحويلات بنكية ورسائل وصور.
كل الأكاذيب اتكشفت.
وكل الأسرار خرجت للنور.
الحاجة فوزية قعدت على الكرسي وهي مصدومة.
الشاب اللي كانت بتطرد ورده عشانه وبتعتبره كامل الأوصاف، طلع هو السبب في خراب البيت كله.
أما ورده؟
فبعد شهور، كانت قاعدة في شرفتها الجديدة، تشرب قهوتها في هدوء.
لا حماتها جنبها.
لا إهانة.
لا خوف.
ولا انتظار لكلمة تقدير من حد.
رن تليفونها.
كان رامي.
قال لها
ماما… ممكن أعدي عليك أنا وميار والبيبي؟
سكتت ثواني.
الكلمة كانت أول مرة تتقال بصدق.
ابتسمت وهي تبص للسماء وقالت
تعالوا يا حبايبي… البيت بيتكم.
وكان ده التعويض اللي عمرها ما كانت تتخيل إنه هيجي بعد كل السنين دي.
تمت بعد سنة كاملة، كانت حياة ورده اتغيرت تمامًا.
الشقة الصغيرة اللي بدأت فيها من الصفر بقت دافية ومليانة حياة. زرعت بلكونتها ورد وياسمين، ورجعت تهتم بنفسها لأول مرة من سنين.
أما جلال…
فكان كل يوم بيخسر حاجة.
سارة سابته بعد ما عرفت الحقيقة، وشغله اتأثر بسبب الديون اللي بدأت تطارده، والحاجة فوزية بقت طول الوقت قاعدة في أوضة لوحدها، لا حفيد ساكن معاها ولا بيت مليان دوشة زي ما كانت بتحلم.
الغريب إن أكتر حد كان بيزورها بقى رامي.
كان ييجي كل أسبوع تقريبًا هو وميار وابنهم الصغير آدم.
وفي كل مرة، كان آدم أول ما يشوف ورده يجري عليها وهو بيضحك
تيتا ورده!
وكان قلبها يدوب من الفرحة.
في يوم من الأيام، رامي جه لوحده.
كان متردد ومكسوف.
قعد شوية ساكت، وبعدين قال
أنا عايز أقولك حاجة من زمان.
بصتله.
قال
فاكرة يوم ما سبت البيت وأنا عندي 18 سنة؟
هزت رأسها.
أنا ساعتها كنت مجهز جواب ليكي.
استغربت.
طلع ورقة قديمة مطوية من محفظته.
الورقة كانت مصفرة من الزمن.
فتحها وناولها ليها.
كانت مكتوبة بخط ولد صغير
يا ورده…
أنا عمري ما قلتلك شكراً.
بس أنا عارف إنك الوحيدة اللي كنتي بتستنيني لما أتأخر.
وإنتِ الوحيدة اللي كنتي بتحضري ماتشاتي.
وإنتِ الوحيدة اللي كنتي بتفرحي بدرجاتي.
أنا بس بزعل لما الناس تقول إنك أمي لأن عندي أم تانية…
بس ده ميمنعش إني بحبك.
وقفت الكلمات قدام عينيها.
والدموع نزلت على الورقة.
ليه ما اديتهوليش؟
ابتسم بحزن.
جدتي شافته قبل ما أديهولك… ومزقته قدامي وقالتلي إن الست دي مش من دمنا.
سكتت ورده.
وسكت هو.
وفي اللحظة دي فهمت قد إيه كانت سنين طويلة من المحاولات بتضيع بسبب حد تالت واقف بينهم.
بعد أسابيع قليلة، اتصل جلال.
لأول مرة كان صوته ضعيفًا.
ممكن أشوفك؟
وافقت على مضض.
لما شافته، اتصدمت.
كبر عشر سنين زيادة.
وشه مرهق وعينيه مليانة ندم.
قعد قدامها وقال
أنا خسرت كل حاجة.
ردت بهدوء
أحيانًا الإنسان بيخسر الحاجة اللي فضل يستهين بيها سنين.
نزل رأسه.
سامحيني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أنا سامحتك من زمان يا جلال… بس المسامحة غير الرجوع.
فهم من نظرتها إن الباب اتقفل للأبد.
قام ومشى.
ولم يطلب منها الرجوع مرة أخرى.
في مساء هادئ بعد شهور، كانت ورده قاعدة مع رامي وميار وآدم.
الطفل كان بيلعب على الأرض ويضحك.
وفجأة رفع رأسه وسأل
تيتا ورده… إنتِ ليه مش ساكنة معانا؟
ضحك الجميع.
لكن ورده ردت وهي مبتسمة
عشان كل واحد لازم يكون عنده بيته اللي يحس فيه بالراحة.
فكر آدم قليلًا، ثم جرى نحوها وحضنها.
وقال
يبقى أنا عندي بيتين.
ضحكت ورده من قلبها.
ولأول مرة منذ أربعة عشر عامًا… شعرت أن الله عوضها عن كل دمعة، وكل إهانة، وكل ليلة نامت فيها مكسورة الخاطر.
ولم يكن التعويض زوجًا جديدًا أو مالًا كثيرًا…
بل كان راحة قلب، ومحبة صادقة، ومكانة لم تعد تحتاج أن تطلبها من أحد.
النهاية بعد سنتين…
كانت ورده ماشية في الممر الطويل بتاع المستشفى الخاص اللي اشتغلت فيه مديرة إدارية بعد ترقيتها. شعرها فيه شوية خصلات بيضا زيادة، لكن ملامحها بقت أهدى وأقوى.
رن تليفونها.
تيتا ورده! أنا جبت عشرة من عشرة!
كان آدم، اللي دخل المدرسة وبقى أول واحد يتصل بيها لما ينجح في أي حاجة.
ضحكت وقالت
برافو عليك يا بطل.
وقبل ما تقفل، سمعت صوت ميار في الخلفية
إحنا مستنينك على العشا النهارده.
ابتسمت وهي تقفل المكالمة.
كانت دي عيلتها دلوقتي.
العيلة اللي اختارتها المحبة، مش الدم.
في نفس اليوم، وهي خارجة من مكتبها، لمحت راجل كبير واقف عند الاستقبال.
اتجمدت مكانها.
كانت الحاجة فوزية.
كبرت جدًا.
أكتر مما تخيلت.
ظهرها انحنى، وعينيها فقدت الحدة اللي كانت بتخوف الناس.
لما شافتها، قامت بالعافية.
وقالت بصوت مرتعش
وردة…
محدش في المستشفى كان يعرف تاريخهم.
لكن ورده عرفته من أول نظرة.
سكتت ثواني.
ثم قالت
اتفضلي.
دخلوا مكتب صغير.
الحاجة فوزية فضلت ساكتة شوية، وبعدها انفجرت في البكاء.
بكاء عجوز تعبانة.
مش بكاء ست متجبرة.
أنا ظلمتك.
كانت أول مرة تسمع الجملة دي منها.
أول مرة بعد سنين طويلة.
أنا ظلمتك يا بنتي.
وردة فضلت ساكتة.
الحاجة فوزية كملت
كنت فاكرة إني بحافظ على ابني وحفيدي… وفي الآخر ضيعتهم كلهم.
ونزلت دموعها أكتر.
جلال سافر يشتغل بره وما بقاش يسأل إلا قليل… وأنا بقيت لوحدي.
وردة بصتلها بهدوء.
ثم مدت لها كوب مية.
وقالت
اشربي.
في اللحظة دي، الحاجة فوزية رفعت عينيها وقالت
هتسامحيني؟
وردة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت
المسامحة أخدتيها من زمان.
سكتت لحظة.
ثم أكملت
لكن الجروح بتفضل فاكرة.
هزت العجوز رأسها وهي تبكي.
كانت عارفة إن بعض الأبواب لما تتقفل، ما بتتفتحش تاني.
قبل ما تمشي، طلعت الحاجة فوزية ظرف قديم من شنطتها.
ناولته لوردة.
ده كان عندي من سنين… ومكنتش أقدر أديهولك.
فتحت ورده الظرف.
وكانت المفاجأة.
خطاب قديم جدًا.
مكتوب بخط طفل.
خط رامي.
لكن مش الخطاب الأول.
خطاب تاني.
مؤرخ من قبل ما يسيب البيت بشهور.
وكان فيه جملة