تركت ابنتي ابنها مصطفى

في أول يوم دراسي له.

ثم أخرى.

في عيد ميلاده.

ثم أخرى.

في المستشفى.

ثم أخرى.

في المنزل.

وفي كل مرحلة من حياته كنت هناك.

وفي معظم الصور ظهر ذلك الكوب الأصفر القديم الذي لم يفارقه يومًا.

شعرت بغصة تخنقني.

أما مصطفى فظل ينظر إلى الشاشة.

لا إلى والدته.

ولا إلى القاضي.

ولا إلى أحد.

ثم قال بعد صمت طويل:

“لا أملك أي ذكرى حقيقية مع أمي.”

ساد الصمت في القاعة.

ورأيت سارة تشحب ملامحها فجأة.

أما مصطفى فشدّ الكوب الأصفر بين يديه وكأنه يتمسك بشيء مألوف وسط ذلك الضجيج المرهق.

ثم أضاف بصوت خافت:

“لا أتذكر أنها زارتني.”

وتوقف لثوانٍ.

“لا أتذكر أنها اتصلت.”

ابتلع ريقه بصعوبة.

كانت الكلمات تخرج منه ببطء شديد.

ثم قال:

“لكنني أتذكر جدتي.”

ظهرت صورة جديدة على الشاشة.

كنت أجلس بجانبه في المستشفى.

ثم أخرى في المدرسة.

ثم أخرى في المنزل.

أحد عشر عامًا كاملة.

في كل صورة كنت هناك.

أما سارة…

فلم تظهر في أي واحدة منها.

رفع مصطفى عينيه نحو القاضي.

وللمرة الأولى منذ بدأت الجلسة نظر مباشرة إلى شخص آخر.

بدا وكأن هذه الثواني القليلة

تستنزف كل طاقته.
ثم قال:

“عندما احتجت إلى شخص… كانت هي موجودة.”

وعندها خيم الصمت على قاعة المحكمة بأكملها.

لقد احتفظ بكل شيء.

كل شيء.

الصور.

التقارير الطبية.

سجلات المدرسة.

إيصالات العلاج.

كل ورقة تخص حياته منذ كان طفلًا صغيرًا.

فمصطفى كان يتذكر التفاصيل بطريقته الخاصة.

وكان يشعر بالطمأنينة عندما تبقى الأشياء في أماكنها المعروفة.

ولهذا كان يحتفظ بكل شيء.

وكأنه يخشى أن يضيع أي جزء من قصته.

وفي تلك اللحظة تذكرت السنوات التي كان ينهار فيها كلما جاء الشهر الذي تركته فيه أمه.

تذكرت ليالي الأرق.

وفقدان شهيته.

وخوفه الذي لم يكن يعرف كيف يصفه بالكلمات.

يومها فقط فهمت أن الطفل الذي ظننته نسي ما حدث…

لم ينسه أبدًا.

كان جسده يتذكر دائمًا ما عجز لسانه عن قوله.

ثم استدار.

ولأول مرة منذ بداية الجلسة كلها، نظر إليّ مباشرة بدلًا من الشاشة.

وكان ذلك وحده كافيًا ليخبرني كم كان يبذل من جهد.

فالتواصل البصري لم يكن أمرًا سهلًا بالنسبة إليه يومًا.

وأشار نحو سارة وقال:

“هذه المرأة… أمي.”

ثم سكت للحظة.

وأضاف:

“لكن جدتي هي التي بقيت.”

التقط

الكوب الأصفر من فوق الطاولة وسار نحوي.
ذلك الكوب الذي رافقه منذ طفولته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *