اتطلقت من خمس سنين صافي هاني
لحد الأسبوع اللي فات، لما أغمى عليا قدام باب الأوضة.
كل اللي فاكراه غواش في عيني وأنا شايفة صندوق البوسطة، ومفاتيح رنت على الخرسانة، وكلب الجيران عمال يهوهو كأن الدنيا اتهدت. في استقبال المستشفى الحكومي، الممرضة ربطت غويشة ورق حوالين معصمي وطلبت بطاقة التأمين الصحي. الدكتور بص في تذكرتي، وبعدين بصلي، ومتكلمش براحة.
قاللي: “لو مأخدتيش بالك من نفسك دلوقتي، الموضوع هيقلب بجد والوضع هيسوء بسرعة”.
أداني ورقة الخروج، وروشتة، وبصلي البصة اللي الناس بتبصها للستات الكبار لما يحسوا إننا بنستحمل الوجع وندوس على نفسنا بقالنا سنين. بالليل، تحت لمبة المطبخ الصفرا، فتحت كرتونة الجزم اللي شايلة فيها أوراقي المهمة: شهادة ميلادي، قسيمة الطلاق، صور العيال بتاعة المدارس زمان، وفيزا “رضا” في ظرف قديم ومصفر.
كانت باينة في عيني أكبر من حجمها.
قلت لنفسي الـ 3 آلاف دولار دول مش كرامة، دول تمن دوا. دول كشف دكتور. دول تمن ليلتين في مكان نظيف حد يقيسلي فيهم الضغط ويقولي أعمل إيه بعد كده. الكبرياء مش هيقيس الحرارة، والكبرياء مش هيدفع تمن الروشتة للصيدلي.
تاني يوم الصبح، لبست أنظف عباية عندي، وحطيت الفيزا في شنطتي اللي مخيطاها بإيدي، وركبت الأتوبيس ورحت البنك.
الفرع كان منور أوي، وريحته ديتول وتكييف ساقع، مع ريحة بن محروق جاية من ورا المكاتب. جزمتي كانت بتزيق على البلاط. ساعة الحيطة كانت 10:42 الصبح لما وقفت في الطابور، وفاكرة الوقت ده بالذات لأني فضلت مبلمة في الساعة عشان مبصش على الناس الشيك اللي حواليا.
لما جه دوري، سملت الفيزا للموظف، كان شاب صغير وعينيه طيبة، وقلتله: “عايزة أسحب كل اللي فيها لو سمحت”.
ابتسم الابتسامة الميكانيكية بتاعة موظفين البنوك، وبدأ يكتب على الكمبيوتر.
وفجأة ابتسامته اختفت.
كتب تاني، بالراحة المرة دي. قلب الفيزا في إيده وبص في بطاقتي وطلب مني أقول اسمي بالكامل. صوابعه كانت بتتحرك فوق الكيبورد كأن الزراير بقت خطيرة فجأة.
بصلي وقال بحذر: “يا حجة… مفيش 3 آلاف دولار هنا”.
الدنيا لفت بيا والحيطة صغرت في عيني.
سألته وصوتي بيرعش: “أمال فيهم كام؟”
بلع ريقه وبص ورا
ه ناحية المكتب الزجاجي اللي ورا المكاتب وقال: “أنا لازم أنده للمدير”.
كنت عايزة أثور، كنت عايزة أضحك، كنت عايزة أقول إن “رضا” عرف يكسرني ويذلني للمرة الأخيرة حتى بعد 5 سنين. بس بدل كل ده، ساندت بإيدي على الرخامة وركزت عيني على علم مصر الصغير المحطوط في مقلمة المكاتب، لأنه كان الحاجه الوحيدة الثابتة في الأوضة ومش بتهتز.