ابي رمى دفتر التوفير

أصبح المبلغ كافيًا لسداد جميع ديوني.
وكافيًا لإكمال دراستي العليا.
وكافيًا لشراء شقة صغيرة بعيدًا عن أي مكان يمكن أن يصل إليه سعد.
لكن أول شيء فعلته لم يكن شراء أي شيء لنفسي.
أول شيء فعلته كان طلب صناعة شاهد قبر يليق بجدتي.
شاهد بسيط ومحترم.
حُفر عليه
أمينة محمود
أم لم تلدني…
لكنها كانت أمي.
وصية.
وامرأة أوفت بكل وعد قطعته.
وطلبت أن تُنقش أسفل اسمها عبارة قصيرة
لم يتمكنوا من ډفن الحقيقة.
في اليوم الذي وضعوا فيه شاهد القپر، استيقظت المدينة على شمس صافية.
ومن أعلى المقپرة كانت البيوت المتلاصقة تبدو كأنها جزء من لوحة كبيرة نابضة بالحياة.
وقفت هناك طويلًا.
أفكر في السنوات التسع عشرة التي حملت فيها جدتي هذا السر وحدها.
تسع عشرة سنة من الخۏف.
وتسع عشرة سنة من المقاومة.
وتسع عشرة سنة من الصمت.
من دون تصفيق.
ومن دون تكريم.
ومن دون أن يعرف أحد ما كانت تفعله من أجلي.
أما أنا…
فقد توقفت أخيرًا عن حمل أخطاء أبي فوق كتفي.
وعندما خرجت من بوابة المقپرة،
كان دفتر التوفير الأزرق داخل حقيبتي.
لم يعد تفوح منه رائحة الطين الرطب.
بل رائحة الورق القديم.
ورائحة مطبخ جدتي.
ورائحة يديها.
وعند زاوية الشارع، كانت طفلة صغيرة تطلب من أمها قطعة حلوى.
ابتسمت الأم.
واشترتها لها.
ثم طلبت منها أن تشاركها مع أخيها الصغير.
ابتسمت دون أن أشعر.
ولأول مرة في حياتي كلها…
لم يعد المستقبل يبدو تهديدًا.
بدا كأنه باب مفتوح.
وهذه المرة…
لم يعد المفتاح بيد أي شخص سواي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *